“نيڤالياشكا روسيا”.. منبع الهوية ونشأة الدولة (1)

نيڤالياشكا، كلمة روسية صعبة النطق وذات معان عدة، لكنها في الأساس تعني البهلوان أو الدمية المتمايلة. وهو إسم دمية كلاسيكية شهيرة انتشرت كلعبة أطفال، وكجزء من ديكورات رفوف المنازل. وتسمى في الدول الناطقة بالإنجليزية دمية رولي-بولي Roly-Poly Toy. 

نبعت هذه الدمى من تمازج ثقافات عديدة كالصينية، اليابانية، التركية، القوقازية بل والمصرية، حيث كانت دمى شبيهة تباع في السوق المصري منذ عقود كقطع ديكور خشبية وهي مستوحاة من دمى نيڤالياشكا. الفارق هو أنها دائماً ما كانت ذات قاعدة مسطحة مستوية.

بينما نيڤالياشكا، أي النسخة الروسية من الدمية على وجه الخصوص، دائماً ما تميزت عن زميلاتها بقاعدتها البيضاوية. وهي بالرغم من ذلك تستقر على الوضع القائم طوال الوقت. بل إنها تأبى إلا أن تعود لذات وضع الانتصاب في كل مرة تصيبها ضربة تخل بتوازنها، فتتمايل لبعض الوقت حسب قوة الضربة، ثم يقودها الوزن القابع في نصفها السفلي من الداخل، إلى العودة والاستقرار في الوضع القائم ثانية في عناد وإصرار لا يفتر.

قبل أن تسارع صديقي القارىء بإطلاق جملة “ما هذا الهراء؟”، أعط نفسك فرصة القراءة بتمعن، لكي تفهم سطراً بعد سطر، ما علاقة دمية نيڤالياشكا بالهوية الروسية وتاريخ هذه الدولة الذي لا يهتم به كثيرون.

دعونا نتجاهل عمداً تاريخ أرض روسيا السحيق، كسهوب سكنها نياندرثال وقبائل من الرعاة الرحل ممن لم ينتظموا في كيان اجتماعي، أو الأهم، كيان سياسي يقترب من مفهوم الدولة. كثيرون هم من سكنوا هذه الأرض أو ارتحلوا نحوها من أعراق وأقوام، كالقوط، اليونانيين، الهونيين، التركيين (الآڤار)، البسفوريين، السكوزيين (الإيرانيين)، السلاڤيين (الصقالبة). بعضهم هام بها على وجهه في تجمعات بدائية تعيش على الجمع، الالتقاط، الصيد أو الرعي. والبعض الآخر أغار عليها ثم قويت شوكته فسيطر، وآخرون هاجروا إليها، وقاموا بتكوين ممالك صغيرة استمرت لفترات متباينة بمناطق مختلفة في هذا الجزء من الكوكب. هذه الأرض الغنية بالموارد، فسيحة السهوب، كثيفة الغابات عنيدة التضاريس وقاسية الطقس.

لنقفز إلى زمن ظهور الاسكندناڤ (الڤرنجيين) في المشهد، لنحاول رسم تصور نتتبع به خطوات تشكل نواة دولة اسمها روسيا.. وإن حوى هذا التحليل، اختصاراً مخلاً أو اجتهاداً في التحليل يصل إلى التجرؤ على التاريخ، لذا لزم التنويه.

نقطة البداية هي ظهور المغيرين على غرب وجنوب غرب روسيا الحالية، من القبائل الإسكندناڤية أو كما يسمون، الڤرنجيين Varangians. وهذا هو المنبع العرقي الأساسي الذي يمكن أن نشير إليه كبداية صناعة هوية روسية مستقلة وذات سيادة.

صورة تاريخية لقبائل اسكندناڤية قديمة ذات طبيعة شجاعة، ولكنها شرسة وتعتمد على القرصنة، الإغارة وجمع الغنائم من أقوام أضعف قتالاً، سواء أكانوا من ملاك الأراضي من مكتنزي الثروات، أو مزارعين مستضعفين يعملون لدى من يملك الأرض ويحكمها أياً كان. وما كانت تفعله هذه القبائل الڤرنجية في بدايات القرن التاسع الميلادي، هو أن تتحرك من شمال أوروبا شرقاً عبر مياه الأنهار المتصلة أو البحار، لتغير على من يسكنون على ضفاف بحر البلطيق، من الفنلنديين والسلاڤيين، لتعود من حيث أتت بالكثير الكثير من المغانم.

كيف تتعامل هذه التجمعات السكنية الشرقية مع مثل هؤلاء المغيرين؟ المقاومة المسلحة لا تفلح، المتاح فقط هو الاستسلام للنهب المتنقل حتى يرتحل بما جاء من أجله.

ولكن يبدو أن الغارات المتتالية ورحلة العودة المتكررة من حيث جاء المُغير قد أعيته. كانت الإغارات تتجه تدريجياً من الشرق الشمالي إلى الشرق الجنوبي الأقل برودة، حتى بلغت أرض أوكرانيا الحالية وما حولها، والعديد من التقسيمات الإدارية في جنوب غرب روسيا الاتحادية المعاصرة.

ثم لجأ الڤرنجيون إلى بناء الحصون في طريق العودة من الإغارات، وربما بمرور الزمن، تقاربت المسافة بين هذه الحصون والمعاقل، مع حدود المناطق المستهدفة، فاستقر المقام بهم تدريجياً في هذه المناطق الأكثر دفئاً. كان الأمر كعرض لا يمكن رفضه، من ذا الذي يرفض تقصير رحلة العودة بعد رحلة إغارة مرهقة، ثم أن من كانوا يسكنون هذه الأراضي الدافئة ذات الغنائم، كانوا إما من المزارعين أو المرفهين أو الرحل، وجلهم لم يحمل السلاح أو يملك روح القتال والحرب، وإن حاول تفوق عليه الڤرنجيون على أي حال.

أدى ذلك، إلى تطور وضع الڤرنجيين من مغيرين شرسين، إلى تجار متواجدين بقوة السلاح، إلى أسياد يحكمون مناطق من هم أضعف منهم، وصولاً إلى نشوء علاقات تعايش مع بعض سكان هذه المناطق البعيدة عن منشأهم النوردي الشمالي.

بلغت هذه الدوقية (كييڤ روس) من قوة، ما تتعجب إذا ما قرأت عنه. فغاراتهم على القسطنطينية لمحاولة شق الطريق للإطلالة على المياه الدافئة للبحر المتوسط، تشهد على هوية دولة تشكلت، وهي الآن تفكر ككيان في مصالح مستقبلية، وتنظر لخريطة العالم، وتخطط للتوسع وفتح فرص التجارة. وأصبح لها دين رسمي هو المسيحية، التي استوحتها من بيزنطة

وهنا يذكر المؤرخون، صفقات تم عقدها بين الڤرنجيين والأوكرانيين كمثال – وللمثال هنا مغزى – حيث كان الأوكران يعيشون تقريباً في بقعة مطابقة لحيث تقع دولة أوكرانيا اليوم على الخريطة. ويبدو أن استقرارهم في أرض خصبة للزراعة، غنية بالموارد ورائجة التجارة، ساعدهم على تكوين ثروات، مكنتهم من إغراء الڤرنجيين بالعمل لصالحهم. فأستأجروهم ليقوموا بأداء مهام حفظ الأمن وضبط النظام في المدن الأوكرانية. وأوكرانيا في هذا العصر، كانت تمثل الجزء المتحضر، والمتكون في صورة ما يمكن اعتباره دولة بمفاهيم عصره، في أرض سكيثيا والسهوب البنطية، استوطنتها غالبية من العرق التراقي (القوط الشرقيين).

وعند هذه النقطة، نشأت نزعة الاستقرار والتسيد على الأرض وحكمها عند المغيرين السابقين، مرتزقة الأمن حينها، ليتحولوا في أقل من ثلاثين عاماً إلى حكام مسيطرين على أوكرانيا وما يحيطها من أراض شاسعة، حتى أن اسم أرض أوكرانيا وقتها، تغير إلى “كييڤ روس Kievan Rus”.

روس! من أين أتت هذه الكلمة المألوفة بغتة؟

اختصاراً للكثير من النظريات في أكثرهم إقناعاً. الأولى تقول أن هذا الاسم ظهر في كتابات عدة مؤرخين، بتاريخ يسبق غارات الڤرنجيين بثلاثة قرون، واستخدم للإشارة إلى قبيلة تسمى “روس Rus” تقطن الأرض الاسكندناڤية التي نعرفها اليوم بـ”السويد”.

بينما النظرية الثانية، وقد تكون بنيت على الأولى، لأنها تعد اجتهادات مؤرخين أوروبيين عاشوا في العصور الوسطى. حيث أطلق العديد منهم لفظة “روثينيا Ruthenia”، بداية من القرن الحادي عشر وما بعده، إشارة إلى بقاع شملت مملكة جاليسيا وڤولينيا وكييف الروسية. ثم بعد تفككها، استخدموا لفظ “روثينيا” كتسمية عامة لدوقية ليتوانيا ومملكة بولندا. لاحظ كيف أن كل هذه الممالك تتواجد في ذات النطاق الذي أغار عليه ثم استقر فيه فحكمه الڤرنجيون الروس.

عودة إلى “كييڤ الروسية”، أو “روس الكييڤية”، بعد استقرار الحال بالاسكندناڤيين في مركزهم الحضري التجاري الجديد، تحولت أجرة حفظ الأمن والحماية مع انتصاف القرن التاسع، إلى جزية يدفعها السكان للأسياد الـ Rus، وهذا ما حدث مع آخرين بشكل أسبق من الأوكرانيين، ولكن وصول سيطرة الروس إلى هذه النقطة كان مفتاح نشأة الدولة.

هذه الدولة السياسية شكلاً، والتجارية نشاطاً، تنافست وتعاونت في ذات الوقت مع التجار المسلمين من بغداد إلى بيزنطة، وتعددت المراكز التجارية في عدة مناطق أخرى، في غرب وجنوب غرب روسيا الحالية، على رأسها مدينة “نوڤوجرود”، في تعاون تاريخي شمل السلاڤيين الشرقيين، الروس ذوي الأصل الاسكندناڤي الڤرنجي، العرب، البيزنطيين وعديد الأعراق التي اعتنقت الإسلام، وفي ذلك اختصار مخل لعدد الأقوام التي تصاهرت وانصهرت عناصر منها في بعضها بدرجات متفاوتة، وهكذا هو التاريخ، يهرب بالذهن من خطوط ندعوها حدوداً سياسية في عصرنا الحالي.

نقفز الآن ثلاثة قرون للأمام، لنصل إلى اقتتال الفنلنديين والصقالبة تنافسا على السيادة، بعدما نجحوا في التخلص من حكامهم الڤرنج لفترة. ما لبثوا بعد احتدام الصراع في ما بينهم وشدة التفكك، أن طلبوا العون من الأقوياء، نعم، طلبوا العون من الڤرنجيين الروس، الذين قدموا بشجاعتهم الشمالية، وسيطروا مرة أخرى على نوڤوجرود، ومساحات شاسعة أخرى، ودان لهم بالولاء جل الصقالبة السلاڤيين ثانية، ليستقر الوضع على أول دولة روسية مستقرة في صورة دوقية.

وبلغت هذه الدوقية (كييڤ روس) من قوة، ما تتعجب إذا ما قرأت عنه. فغاراتهم على القسطنطينية لمحاولة شق الطريق للإطلالة على المياه الدافئة للبحر المتوسط، تشهد على هوية دولة تشكلت، وهي الآن تفكر ككيان في مصالح مستقبلية، وتنظر لخريطة العالم، وتخطط للتوسع وفتح فرص التجارة. وأصبح لها دين رسمي هو المسيحية، التي استوحتها من بيزنطة، كما أصبحت لها لغة خاصة، عملة نقدية رسمية، نظام حكم ملكي مطلق، مدعم بحق إلهي – استوحت فكرته من اليونانيين – للدوق الأكبر، الذي تجمع باسمه الضرائب من أراض تمتد بين بحار الأسود، قزوين والبلطيق، وبلغت راياتها قمم جبال القوقاز.

أصبح هناك مجتمع روسي يمكن تقسيمه لطبقات، بين النبلاء والأتباع، التجار والزراع، أهل المدن والقرويين، العبيد وأنصاف العبيد. نشأ نظام قانوني وقضائي، وكانت في روسيا نشأة نظام المحلفين المعمول به اليوم في الولايات المتحدة. ازدهر العمران، بنيت الكاتدرائيات ودور التعليم، عزفت الموسيقى، رسمت اللوحات، تمدنت وتنوعت الأزياء، وزينت الأبنية بالفسيفساء والنقوش.

وهنا نتوقف، لنتذكر البدايات النابعة من روح القرصنة والإغارة، الشدة في القتال وصعوبة المراس. كيف تحولت إلى دولة لها نظام وسطوة، تعبر عن نفسها بجميع الوسائل، وتدافع عن مصالحها بكل قوة، تناطح أعتى من أحاط بها من امبراطوريات.

وهكذا نشأت الروح الروسية، ولا أتحدث هنا عن الإثنية، بل المقصود هو الهوية.

نستكمل في الأجزاء التالية، لنحاول فهم كيف التحم بهذه الهوية، انتصاب نيڤالياشكا القائم عبر العصور برغم الضربات.

До скорого / دو سكوروجو

إقرأ على موقع 180  كسرة الخبز لا تُقايَض بالديمقراطية

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  غاز وألغاز بين روسيا وأوروبا.. وأميركا