قضاؤنا وقدرنا و.. الملكة إليزابيث!

تكرّس، منذ تسعينيّات القرن الماضي، مسار إنهاك الدولة اللبنانيّة. بالتزامن مع انطلاقة مشروع الحريريّة النيوليبيرالي. فشُرِّعت الأبواب لأصحاب النفوذ الرديف. حيثما أمكن ذلك. ليس عملاً بالمبدأ الألماني القائل بأنّ لكلّ إنسان بديلاً. بل، عملاً بخطّةٍ لبنانيّةٍ ممنهجة. تقضي بإيصال المؤسّسات الأساسيّة في البلاد، إلى مستوى العجز التامّ. لتموت سريريّاً. فتواريها قطاعاتٌ رديفة الثرى. بلا تشييع أو ندبيّات. وتعيش معها أكذوبة الخصخصة!

هذا ما حصل (ويحصل) على مرّ السنين. بخاصّة، في الأيّام العجاف. بحيث، لم تترك الطبقة السياسيّة الحاكمة قطاعاً في الدولة. إلاّ وتولّت حرفه عن مبادئه وغاياته. وتفريغه من مضمونه. بشكلٍ يبدو للناظر إليه، ولشدّة ما أصابه العفن، أنّ اندثاره محتوم. ويكفي أن تُسدَّد خبطة إلى هيكله لينهار. حَبْكُ هذا المخطّط الشيطاني، صار المهمّة الوحيدة التي يؤدّيها أركان السلطة اللبنانيّة. أي، توكيل إدارة المناصب العليا في الدولة لقوى بديلة. رديفة. وخلْق بدائل أو ردفاء لكلّ مؤسّسة عامّة أساسيّة؛

الميليشيات الطائفيّة بديلاً عن “الجيش النظامي”. المدارس الخاصّة الطائفيّة المجّانيّة بديلاً عن “المدرسة الرسميّة”. دكاكين جامعات السياسيّين الخاصّة كرديفٍ لـ”الجامعة اللبنانيّة”. مافيا أصحاب المولّدات كبديلٍ عن “مؤسّسة كهرباء لبنان”. عصابة أصحاب الصهاريج رديفاً لـ”مصلحة مياه لبنان”. شركات الحوالات الماليّة بدل “المصارف”. شركات موزّعي الإنترنت بديلاً عن مؤسّسة “أوجيرو” (اليد التنفيذيّة لوزارة الاتصالات اللبنانيّة)..إلخ. وعلى هذا المنوال، تكمل فصول حكاية تدمير مؤسّساتنا الوطنيّة. لتعلو فوق خرابها مداميك المؤسّسات الرديفة (الخاصّة طبعاً). أضحى هذا التكتيك أمراً واقعاً. حقيقةً ثابتة. لكن، إلى ماذا تؤشّر هذه المعادلة؟

إلى النيّة العميقة في إيجاد مراكز سلطةٍ مستقلّة عن الدولة. تهمّشها. وتقضي على مؤسّساتها. وتحلّ محلّها. في تثبيتٍ فظيع لثنائيّةٍ وازدواجٍ في السلطة. في ما بين مؤسّساتٍ هزيلة مهلهلة يتناتشها “المعنيّون”. وبين مؤسّساتٍ رديفة خلقها وشرعنها واستثمر فيها المعنيّون أنفسهم. وفق قاعدة “وزّع شوكولاته وطَعْمينا”! كذلك، جعلوا من هذه “البدائل الممأسسة” بؤر تفجير. تشتعل غبّ الطلب. وكلّما احتاجوا إلى “خدماتها”. وإلى تظهير “خصوصيّاتهم” في مقاربة مختلف وجوه الأزمات المتشابكة. وللإشارة، فإنّ القائمين والقيّمين على تلك المؤسّسات الرديفة هم فوق القانون. وخارج دائرة كلّ ملاحقةٍ أو محاسبةٍ قضائيّة. أمّا وأن يصبح القضاء نفسه من بين المروّجين “لازدواجيّة السلطة” هذه، فهو البلاء بعينه!

“حين سكت أهل الحقّ عن الباطل، توهّم أهل الباطل أنّهم على حقّ”، يقول الإمام علي بن أبي طالب. وهذا ما حدث، بالضبط، مع أولئك المفترض أنّهم “أهل الحقّ” في بلدٍ يمكن أن ترتكب فيه المعصيّات من دون أن يحاسبك أحد! وحيث يجد أهل السوء، دوماً، الطريقة المناسبة لمخالفة القانون. يوم الثلاثاء الماضي، استجدّ تطوّر خطير وغير متوقَّع على خطّ ملفّ التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. ففيما الوقت يداهمهم لخروج الرئيس ميشال عون من القصر الجمهوري، بدأ جهابذة “العهد القوي” هجوماً من نوعٍ آخر على “جبهة” هذا التحقيق. والهجوم خير وسيلةٍ للدفاع. ألَمْ يقلها الرفيق نابليون بونابرت؟ بلى.

وعليه، غزا نوّابٌ من التيّار التابع للعهد مبنى العدليّة. ليس لإعادة التحقيق إلى سكّته المعطَّلة منذ نحو تسعة أشهر. إنّما، للسطو عليه. كيف؟ بتحرير مَن أسموه “أسير من أسرانا” (يقصدون مدير عامّ الجمارك بدري ضاهر). وذلك، عبر عمليّة “قبعٍ مقنّع” للمحقّق العدلي القاضي طارق البيطار. أي، الدفع لتعيين قاضٍ رديف له. فلا يمكن لقوّةٍ في الأرض أن تزحزح القاضي الأصيل من مكانه. اللهمّ إلاّ بقتله! إذاً، لم يبقَ سبيلاً أمام المتألّمين من وجود البيطار سوى التحايل على القانون. وتحت ستار “الوضع الصحّي الخطير” لبعض الموقوفين. و”الأمور الضروريّة والملحّة”، نُفِّذت أكبر عمليّة قرصنة للعدالة في تاريخ لبنان. بتواطؤٍ بين وزير العدل الغائب منذ تعيينه عن شؤون العدالة والقضاء. وبين قضاة مجلس القضاء الأعلى.

قرابة 300 اغتيال ومحاولة اغتيال وجريمة ذات طابع سياسي، حصلت في لبنان بين الـ 1943 والـ 2021. لم تصل التحقيقات في 90% منها إلى أيّ نتيجة. ولم يتمّ توقيف أحد. ولم يُحاسَب فيها أحد. أقصد من “المسؤولين الكبار”. فجرائم هؤلاء ليس لها أيّ مرتكب. كلّها يحميها سقفٌ سياسي. وآخر قانوني

مدخل تلك “الصفقة السياسيّة” هو الإفراج عن السيّد بدري ضاهر. لكنّ غايتها الفعليّة هي نسف التحقيق برمّته. مرّةً لكلّ المرّات. فغالبيّة القوى والقيادات السياسيّة في لبنان عقدت العزم واتّفقت، لا بدّ من التذكير، على رمي هذا الملفّ في أعمق قاعٍ في البحر. في مقدّمهم، “حزب الله” و”حركة أمل” و”المردة”. فهو يقضّ مضجعهم، لو كنتم تعلمون! يرتعبون من أن يفتح عليهم “صندوق باندورا”. وهو الصندوق الذي حملته المرأة الأولى على الأرض. وفيه كلّ شرور البشريّة (بحسب الميثولوجيا الإغريقية). يتوجّس القضاة، بدورهم، من محتوى هذا الصندوق. طبعاً، فهُم غارقون في الوحول حتى آذانهم. كيف؟

أزمة القضاء في لبنان مركّبة. ولها أكثر من وجه. تختلط فيها أهدافٌ متنافرة. وشعاراتٌ متضاربة. ويتدخّل فيها أطرافٌ يصعب حصرهم. ما يجعل هذه الأزمة عصيّةً على الشرح والتفسير. ولكن، لها مؤشّراتها ومدلولاتها الناطقة بصمت. وإذا أردنا تفنيد مشاكل قضائنا اللبناني، فستصابون بالقنوط. تكفي الإشارة إلى أنّ كلّ ما حصل، في السنوات الثلاثين الأخيرة، لم يكن سوى تراكمٍ شاقّ من المسرحيّات القضائيّة الهزليّة. نصوصها عابقة بالمخالفات والهرطقات والانتهاكات والارتكابات والتسويات والصفقات! وكلّ ذلك كُرمى لمصلحة القضاة الشخصيّة. “والمصلحة الشخصيّة هي دائماً الصخرة التي تتحطّم عليها أقوى المبادئ”، بحسب الكاتب المصري توفيق الحكيم (في كتابه الشهير “شجرة الحُكم السياسي في مصر” الذي أثار نشره غضب الأحزاب السياسيّة).

إقرأ على موقع 180  ما فات السيد نصرالله!

قضاؤنا لا يغضب. إنّما يبطش بهدوء. ويجيز ليس ظلم المواطنين اللبنانيّين غير المحميّين من أحزاب السلطة، فحسب. بل يعرّضهم للظلم والاحتقار معاً! فقضاؤنا أصبح المثال الأوضح لنمط الدولة الغنائميّة الذي نعيش بظلّه. وتغيب فيه فكرة حياد الجسم القضائي ونزاهته، بالمطلق. لكون الدولة الغنائميّة مجرّد حصص وغنائم ومواقع مرصودة للأقوياء، فقط. ولخدمة مصالحهم المباشرة، حصراً. لذا، يصبح هاجس قضائنا محاكمة الضعفاء. ومحاسبة الضحايا. وتعميم ثقافة الإفلات من العقاب. إذْ من مصلحته، والحال هذه، أن يمنع الحقيقة عن ملايين اللبنانيّين. ويكتفي بمحاكمة سارقي الدرّاجات الناريّة وقوارير الغاز والمدمنين! وبعد؟

قرابة 300 اغتيال ومحاولة اغتيال وجريمة ذات طابع سياسي، حصلت في لبنان بين الـ 1943 والـ 2021. لم تصل التحقيقات في 90% منها إلى أيّ نتيجة. ولم يتمّ توقيف أحد. ولم يُحاسَب فيها أحد. أقصد من “المسؤولين الكبار”. فجرائم هؤلاء ليس لها أيّ مرتكب. كلّها يحميها سقفٌ سياسي. وآخر قانوني. فالقضاء، تحديداً، يجعلهم بمنأى عن أيّ مساءلةٍ ومحاسبة. وأكثر. فهو يبيح للسلطة السياسيّة في أن تستخدمه لتصفية حساباتها. ولتأمين التغطية للفاسدين من “كبار القوم”. وعرقلة المسار القضائي للملفّات الحسّاسة التي قد تدينهم. أليس هذا ما يحصل في ملفّ جريمة مرفأ بيروت؟ وفي ملفّ جريمة سطو المصارف على ودائع الناس؟ بلى وبلى وبلى.

يقول مثلٌ دانمركي، “حيث يُفتقَد القانون ينبغي أن ينوب الشرف منابه”. لا قانون يحمينا. ولا شرف ينوب عن غيابه في لبنان الذي صارت فيه الحياة كميدان الموتى، والتعبير للشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي. على فكرة؛ في لبناننا يوجد دستور. لكنّ الدستور شيء. والممارسة شيءٌ آخر. ولدينا مجلّدات من القوانين. لكنّ القانون شيء. والقضاء شيءٌ آخر. قضاؤنا، أيّها الأصدقاء، يعمل بمعزلٍ عن الدستور والقوانين والأعراف والأخلاق. فلقد بات، بالنسبة إلينا، مبعثاً للخوف والقلق! فهل أصعب من أن تغرق وأنت في قارب النجاة؟

كلمة أخيرة. في مصنع التفاهة والرذيلة الذي اسمه لبنان، دعا رئيس حكومتنا العتيد إلى تنكيس الأعلام ثلاثة أيّام حداداً على ملكة بريطانيا إليزابيث. لم يسمع هذا المسؤول، الذي يدير حاليّاً “العمّال” في  المصنع المذكور، صراخنا المفجوع على قضائنا. بينما هو يهوي ويتشظّى كآنيّةٍ كبيرة من الزجاج! لو سمع يا ترى، هل كان سيدعو لتنكيس الأعلام أيضاً؟ إقتضى السؤال.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  قاآني في بغداد مُتضامناً مع الكاظمي: لا للعب بالنار