للعالم “موندياله”.. ولنا “مونديالنا”!

فاز منتخب سويسرا على نظيره الكاميروني، بهدفٍ واحد مقابل لا شيء، في المباراة التي جمعت بينهما ضمن منافسات الجولة الأولى من دور المجموعات في مونديال قطر. ليس الحدث في هذا الفوز، بل في ما فعله مهاجم منتخب سويسرا بريل إمبولو بعد تسديده هدف التقدّم للسويسرانيّين على الأُسود الكاميرونيّة.

بعد “هدف النصر”، ظهّرت كاميرات العالم صورةً للّاعب الكاميروني الأصل بريل إمبولو في لقطةٍ دراميّة مؤثّرة. بدا كالّلاعب الذي سدّد بالخطأ هدفاً في مرمى فريقه. أو كالجندي الذي أصابت طلقات سلاحه جنود جيشه. أو جنود جيشٍ حليف بـ”نيرانٍ صديقة”. ما بيد إمبولو حيلة! إذْ شاءت الأقدار أن تضعه في مواجهة منتخب “بلده الأمّ”. وعندما هاج مشجّعو الفريق السويسري وماجوا. وعلت “هيصتهم” فرحاً بالهدف (في الدقيقة 48)، رفع إمبولو يده طالباً من زملائه عدم إشراكه في الاحتفال بالهدف. احتراماً لمشاعره ومشاعر الجماهير الكاميرونيّة التي وقف لاعبنا قبالتها راسماً بيديْه علامة “قلب” في إشارة للحبّ الذي يكنّه لها. وكأنّه يقول لأهل البلاد التي غادرها طفلاً: “إعذروني على الإساءة التي اقترفتها بحقّكم. فمهنيّتي طغت على عاطفتي”!

وعند انتهاء المباراة، توجّه بريل إمبولو إلى لاعبي منتخب الكاميرون ليتحدّث معهم. وعانق، بحرارةٍ لافتة للإنتباه، ريجوبيرت سونج المدير الفنّي للمنتخب الكاميروني. بريل إمبولو ليس من اللاعبين الذين قَبِلوا العروض الماليّة المغرية، وما أكثرهم، لمغادرة أندية بلدانهم. أو للحصول على جنسيّات دولٍ معيّنة للّعب ضمن منتخباتها! فوالدته ارتبطت بمواطنٍ سويسري بعد انفصالها عن والده، واصطحبته معها حين غادرت الكاميرون. لذا كان لتصرّفه، بعد أن “هزم بهدفه” مواطنيه، رمزيّته الخاصّة. ولا سيّما عندما نعرف أنّه رفض، منذ ثماني سنوات، عرض مسؤولي منتخب الكاميرون لتمثيله. على الرغم من أنّه لم يكن يحمل، آنذاك، الجنسيّة السويسريّة. لكنّ رفضه (الذي نجهل دوافعه) لا يعود، وكما بيّنت صوره المشبعة بالصدمة والكمد، إلى نقصٍ في “انتمائه” لوطنه الأصلي. هذا الانتماء الذي يُعَدّ أحد المفاهيم المشتركة بين الرياضة والمواطنة. كيف؟

بين الرياضة والمواطنة

تُعتبَر الرياضة أداةً فاعلة ومنظومة متكاملة في ترسيخ الثوابت الوطنيّة لدى المواطنين. وإذا كانت الدولة المدنيّة الحديثة تعتمد على أربعة أركانٍ رئيسيّة في بنائها، فإنّ الأنشطة الرياضيّة تُدرَج بين هذه الأركان، بعد السياسة والاقتصاد والإعلام. فتتّسم الرياضة بالقوّة الإيجابيّة الموصوفة والشغف الهائل اللذيْن يعزّزان من قيم المواطنة بين الناس. وأكثر. إذْ إنّ العديد من المفاهيم تتقاطع بين الرياضة والمواطنة لتظهير بعضٍ من القيم الإنسانيّة الأساسيّة. مثل الإخلاص. التضحية. التفاني. التضامن الاجتماعي. الانصهار في الجماعة، والعمل من أجلها، والولاء لها، والانتماء إليها. وما يهمّنا في هذه السطور تحديداً، يا أصدقاء، هو الحديث عن هذا الانتماء.

للعالم “موندياله”. ولنا في كلّ حقبة من تاريخنا “مونديال”. تنقسم فيه أهواء الشعب بين داخلٍ وخارج. وفي الرياضة كما في السياسة كما في كلّ شأن، سيبقى هذا الشعب متغاضياً عن تقصير مسؤوليه. يبحث عن بدائل لتأمين ما يحتاج إليه

الانتماء هو مفهومٌ نفسي واجتماعي وفلسفي. ويُعتبَر الشعور بالانتماء من الحاجات الأساسيّة التي يتشكّل منها بناءُ نفس الإنسان، كمبدأ ومعيار وقيمة أخلاقيّة توجّه سلوكه وتضبط انفعالاته. فمن خلال هذا الشعور يُحدّد الفرد، إلى حدٍّ بعيد، قيمته عند المجتمع. ويستشعر قيمة المجتمع في حسّه. ويدرك، كذلك، حجم مسؤوليّته ودوره الذاتي والمجتمعي. فالانتماء، الذي يبدأ حاجةً وشعوراً ثمّ يصبح مبدأً وقيمةً وسلوكاً تحضّريّاً للفرد، تختلف أشكاله وأساليبه. لكن أبرزها هو الانتماء للوطن. فهذا النوع من الانتماء، إنّما يعني ذاك الشعور بالانضمام إلى الوطن. وبالحاجة إلى تكوين علاقة قويّة وإيجابيّة معه من خلال الروابط المشتركة بينه وبين أفراده. والكلام عن الانتماء الاجتماعي يقود، تلقائيّاً، إلى الكلام عن ضدّه. أي، عن الّلإنتماء.

فالشعور بعدم الانتماء هو غربةٌ حقيقيّة يعيشها بعض الناس. ما يُضعِفهم أمام أنفسهم وأمام الآخرين. ويبدأ هذا الشعور عبر إحساس الفرد بعجزه عن بناء علاقاتٍ اجتماعيّة سويّة. وعن الاندماج في المجتمع. وصولاً إلى شعوره بأنّه غريب حتّى عن نفسه. ولا يحتّم الشعور بالانتماء أن يوجد الإنسان، مع غيره من الناس، في الزمان والمكان ذاتهما! ففي المجتمعات الحديثة، تتعايش مجموعاتٌ بشريّة ذات انتماءات وهويّات بعيدة عن بعضها أشدّ البعد. حتّى ولو كانت تعيش، منذ قرون طويلة، على أرضٍ واحدة. قارنوا بين اللاعب بريل إمبولو الذي لم تطأ قدمه أرض الكاميرون، ربّما، منذ سنّ الخامسة. وبيننا نحن اللبنانيّين الذين “صمدنا” في هذا البلد ولم نستبدله بأرضٍ أخرى! مَن منّا انتماؤه أقوى لوطنه يا ترى، نحن أم هو؟ اسمعوا هذه المعلومة التي ترتقي إلى مستوى الدعابة!

المشجّع اللبناني

في الـ 2018، كان أحد الديبلوماسيّين الأوروبيّين (الذي يزور لبنان للمرّة الأولى) في طريقه من مطار بيروت الدولي إلى مقرّ سفارته في بيروت. سلك السائق طرقاً فرعيّة ليتفادى زحمة السير. فجأة، ارتسمت الدهشة على وجه الديبلوماسي عندما رأى “الكمّ” الهائل لأعلام بلاده منتشرة بين الأزقّة وعلى شرفات المنازل وعواميد الكهرباء و… لقد اعتقد، للوهلة الأولى، بأنّ استقبالاً أُعِدّ على شرفه. ليكتشف لاحقاً (من مرافقه) أنّ المسألة لا تتعدّى كونها تشجيعاً، من جانب أبناء الأحياء التي عبرها بسيّارته، لمنتخب بلاده في مباريات كأس العالم. نعم. هكذا يحتفل اللبنانيّون بالمونديال. عبر تشجيعهم المنتخبات العالميّة الكبرى. ورفع أعلام دُولها في شوارع وطنهم.

إقرأ على موقع 180  "قناصو لبنان الجدد".. من حافة الهاوية إلى حافة الحرب!

لا تاريخ محدّداً لبدء تفشّي هذه الظاهرة “الولائيّة” لشعوبٍ غريبة عنّا. ولا لهذه الموضة الموندياليّة “غير الشرعيّة”! فما لا يعرفه غالبيّة اللبنانيّين المصابين بحمّى المونديال، أنّه لا يحقّ لهم رفع علم غير العلم اللبناني في أراضي الجمهوريّة. وتشير المادّة الأولى من القانون الصادر عام 1945 (لا يزال نافذاً)، وبوضوح، إلى أنّ مَن يرفع علم أيّ دولةٍ أجنبيّة يعاقَب بالسجن لمدّةٍ تتراوح بين الشهر والسنة. ويا عيْن صبّي دمع..علينا! لقد أبحرنا طويلاً في اليأس. وقتلنا الانتظارُ المديد. وخيّبنا انهيارُ انتظاراتنا أمام تقدّم قوى المافيا للاستيلاء على أحلامنا. وأفزعتنا قدرةُ نظامنا ومنظوماته على الترويع وتغيير مسار الحراكات والانتفاضات الشعبيّة وإغراقها بالدمّ والدموع. لقد فصلنا حُكّامنا الأوغاد، بالكامل، عن ضمير العالم. وعليه، نسينا ما تقوله مئات القوانين النائمة في الأدراج. صرنا تائهين. نبحث عن شيءٍ ما لننتمي إليه. نُنقّب عن خيط أمل نتكمّش به لنقول “يا أيّها الناس، ها نحن هنا فانظروا إلينا”!

مشير عون: لكلّ مقامٍ قولٌ في الهويّة. ولكثرة الأقوال في الهويّة، انقلب الوعي اللبناني وعياً متوعّكاً مضطرباً مترجرجاً. فاللبناني في الصباح ابنُ عشيرته. وفي الظهيرة نصيرُ مذهبه. وفي العصر مؤيّدُ حزبه. وفي المساء رفيقُ منتداه. وفي غشاوة الليل خليلُ مؤتلفه

مساكين أهل لبنان. لا شيء قادراً على تظهير مآسيهم مثل عوارض احتفالهم المَرَضي بالمونديال. واندفاعهم الاستثنائي لمتابعة فعاليّاته. والتنقّل البائس بين تشجيع “أبطال” الدوريّات و”أقوى” المنتخبات. والانحياز لهذا المنتخب أو ذاك. كأنّه رمزٌ لهويّتهم الوطنيّة. يستثمرون فيه كلّ عواطفهم. وكلّ القيم التي يرونها جميلة و”مفيدة”. المونديال بالنسبة للكثير من اللبنانيّين أهمّ من تحرير الجنوب المحتلّ. ومن طرد الدواعش. ومن انتخاب رئيسٍ للبلاد. ومن استرجاع أموالهم المنهوبة. هو بائع الأحلام الذي يُطلّ عليهم كلّ أربع سنوات. ينتظرونه بتعطّش. يترقّبونه بشغف أين منه شغف شعوب الدول المشاركة في المباريات. ربّما لأنّهم يأخذون خلاله استراحة من الأزمات والمناكفات والمهاترات التي تطوّق حياتهم من كلّ الجهات. أو لأنّهم ينفّسون في يوميّاته الاحتقان الذي يضغط على صدورهم وقلوبهم.

فالمنتخب اللبناني لم يتأهّل، على مدى تاريخه، إلى نهائيّات كأس العالم. لكنّ اللبنانيّين حوّلوا المونديال إلى ما يشبه العقيدة. يعتنقونها ويتعصّبون لها عبر ولاءٍ غير مفهوم لهذا المنتخب أو ذاك من المنتخبات الكبرى. يطبّقون المثل الشعبي القائل “الجرس بيدعي (يدعو) الناس للكنيسة وبيبقى برّا (في الخارج)”. أجل. للعالم “موندياله”. ولنا في كلّ حقبة من تاريخنا “مونديال”. تنقسم فيه أهواء الشعب بين داخلٍ وخارج. وفي الرياضة كما في السياسة كما في كلّ شأن، سيبقى هذا الشعب متغاضياً عن تقصير مسؤوليه. يبحث عن بدائل لتأمين ما يحتاج إليه. فعدم تمكّن السلطة اللبنانيّة هذه السنة من الاستحصال على حقوق نقل مباريات كأس العالم، لم يصدم اللبنانيّين. ولم يستوقفهم كلّ ما قيل عن السطو على المبلغ المالي الذي خصّصه أحد المانحين لتغطية تكاليف بثّ المباريات، مجّاناً، عبر تلفزيون لبنان!

كلمة أخيرة. يشخّص أستاذ الفلسفة اللبناني مشير عون أمراض الجماهير اللبنانيّة ذات “الهويّة الانتثاريّة” كما يصفها فيقول: “يكابد اللبنانيّون في وجدانهم أقسى ألوان التنازع الكياني. فهم محتارون في أمر هويّتهم. يشعرون بتضاربٍ سحيق بين مَساند إدراكاتهم الذاتيّة. معنى ذلك أنّ اللبنانيّين يتلوّنون في هويّتهم بتلوّن الأوضاع التي تكتنفهم. ولكلّ مقامٍ قولٌ في الهويّة. ولكثرة الأقوال في الهويّة، انقلب الوعي اللبناني وعياً متوعّكاً مضطرباً مترجرجاً. فاللبناني في الصباح ابنُ عشيرته. وفي الظهيرة نصيرُ مذهبه. وفي العصر مؤيّدُ حزبه. وفي المساء رفيقُ منتداه. وفي غشاوة الليل خليلُ مؤتلفه”. ولكان أضاف، على وقع مباريات كأس العالم:.. وفي المونديال مشجعُ منتخب أحلامه. إقتضى التذكير.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الأردن.. هل من "شعرة معاوية" إسرائيلية؟