“حامل الراية” صلاح شحادة أو “جيمس بوند فلسطين” (103)

في كتابه "انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، يروي الكاتب رونين بيرغمان تفاصيل عملية اغتيال القيادي الفلسطيني صلاح شحادة بصاروخ جوي زنة طن متفجرات إستهدف منطقة مكتظة بالسكان وتسبب بإرتكاب مجزرة مروعة راح ضحيتها حوالي مائتي شخص بين قتيل وجريح، بينهم سبعة أطفال.

يبدأ الكاتب رونين بيرغمان روايته بالقول إن آفي ديختر “كان ضابط حالة صغير في جهاز “الشين بيت” عندما استجوب شاباً يُدعى صلاح شحادة، من العاملين في الشأن الإجتماعي في قطاع غزة، وكان شحادة حينها في الرابعة والعشرين من عمره من بلدة بيت حانون شمال مدينة غزة. طالب ألمعي حصل على قبول لدراسة الطب والهندسة من جامعات في تركيا والاتحاد السوفياتي ولكن نظرا لفقر العائلة، استقر الرأي على ان يتخصص في العمل الاجتماعي في مدينة الإسكندرية المصرية، وبعد تخرجه هناك، حصل على وظيفة في مدينة العريش في شبه جزيرة سيناء القريبة من الحدود مع غزة. كان ذلك في العام 1977 وكان هناك عندما لاحظه ديختر للمرة الأولى”.

يقول ديختر لبيرغمان “كان (شحادة) انساناً مختلفاً، متأنقاً ويحمل حقيبة تشبه تلك التي كان يحملها جيمس بوند (الشخصية الجاسوسية الشهيرة)، وبشكل عام كان يُعطي انطباعاً جيداً”، لذلك فكّر ديختر بإمكانية تجنيد شحادة كعميل او على الأقل كمتعاون، لكن لم يتمكن من ذلك ولم يفضِ اجتماعه به إلى أي شيء.

بعد خمس سنوات من العمل الاجتماعي، يتابع بيرغمان، “انضم صلاح شحادة الى احدى كليات الجامعة الإسلامية في غزة ليصبح بعدها عميداً للطلاب في الجامعة وخطيباً في أحد مساجد المدينة. خلال نشاطاته الاجتماعية، التقى شحادة بالشيخ احمد ياسين، مؤسس حركة حماس، ليصبح الرجلان بعدها مقربين جداً، وقد إنبهر شحادة بكاريزما ياسين ومعارفه ورؤيته في إقامة دولة إسلامية بقيادة رجال الدين في فلسطين، فيما وجد ياسين في شحادة رجلاً يمتلك موهبة الإدارة والقيادة. في هذا السياق، كشف أحمد ياسين لصلاح شحادة السر الكبير: تحت عباءة اعمال الغوث والنشاطات الدينية، كان يُخطط لتأسيس ذراع عسكرية “إرهابية” للعمل ضد “إسرائيل” وسُرعان ما عيّن شحادة رئيساً لهذا المشروع”!

اعتقل جهاز “الشين بيت” شحادة للمرة الأولى في إطار حملة الاعتقالات التي شنّها ضد نشطاء حماس في العام 1984 (ولم تكن حماس حينها تعمل تحت هذا الاسم)، فأُدين ليطلق سراحه بعد عامين وليعتقل مرة ثانية في العام 1988 فيُدان بصلته بعدد كبير من “الهجمات الإرهابية” وحكم عليه حينها بالسجن لمدة عشر سنوات.

كان صلاح شحادة يقود من داخل سجنه الجناح العسكري لحركة حماس. وفي العام 1998 أنهى شحادة تنفيذ الحكم الصادر بحقه، ولكن أبقي عليه في السجن وفق تدبير التوقيف الإداري ـ وهو تدبير مثير للجدل مشابه للتدبير الذي تعتمده الولايات المتحدة الامريكية مع معتقلي سجن غوانتانامو ـ ووفقا للشين بيت، فان اطلاق سراحه “كان يشكل خطراً مباشراً واكيداً على الامن في المنطقة”. ومع الوقت، أدى بقاءه في السجن طوال هذه السنوات إلى أن ينال صفة البطل في غزة.

بعد مرور ثلاثين عاماً على محاولة ديختر تجنيد شحادة، أخذ “الشين بيت” يبني ملفاً ضخماً للرجل الذي أُعطي اسماً سرياً هو “حامل الراية”، وقد التقى الرجلان عدة مرات خلال سنوات سجن شحادة، وينقل بيرغمان عن ديختر قوله “كان شحادة الشخص الذي شكّل التهديد المبدئي لنا، أكثر من الشيخ ياسين، فهو على عكس ياسين كان متعلماً ولديه خبرة في الإدارة ما أعطاه مقدرة عملياتية استثنائية”

وفي العام 2000، يقول بيرغمان إن السلطات الفلسطينية طالبت “إسرائيل” بإطلاق شحادة وبعض رفاقه في محاولة منها لتظهر امام الفلسطينيين انها تهتم بكل مواطني “دولتها”، بمن فيهم من ينتمون الى حركة حماس الذين كانوا يتمتعون بشعبية كبيرة، واخبرت السلطات الفلسطينية “الإسرائيليين” ان شحادة هو شخص براغماتي واداري بخلفية إنسانية على عكس الشيخ ياسين الراديكالي. كان ذلك زمن الامل الكبير قبيل انعقاد قمة كامب ديفيد بين ايهود باراك وياسر عرفات اللذين كانا على تواصل مباشر ويحاولان تسريع عملية السلام ودفعها الى الامام، فأرادت حينها “إسرائيل” ان تقوم بخطوة إيجابية تعرب فيها عن حسن نية تجعل السلطة  الفلسطينية تكسب الى جانبها المشككين بعملية السلام، وكانت حينها نشاطات حركة حماس في أدنى مستوياتها وذلك بفضل نجاحات الشين بيت، فوافقت “إسرائيل” على الطلب واطلقت سراح شحادة بعد ان وقع تعهداً بألا يعود الى النشاطات “الإرهابية” وهذا كان امراً معتاداً مع السجناء الذين تطلق “إسرائيل” سراحهم، وكانت السلطة الفلسطينية هي الضامنة لتعهد شحادة. وفي عودة الى الوراء، ينقل بيرغمان عن أحد العملاء السابقين في “الشين بيت” قوله ان “الإسرائيليين” الذين وافقوا على إطلاق سراح شحادة كانوا سذجاً “ولكن كان شعورنا حينها ان الامل (بالسلام) موجود”.

يتابع بيرغمان، “على مدى أربعة أشهر بعد إطلاق سراحه، تجنب شحادة القيام باي نشاطات غير قانونية، ولكن عندما اندلعت الانتفاضة عاد الى الميدان، ووفقا لملفات الشين بيت منذ ذلك الحين أصبحت مواقف شحادة أكثر تطرفاً وعاد الى التحريض والتوجيه والقيادة والانخراط في خطط لتنفيذ عمليات إرهابية إجرامية إضافة الى وضعه في قيادة تنظيم حماس”.

وبعد مرور ثلاثين عاماً على محاولة ديختر تجنيد شحادة، أخذ “الشين بيت” يبني ملفاً ضخماً للرجل الذي أُعطي اسماً سرياً هو “حامل الراية”، وقد التقى الرجلان عدة مرات خلال سنوات سجن شحادة، وينقل بيرغمان عن ديختر قوله “كان شحادة الشخص الذي شكّل التهديد المبدئي لنا، أكثر من الشيخ ياسين، فهو على عكس ياسين كان متعلماً ولديه خبرة في الإدارة ما أعطاه مقدرة عملياتية استثنائية”.

إقرأ على موقع 180  بوتين على عتبة بركان جيوسياسي: أيكون بريجينيف أم دوستويفسكي؟

بادر شحادة الى تطوير تقنيات قتالية جديدة وتابعها بصورة حثيثة، مثل اطلاق رشقات من مدافع “مورتر” على آليات مصفحة في الأماكن المفتوحة واستخدام العبوات الناسفة ضد الدبابات، كما ابتكر طريقة جديدة في نشر المفجرين الانتحاريين مستخدماً زوارق مفخخة وشاحنات حاويات مفخخة، وكان مسؤولاً عن تقديم صاروخ القسام البعيد المدى الذي غير في طريقة مواجهة حماس لـ”إسرائيل”، لقد فهم رئيس “الشين بيت” في القطاع الجنوبي أهمية شحادة قائلاً “كان هو بنفسه وبعضمة لسانه يعطي الأوامر الدقيقة لشن الهجمات، ويرسم السياسات الإرهابية ويصدر التعليمات عن الوقت الذي يجب أن تشن فيه الهجمات، لقد كان القوة الدافعة للهجمات بل لقد كان هو بنفسه الهجمات.”

ووفقا لملف “الشين بيت”، يقول بيرغمان، كان شحادة على علاقة مباشرة بهجمات أدت الى مقتل 474 شخصاً وجرح 2649 آخرين بين يوليو/تموز 2001 ويوليو/تموز 2002. لذلك فقد وُضع تحت المراقبة الدقيقة، ولكن لأنه كان يدير أعماله من داخل غزة لم يكن ممكناً لـ”إسرائيل” ان تعتقله كما لم يكن لدى السلطة الفلسطينية الإرادة لتنفيذ التزامها بضمان عدم قيام شحادة بأية هجمات ضد “الإسرائيليين”. وهكذا فقد وُضع اسم شحادة على الصفحة الحمراء (أمر الاغتيال) ووضعت عملية “حامل الراية” قيد التنفيذ.

من هذه النقطة، يستفيض بيرغمان في شرح آلية اتخاذ القرار بتنفيذ عملية القتل المتعمد، محاولاً اظهار ما يعتبره الحرص “الإسرائيلي” على تحييد المدنيين قدر المستطاع خلال تنفيذ العملية، فيقول “في اي مهمة للقتل المتعمد وقبل الضغط على الزناد ينبغي تأكيد هوية الهدف المنوي قتله من قبل مصدرين مستقلين وفق التوقيت الحقيقي وهو ما يسمى بـ”التأطير”،  وقد صُمّمَ “التأطير” للتأكد من قتل الشخص الصحيح بحسب ما يقول آفي ديختر “وليس صديقه أو أخيه أو شخص يشبهه أو حتى أحد المارة”، وقد استثمر “الشين بيت” و”أمان” وسلاح الجو جهوداً ضخمة من اجل التأكد من عدم ارتكاب أخطاء ابداً، وقال ديختر وكرر مراراً وتكراراً القول “يجب ألا نسمح بتكرار ما حصل في ليلهامر (عندما قتل “الموساد” عاملاً مغربياً ظناً منه انه كان المسؤول في حركة فتح علي أبو حسن سلامة)”. وفي مناسبات عديدة أوقف قادة غرفة الحرب المشتركة عمليات كي لا يخاطروا بقتل الشخص الخطأ.

يتابع بيرغمان، “في الممارسة فان “تأطير” الهدف ليس بالصعوبة التي قد يبدو عليها الامر، ففي حالات عديدة كان أحد المصدرين، المطلوب تأكيدهم هوية الهدف، عميلاً فلسطينياً يعرف الهدف جيداً وقد حدّد هويته في المرحلة الأخيرة من العملية من موقع مخفي. ولقد كان لـ”الشين بيت” و”الوحدة 504″ في جهاز “أمان” عدة مصادر، ولكن وفقا لديختر “هؤلاء الأشخاص لم يكونوا بمثابة حاخامات لنا (أي موثوقين كثيراً) لذلك كان علينا التعامل معهم دائماً بصورة مشككة”، وكان بذلك يشير إلى أن مقاييسهم الأخلاقية كخونة لشعبهم وأصدقائهم تترك مجالاً لأمور غير مرغوب بها. وكان لغرفة الحرب المشتركة أيضاً قاعدتها التي تفيد بأنه إذا ما فقد التواصل البصري مع الهدف المنوي قتله فان عملية التأطير تلغى ومن الضروري العودة للبدء بها من جديد. وعلى سبيل المثال، إذا دخل الهدف إلى سيارة ما بعد أن تم تحديد هويته، ولكن السيارة عندها دخلت تحت سقف ما في محطة للوقود بحيث لا يمكن رؤيتها يجب ان تبدأ عملية تحديد هوية الهدف من جديد. وقد حصل هذا النوع من الأحداث عدة مرات، وغالباً بسبب سماء ملبدة بالغيوم، وفي كثير من الأحيان كانت الضربة تلغى من أساسها”.

ووفقا لهذه التدابير الصارمة في تحديد الهوية، يقول بيرغمان، “بات لدى جهاز الشين بيت ملف ذهبي في الدقة”، وينقل عن ديختر قوله “ملف الشين بيت في التأطير كان دقيقا مئة في المئة وللأسف لم يتم تدمير الهدف في كل حالة، ولكن دائما كان الهجوم يستهدف الشخص المنوي قتله”، وزيادة على ذلك فان عمليات القتل المتعمد كان لها تأثيراً مقصوداً. ففي العام 2002 بدأت تظهر نتائج حرب “إسرائيل” على “الإرهاب” واخذ عدد “الإسرائيليين” الذين يقتلون بهجمات انتحارية يتضاءل، فبعد 85 قتيلاً “إسرائيلياً” في مارس/اذار كان هناك فقط سبعة قتلى في يوليو/تموز وسبعة في أغسطس/آب وستة في سبتمبر/أيلول”.

ويختم بيرغمان هذا الفصل بالقول “مقابل الجهود الكبيرة التي كانت تبذل لتأكيد دقة “التأطير” للهدف (تحديد هويته) فان جهوداً أقل بذلت في تحديد ما إذا كان الهدف وحيداً وأنه لا وجود لمدنيين أبرياء قربه. وبالرغم من القواعد والضمانات الزائدة، فقد كانت “إسرائيل” تنفذ عمليات قتل متعمد بمستويات لا بد معها من حصول أخطاء وعلى الرغم من القلة النسبية لهذه الأخطاء التي كانت تحصل فان أناساً أبرياء كانوا يقتلون”.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  جهوزية حزب الله في مواجهة إسرائيل.. على إيقاع البايدنية!