مدينة عكا.. هل تعود لبنانية؟

في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1920 نقلت صحيفة "سوريا الجديدة" الدمشقية عن صحيفة "البرق" اللبنانية أن "أهالي مدينة صور رفعوا العرائض للمراجع طالبين منها الرجوع إلى معاهدة سايكس ـ بيكو، وضم حيفا وعكا والناصرة وطبريا إلى لبنان الكبير".

هذا الخبر، يحمل عناصر الإغراء إلى الغوص في وقائع التاريخ القديم والحديث بهدف الإنارة على علاقة مدينة عكا بلبنان وانتمائها إليه، منذ الحقبة الفينيقية إلى الحقبة العثمانية.

لم تكن تظاهرة أهالي مدينة صور عام 1920، للمطالبة بإستعادة مدينة عكا إلى الحاضنة اللبنانية، متأتية من عبث أو من لوثة في عقل، ففي الذاكرة الجماعية والتاريخية الصورية واللبنانية، أن مدينة عكا لم تكن ولا مرة خارج الفضاء اللبناني منذ تشكله الأول مع المدن الفينيقية، إذ كانت عكا امتدادا لمدينة صيدا في حين، وتحت ولاية مدينة صور في حين آخر، ولما كُتبت القدرة للأمير فخر الدين الثاني (1572 ـ 1635) أن يستعيد العافية اللبنانية استعاد معها مدينة عكا، وفي التقسيمات الإدارية العثمانية، كانت عكا في معظم الأحيان من أعمال ولايتي صيدا أو بيروت، وقبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، جرت مداولات ومفاوضات بين الفرنسيين والبريطانيين حول مصير مدينة عكا، وما إذ كانت ستغدو لبنانية أو فلسطينية.

أولى الروابط التاريخية ذات الصلة بين لبنان وشمالي فلسطين، يتحدث عنها “سفر الملوك” في التوارة من خلال العلاقة التي ربطت بين النبي سليمان وحيرام ملك مدينة صور بفعل بناء حيرام لهيكل سليمان من أرز لبنان ، فبعدما “انقضت عشرون سنة قبل أن يفرغ سليمان من بناء قصره والهيكل، وبما أن حيرام ملك صور أمد سليمان بخشب الأرز والسرو والذهب، أعطاه سليمان عشرين مدينة في أرض الجليل”.

هذه الصلة، ستشكل مصدرا تاريخيا أساسيا لمجمل المؤرخين الذين سيتحدثون لاحقا عن نفوذ مدينة صور بإتجاه جنوبها الجغرافي، ومن ضمنهم مؤرخو القرن العشرين من قامة العلامة ويل ديورانت مؤلف موسوعة “قصة الحضارة” وجان مازيل في “تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية” والإيطالي سبتينو موسكاتي في “الحضارات السامية القديمة”، وكارلهاينز برنهدردت في “لبنان القديم”، ويتقاطع المؤرخون عند تقويم زمني لتلك العلاقة، فيحسبونها في الألف الأول قبل الميلاد بحسب قراءة المطران يوسف الدبس (1833 ـ1907) في “تاريخ سوريا”، وكذلك في عدد مجلة “العرفان” اللبنانية الصادر في الثلاثين من نيسان/ابريل 1909.

مع دخول العثمانيين إلى بلاد الشام إثر معركة مرج دابق عام 1516، وما أعقبه من تألق عسكري وسياسي للأمير فخر الدين الثاني الذي أعاد إحياء لبنان بصورة قريبة ـ إنما أكثر اتساعا ـ عما هو عليه الآن، بدت الذاكرة الجماعية اللبنانية المتجهة نحو مدينة عكا، محفوظة تماما لدى فخر الدين ومن معه

ثمة مؤرخ أبعد زمنيا بكثير عمن سبق ذكرهم، هو فلافيوس يوسيفوس المتوفي في القرن الميلادي الأول، ففي تاريخه اعتراف مذهل بمدنية مملكة صور ولجوئها إلى التدوين، وهو أعلى مراحل المدنية، وفي هذا الكتاب يقول “منذ زمن غابر، جرت العادة على أن يحتفظ أهل صور بسجلات عامة يجري تدوينها وحفظها بعناية على المستوى الرسمي، ولقد دون في هذه السجلات، انه تم تشييد معبد في أورشليم، ولم يكن ذكر تشييد المعبد في السجلات أمرا غير معقول، فحيرام ملك الصوريين كان صديقا لسليمان، وأرسل له أجود أنواع الأخشاب من لبنان، ومقابل ذلك، أهداه سليمان قطعة أرض في منطقة الجليل، في حي يُسمى خابولون”.

مؤسس المتحف المصري، العلامة غاستون ماسبيرو (1846ـ 1916) يكتب في “تاريخ المشرق” أنه “كان قد مضى على بناء مدينة صور 2300 سنة حين زارها المؤرخ هيرودتس، وكان لها الحكم على جميع الساحل الممتد من مصب الليطاني إلى جنوبي الكرمل، سواء كانت تحت حكم الصيدونيين أو مستقلة”، وهذا يعني أن جنوبي الكرمل كان يتبع لصيدا حين تكون للأخيرة سيادتها على صور، ويكون تحت السيادة الصورية حين تكون صور مستقلة عن صيدا.

وللمؤرخ الفرنسي فرانسوا دوكريه كتاب بعنوان “قرطاجة أو أمبرطورية البحر” صدر عن دار “طلاس” السورية وفيه “فينيقيا الكبرى كانت تمتد من جبل الأقرع حتى مرج بني عامر، وساحل فينيقيا كان يبلغ مدينة عكا أو أبعد من ذلك قليلا إلى الجنوب حتى جبل الكرمل”، وفي “قرطاجة العروبة الأولى” للقيادي الراحل في “الحزب السوري القومي الإجتماعي” شوقي خيرالله، أن الفينيقيين “أسّسوا على الشاطىء الجنوبي من سوريا مدينة يافا، وأسسوا عسقلان على الحدود المصرية”، وفي دراسة “ماجستير” حديثة صادرة (2015) في الجزائر لتركية يونسي “أن حدود صور بقيت ثابتة لزمن طويل، وامتدت حتى مناطق الفلسطينيين وإلى الجنوب الشرقي وصلت إلى القدس”.

مع الحروب الأشورية والكلدانية والفارسية واليونانية والرومانية وأخيرا العربية في القرن الميلادي السابع وبين طياتها عصر الدويلات والحروب الصليبية والسلجوقية وغيرها، انقلبت معايير الزمن السياسي، ولكن مع دخول العثمانيين إلى بلاد الشام إثر معركة مرج دابق عام 1516، وما أعقبه من تألق عسكري وسياسي للأمير فخر الدين الثاني الذي أعاد إحياء لبنان بصورة قريبة ـ إنما أكثر اتساعا ـ عما هو عليه الآن، بدت الذاكرة الجماعية اللبنانية المتجهة نحو مدينة عكا، محفوظة تماما لدى فخر الدين ومن معه.

عن الأمير فخر الدين، يكتب مستشاره الشيخ احمد الخالدي الصفدي المولود في مدينة صفد المحتلة، سيرة الأمير المعني ما بين عامي 1612 و1624، فيبدأ قائلا “إن الديار الصفدية كانت قد دُرست بعواصف المحن معالمها، لما اعتلاها من الظلم والجور، إلى أن منّ الله بدولة مؤيدة ونعمة مخلدة، ألا وهي الدولة المعنية، وولّى عليها فخر الدين، كهف المرتجين ومدد الملتجين”، وهذا ما يثبت عائدة صفد إلى الإمارة اللبنانية، وعن عكا يكتب الصفدي عن عودة فخر الدين من أوروبا عام 1617 بعد نفي طوعي استمر خمس سنوات:

“أما الأمير فخر الدين، فإنه لما قارب أسكلة ـ ميناء ـ عكا، نزل من الغليون وقبّل الناس الحاضرون أياديه، وفي هذا اليوم وصل إلى عنده أخوه الأمير يونس، واجتمع في عكا هو وإياه، وكذلك جميع مشايخ بلاد صفد وبشارة والشقيف وبلاد صيدا، حضروا إلى عكا وقبّلوا أياديه”.

وهذه الواقعة سيوردها المؤرخ الفلسطيني مصطفى الدباغ في الجزء الثاني من “بلادنا فلسطين”، ولا يغفل الدباغ عن التنويه بعمران عكا حين كانت ضمن نطاق الإمارة اللبنانية “ففي عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي تمكن من أن يمد حكمه على قسم كبير من فلسطين، أخذت عكا تتقدم في عمرانها وتجارتها”، والواقعة نفسها سيأخذها اللبناني نجيب سليم الدحداح في مجادلته (مجلة “المشرق” ـ بيروت ـ نيسان/ابريل 1936) حول الوطنية اللبنانية، ويزيد عليها بالقول “لما أراد احمد حافظ باشا اغتصاب صفد من لبنان، اضطر ـ دفع ـ العسكر اللبناني الوالي المذكور إلى الفرار، واستعاد الأمير علي ـ إبن فخر الدين ـ منطقة صفد”.

في الأول من كانون الأول/ديسمبر 1978، نشرت مجلة “مجمع اللغة العربية” الأردنية دراسة بعنوان “من تاريخ حيفا العثمانية/دراسة في أحوال عمران الساحل الشامي” لمحمد عدنان البخيت، تحدث فيها الكاتب عن الأمير فخر الدين المعني الذي عمل على “توفير الأمن وتطوير موانىء بيروت وصيدا وعكا”، مما يؤكد أن عكا كانت تحت سيادته، وعندما أثار خصمه احمد الحارث القلاقل بين عكا وحيفا، انتظر فخرالدين لأن يفرغ من معركة عنجر عام 1623، فتوجه إلى شمالي فلسطين في العام الذي يليه، “حيث أعادها إلى سيطرته وكان من ضمن ذلك حيفا، وبعد ذلك جرت مكاتبات ومراجعات ومراسلات بين فخر الدين وبين احمد بأن يمنع ـ الأخير ـ عربانه من التخريب في بلاد صفد” التي استقر أمرها لسلطة فخر الدين.

إقرأ على موقع 180  لروسيا أوراقها حتى تكون منافساً عنيداً للولايات المتحدة

وحول إمارة فخر الدين اللبنانية، نشرت دورية “العرفان” في الأول من آب/اغسطس 1929 مقالة لعضو مجامع اللغة العربية في دمشق وبيروت والقاهرة المؤرخ والأديب عيسى اسكندر المعلوف، عدّد فيها مآثر فخر الدين الثاني الذي امتد ملكه “من أطراف ولاية حلب حتى تخوم القطر المصري” وأفردت مجلة “المشرق” البيروتية (1 ـ 8 ـ1934) بحثا للمعلوف، خلاصة ما تضمنه ان “فخر الدين بدأ في توسيع نطاق ملكه فضم بيروت وطرابلس وصيدا وصور، ودمشق وحمص وحماه وبعلبك، والقدس وعجلون وصفد”، وكانت مجلة “المقتطف” المصرية ـ  اللبنانية (1 ـ 9 ـ 1903) قد كتبت “بعد رجوع فخر الدين إلى الإمارة، جاء المحصِل ـ المالي ـ  يطلب بقية مال عليه، ذهب الى عكا، وشدد على القوم في التحصيل، حتى أوفى المحصل وصرفه مكرما، والمستفاد من الرواية أن عكا كانت في ولاية المعنيين”.

إن مجمل ما ورد سابقا، تلتقي حوله نقطتان، إن عكا وصفد، كانتا في أغلب الأحيان من ضمن المناطق اللبنانية، وعلى ذلك ذكرت مجلة “المقتطف” في الأول من أيار/مايو 1910 أن خلافا وقع في سبعينيات القرن الثامن عشر بين العامليين ـ أهل جنوب لبنان ـ وبين ظاهر العمر حاكم عكا، حول تابعية بلدة البصة في قضاء عكا، استطاع بعدها الجنوبيون المحافظة عليها كما في رواية المفكر اللبناني الشيخ احمد رضا في مجلة “المقتطف” المصرية ـ اللبنانية (1 ـ5 ـ 1910)، وحولها أنشد أحد شعراء الجنوب اللبناني قصيدة بعد هزيمة قوات ظاهر العمر جاء فيها:

حتى خلت تلك البلاد وفرقت/ من كان يبغي حربها ونزالها

يبلي الجديدان الصفا وحقوقنا/ تبقى وإن حاولتم إبطالها.

والمثير للإنتباه، أن عكا استمرت رافعة هويتها الفينيقية حتى ثلاثينيات القرن العشرين، ففي الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر 1920، قالت صحيفة “الكرمل” الفلسطينية “ما أن ازفت الساعة الثالثة من عصر الخميس حتى ازدحمت أرصفة حيفا وغصت بالأعيان، احتفالا بإستقبال بطريرك اللاتين، ولما وصل القطار تقدم للسلام عليه حاكم مقاطعة فينيقيا وصاحب الفضيلة مفتي هذه المقاطعة محمد افندي مراد”، وفي وثيقة خطيرة منشورة على مدونات عدة، ومنها صفحة “المدونة العاملية” ان الجمعية القروية العربية في قضاء عكا، وجهت رسالة إلى المندوب السامي البريطاني، تقول فيها “إن حكومة جلالة الملك وإن تعهدت للصهيونيين بوطن قومي لهم في فلسطين ظلماً وعدواناً وإجحافاً، إلا أن مدينة عكا وقراها، لم تكن معدودة من فلسطين بل هي فينيقية، وليست داخلة في وعد بلفور، وعلى هذا الوجه نطلب من الوزارة أن تمنع المهاجرة إلى مدينتنا وقراها”.

في التقسيمات العثمانية، كما توردها مجلة “مجمع اللغة العربية” الأردنية، أنشأت الدولة العثمانية في عام 1614، ولاية صيدا وضمت إليها بيروت وصفد، وفي عام 1716 طلبت السلطات العثمانية من خليل باشا والي صيدا أن يبني أبراجا حول ميناء مدينة حيفا، وصدرت أوامر الدولة عام 1725 بضم حيفا وطنطورة إلى صيدا، وبعد خروج المصريين من بلاد الشام كما يكتب مصطفى الدباغ “عادت مدينة عكا مركزا لولاية صيدا” وحين تم إلحاقها “بولاية سوريا، كان من جملة المتصرفين الذين تولوا أمر لواء عكا، أحمد الصلح” جد رياض الصلح، رئيس أول حكومة لبنانية بعد الإستقلال.

ثمة مؤرخ أبعد زمنيا بكثير عمن سبق ذكرهم، هو فلافيوس يوسيفوس المتوفي في القرن الميلادي الأول، ففي تاريخه اعتراف مذهل بمدنية مملكة صور ولجوئها إلى التدوين، وهو أعلى مراحل المدنية، وفي هذا الكتاب يقول “منذ زمن غابر، جرت العادة على أن يحتفظ أهل صور بسجلات عامة يجري تدوينها وحفظها بعناية على المستوى الرسمي”

وفي عام 1888 “جُعلت بيروت مركز ولاية وأُلحِقت بها اقضية صيدا وصور ومرجعيون ومتصرفيات اللاذقية وطرابلس وعكا ونابلس، واستمرت على هذه الحالة حتى نهاية الحرب العالمية الاولى”، كما يقول الوزير السوري يوسف الحكيم (1879- 1979) في “بيروت ولبنان في عهد آل عثمان”، وعشية الحرب العالمية الأولى عام 1914 كتب رفيق التميمي ومحمد بهجت في كتابهما “ولاية بيروت” تتبع كافة السواحل السورية ولاية بيروت ما عدا القسم الملحق بولاية حلب، وقد امتدت حدود ولاية بيروت في الجهة الجنوبية، فضُم إليها لواء عكا ونابلس وحتى نهر الشريعة وحدود لواء القدس الشريف”.

للبطريرك بولس مسعد كتاب بعنوان “الدر المنظوم” وضعه عام 1863 يعتبر فيه ان حدود لبنان تبدأ من النهر الكبير شمالا وتنتهي جنوبا “عند مرج إبن عامرإلى شرقي عكا”، ولا يختلف عن هذا التحديد عيسى اسكندر المعلوف في “تاريخ البقاع وسوريا المجوفة” الذي انتهى من كتابته عام 1917، فيشير إلى “أن سواحل جبل عامل من قرية ترشيحا (مستوطنة معالوت) قرب عكا إلى نهر الأولي قرب صيدا، ومن نهر القرن ـ ينبع من بلدة حرفيش ـ في الجليل الأعلى ويصب في بلدة الزيب على سواحل مدينة عكا، ومن الشرق طرف الأردن والخيط ـ بالقرب من صفد ـ والحولة إلى نهر الغجر” وعلى رأي المعلوف “أن بعض المؤرخين أوصل لبنان بعاملة حيث قال إن لبنان هي السلسلة الجبلية بين عكا وطرابلس”.

وعلى هذا النحو يخطو يوسف السودا في كتابه “في سبيل لبنان” الصادر عام 1919، فـ”فينيقيا القديمة قائمة حيث يمتد لبنان اليوم بحدوده الطبيعية من عكا جنوبا إلى أرواد شمالا”، ويطلق السودا على لبنان في عهد المتصرفية صفة لبنان المبتور، ويعيد عصام خليفة في كتابه “الحدود الجنوبية للبنان” أسباب “بتر” لبنان في نظام المتصرفية إلى معارضة بريطانيا إحياء لبنان التاريخي.

كيف أخرجت عكا من لبنان؟

يقول المؤرخ حسن الأمين في “سراب الإستقلال”:

بعد انسحاب الأتراك من بلاد الشام، كانت هذه البلاد مقسمة إلى ثلاث ولايات، منها ولاية بيروت، وكانت تمتد من اللاذقية إلى نابلس، ولما دخل الحلفاء اصدر الجنرال اللنبي قرارا بتقسيم بلاد الشام إلى ثلاث مناطق، منها منطقة فلسطين التي شملت القدس وعكا ونابلس، وهكذا خرجت عكا للمرة الأولى منذ 400 سنة عن فضائها اللبناني، بعدما كانوا أخرجوها عن فضاء مدينة صورالفينيقية حين احرقها الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الزمن الفلسطيني الجديد.. "الواحد المتعدد"