التحالف الرباعي أم تفاهم مار مخايل؟

عنوان هذه المقالة لا يأتي من فراغ. الوقائع السياسية تتزاحم. الهواجس كثيرة والتوقيت دقيق وحساس.

لم يهضم نجيب ميقاتي الإصرار العوني على رسم حدود حكومة تصريف الأعمال قبيل مغادرة ميشال عون قصر بعبدا بالتفاف كبير من مناصريه. غادر “الجنرال” القصر لكن شبح التأييد الشعبي يثير القلق والتساؤلات لدى خصومه. “القيود” الدستورية لا بد من كسرها. جبران باسيل نقطة تقاطع وحاجة للقوى الدولية والإقليمية التي صاغت المشهد الإستراتيجي لاتفاق الترسيم واستخراج الغاز في لعبة الصراع من شرق المتوسط إلى أوكرانيا.

الأنكى أن باسيل أحرق قوارب سليمان فرنجية الرئاسية، الخيار الأساسي لمنظومة التسعينيات والقادر على التزام آلياتها وديناميكياتها في إدارة السلطة كما اعتادت. لم يعد هناك من مجال للعودة إلى الوراء إلا بالسعي لكسر الإرادة المسيحية السياسية بقهر قاهر، وبموافقة من حزب الله. خيار ليس مستبعداً، لكن السير به حتى النهاية يخاطر بإعادة علاقة استراتيجية عميقة بين البيئتين المسيحية والشيعية إلى نقطة الصفر، ويقدم هدية ثمينة لخصوم “الحزب” مسيحياً، الذين استفادوا وتضخموا سياسياً من تفضيل حزب الله الوحدة الشيعية على بناء الدولة.

يكمن دوس ميقاتي على اللغم في إصراره على استنفار الدفاع المسيحي الغريزي، وبسوء تقديره لرد الفعل. المغريات كثيرة. علاقةٌ جيدةٌ مع وزراء وتعاونٌ مع وزراء آخرين ممن عاد قرار تسميتهم إلى جبران باسيل؛ يقود ذلك إلى إستنتاج وقوف بعض هؤلاء إلى جانبه، فلماذا لا نمضي قدماً؟ حتى بكركي “صارت في جيبتنا” ولن تتخذ موقفاً حاداً من مغامرات التلاعب التي اعتدنا عليها بعد العام 1992!

أحد أبرز الأخطاء لدى العديد من الفاعلين في السياسة والإعلام، أنهم لا يقرأون التاريخ جيداً، ومعاينة آليات النزاع والتقاطع الطائفي الداخلي. لم يمنع التنافس بين الجيش اللبناني والقوات اللبنانية على أرض واحدة من وضع حواجز أمام انتخاب سليمان فرنجية الجد للمرة الثانية في العام 1988. لم يمنع صراع ميشال عون وسمير جعجع من تقاطعهما، مع بكركي، في مواجهة فرض مخايل الضاهر رئيساً بتسمية سورية وتواطؤ أميركي. لذلك، لا عجب أن تعود القوتان الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية السياسية، أو القوتان المركزيتان العابرتان للمناطق، والأكثر جذباً للحماسة الشبابية، من تقاطع أقله حتى الساعة تجاه رفض ترئيس فرنجية الحفيد. والأولى، ألا يمنع صراع التيار الوطني و”القوات” المستمر من التناغم والتقاطع على رفض تزحلق ميقاتي على أرض الدور المسيحي في النظام المستعاد بعد أعوام الإقصاء.

مكمن الخطر ليس في من داس على اللغم فحسب، بل في من زرعه أساساً. هناك شك وغموض يحيطان بموقف حزب الله الملتبس. منذ لقاء جبران باسيل ـ السيد حسن نصرالله الذي استُحضر فيه خيار فرنجية وبادر بعده رئيس التيار الوطني الحر إلى إشعاله في لقاء باريس، والأمر ليس على ما يرام رئاسياً بين “التيار” و”الحزب”

القصة لم تكمن في عدم قراءة التفاعل في الجسم المسيحي السياسي جيداً. لقد كرَّس نجيب ميقاتي، بعلمه أو من دونه، ما كان سبق وحذَّر عون وباسيل منه. رئاسة الجمهورية لم يتفِق عليها ميشال عون وسمير جعجع لكي تعود لقمة سائغة لقوى سياسية ترفض أن تقبل بضمورٍ قسري اليوم بعدما إعتادت الإنتفاخ طويلاً. صيغ اتفاقٌ غير مكتوب لجهة التزام حدود تصريف الأعمال، وإذ بأول فرصة تسنح للإنقضاض على صلاحيات رئاسة الجمهورية ومعها المس بالسلطة التنفيذية، بذريعة المبررات الحياتية وبمعاناة اللبنانيين التي باتت شماعة، تُحرَّر التيار الوطني الحر أساساً من جلد ذاته بسبب المبالغة في استخدامها ضده منذ اللحظة الأولى لـ 17 تشرين.

وعندما لا يُستفرد بتيار سياسي، بل يتم استحضار ذاكرة كاملة لمعاناة مجموعة ما، من الطبيعي أن يتعمم الرفض العوني إلى المنافس المتمثل بالقوات ويلامس جدران بكركي وعقلها. التنافس الداخلي على التصدر شيء، واستسهال التلاعب بالدستور والميثاق وحضور الطوائف أمر آخر.

مكمن الخطر ليس في من داس على اللغم فحسب، بل في من زرعه أساساً. هناك شك وغموض يحيطان بموقف حزب الله الملتبس. منذ لقاء جبران باسيل ـ السيد حسن نصرالله الذي استُحضر فيه خيار فرنجية وبادر بعده رئيس التيار الوطني الحر إلى إشعاله في لقاء باريس، والأمر ليس على ما يرام رئاسياً بين “التيار” و”الحزب”. رسائل وتلميحات متبادلة. إصرارٌ على فرنجية وفي المقابل إشارات إلى محاولات الفرض على الأكثرية المسيحية. يضيق “الحزب” ذرعاً بمشاكسة باسيل التي تصل إلى درجات مُنهِكة.

هنا، تزداد الأخطاء في القراءة. بالنسبة لحزب الله هناك حليف “استراتيجي” والأولوية إراحة البال من الإشتباك اللفظي مع رئيس جمهورية، بغض النظر عن عدم قدرته على أي تصرف عملي مع وضعية سلاح حزب الله.

في مقلب الحليف “المُتعِب”، مقاربات مختلفة، وملفات كثيرة مُدرجة في “جارور” العلاقة. إعادة عقارب الساعة إلى زمن التسعينيات خطر وجودي. رئيس متناغم عضوياً مع نبيه بري دونه العلقم. ذكريات التهميش وصولاً إلى التحالف الرباعي مؤلمة وموقظة لكوابيس مزعجة. دقة العلاقة المتشابكة تكمن في أن حزب الله هو الحليف المتبقي الذي وللمفارقة، كسر التحالف الرباعي بكونه أول طرف في القوى السياسية المسلمة بادر إلى شراكة حقيقية مع القوى السياسية المسيحية بعد العام 2005، كما يقول سياسي “قواتي” عتيق.

اللغم الحقيقي هو في مدى تفكير حزب الله في العودة إلى زمن سابق، ربما أسهلْ وأخف “وجعاً للرأس”. هذا يقتضي المغامرة بالعلاقة “الإختراقية” مع المسيحيين. هل يبادر طرفا “التفاهم” إلى تعطيل اللغم؟

يقول بعض العارفين “المتفائلين” إن كل ما يحصل هو مجرد كابوس مزعج، يسبق الإستيقاظ على حقيقة أكثر وضوحاً.. وسلاسةً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  كمال جنبلاط وحافظ الأسد: الصراع القاتل
ميشال ن. أبو نجم

صحافي وباحث سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  باختصار.. الأحزاب العقائدية "حمار العرس"!