الفرنجة والمسلمون.. بطولات وتضحيات وإحتفالات!

يواجه الدارس للتاريخ الإسلامي الكثير من الصور النمطيّة عن المسلمين وعن علماء الدين والسلاطين ينكشف زيفها أو تضخيمها إذا ما درسنا التاريخ جيّداً، فتُفْتَح لنا نافذة على عالم متعدد الألوان.

في سنة 1218م، هجمت الفرنجة على مصر، وكان ذلك في زمن السلطان الملك العادل الأيّوبي، شقيق صلاح الدين. وكان العادل قد قسّم مملكته بين أولاده وبعض أفراد الأسرة الأيّوبيّة، فكان ابنه الملك الكامل حاكماً على مصر، وابنه الثاني الملك المعظّم حاكماً على دمشق ومعظم بلاد الشام الجنوبيّة، وابنه الثالث الملك الأشرف حاكماً على الجزيرة. بدأ الفرنجة بالهجوم على دمياط وتمكّنوا من امتلاك البرج الذي هو أساس الدفاع عن المدينة والذي أدّى إلى سقوطها في يدهم. ويقال إنّه عند وصول الخبر إلى السلطان العادل، أصابته ذبحة قلبيّة وتوفّي في الحال. فانتقل الحكم إلى الملك الكامل الذي أصبح سلطاناً، وكان الوئام ما زال قويّاً بين أفراد الأسرة، خصوصاً بين الكامل والمعظّم والأشرف.

سرديّة هذه الحملة الصليبيّة – والتي تُعرّفها المصادر الحديثة بـ”الحملة الخامسة” – هي من أروع السرديّات في تاريخ العلاقات بين المسلمين والفرنجة لما تخلّلها من معارك ومفاوضات وتكتيكات على مدى ثلاث سنوات. ولكن لن أعالجها في هذه المقالة (تحتاج إلى مقالة مستقلة لاحقاً). ما أريد أن أناقشه هنا هو الحفل الكبير الذي أقامه الأيّوبيّون من أجل الإحتفال بهزيمة الفرنجة ورحيلهم في شهر أيلول/سبتمبر من سنة 1221.

تروي لنا المصادر التاريخيّة أنّ الأمراء والقادة الأيوبيّين اجتمعوا للإحتفال بالنصر في قصر السلطان الكامل بالمنصورة (والمعروف أنّ مدينة المنصورة بُنيت أثناء الحملة). ويصف الدواداري (ت. بعد سنة 1336) – في كتابه “كنز الدرر وجامع الغرر” – الحفل كما يلي:

“وجلس السلطان الملك الكامل محمد والملك الأشرف موسى والملك المعظم عيسى في مجلس شراب وأنس ولذة وطرب. وكان يوم رقّت غلائل صحوه، وغنجت شمائل جوّه، وضحكت ثغور رياضه، واطرد زرد النسيم فوق حياضه، وفاحت مجامر الأزهار، وانتشرت قلائد الأغصان عن فرائد الأنوار، وقام خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، ودارت أفلاك الأيدي بشموس الراح فى بروج الأقداح، بمجلس قد تفتحت فيه عيون النرجس، ومالت أعناق البنفسج، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فازات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقام خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادي الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتدّت سماء الندّ على بساط الورد، وقد سبوا العقل فى مرح الجنون، وخلعوا العذار بأيدي المجون”.

جماليّة هذا الوصف – خصوصاً ما يقوله الدواداري في بداية كلامه: “مجلس شراب وأنس ولذة وطرب” – أنّه ينسف الصورة النمطيّة عن المسلمين (تاريخيّاً كما في يومنا هذا) ويفضح دجل الكثير من علماء تلك الفترة (أو حتّى في عصرنا الحالي) الذين يلفّقون أو يبالغون في وصف تديّن السلاطين وابتعادهم عن مثل هذه الأمور.

ويضيف الدوادراي في وصف الحفل قائلاً إنّ الملك الأشرف أشار إلى جارية له أن تغنّي، فتناولت العود وبدأت باللعب عليه وأنشدت:

ولَمّا طَغَى فِرْعَون عَكا وقَومُه.. وجَاء إلى مِصرَ ليفْسُدَ في الأرضِ

أتَى نَحْوهُمُ مُوسَى وفي يَدِهِ العَصا.. فغَرّقَهم في اليَمِّ بعْضاً عَلى بَعضِ.

والملفت للإنتباه في هذين البيتين أنّ الجارية شبّهت سيّدها الملك الأشرف موسى بالنبي موسى، فقارنت جيش الفرنجة المهزوم بجيش فرعون مصر الذي حاول مطاردة بني إسرائيل لكن معجزة موسى وعصاه أنقذت بني إسرائيل وغرق فرعون وجيشه في البحر.

ولمن لا يعرف ما جرى للفرنجة، فإن هزيمتهم حصلت عندما أمر السلطان الكامل بفتح السدود قرب المنصورة، ففاض النيل وغمرت مياهه معسكرات جيش الفرنجة فغرقوا في الوحل. ومن غير المفاجئ لنا أنّ الجارية بالغت في مدح دور سيّدها الأشرف وجيشه كأنّه هو من أنقذ مصر، فكانت ردّة فعل الأشرف أنّه “طرِبَ لقولها، وشربَ، وطابَ”.

لم يستسغ الملك الكامل هذا المديح للملك الأشرف، فنظر إلى جاريته هو، فقامت وتناولت عودها وغنّت له:

أيَا أهْلَ دِينِ الكُفْرِ قُومُوا وانْظُروا.. لِمَا قَد جَرى في عَصْرِنا وتَجَدّدا

أعُبّادِ عِيسَى، إنّ عِيسَى أتَاكمُ.. وَمُوسَى جَمِيعاً يَنْصُرانِ مُحَمّدا.

أرادت جارية السلطان الكامل أن تنسب النجاح إلى الأخوة الثلاثة، بعكس جارية الملك الأشرف. لكن جماليّة وصفها هو في تشبيهها لهم بالرسل: الأشرف موسى بالنبي موسى، والمُعظّم عيسى بالنبي عيسى، والكامل محمّد بالنبي محمّد. ويقال إنّ قاضي غزّة طُرب لهذين البيتين ولتوصيف الملوك الثلاثة بالأنبياء، فأكثر من الشراب وقام يرقص. ويقال أيضاً إنّ الملوك والأمراء أُعجبوا أيضاً وعمّت الفرحة جميع الحاضرين. وأمر السلطان الملك الكامل لكل جارية في الحفل بخمسمائة دينار.

باختصار، لولا الدواداري (والمصدر الذي أخذ منه هذه الرواية)، لما كُنّا لنقرأ عما دار في هذا الحفل، وعن الحضور والشراب والأنس واللذة والطرب. وهذا يفيدنا، كأمثلة كثيرة من التاريخ الإسلامي، في الحذر من المصادر التاريخيّة التي تستفيض وتبالغ في وصف التديّن والورع وتعميم الصور النمطية.

إقرأ على موقع 180  ديفيد هيل يتلو البيان رقم 1 من بعبدا: الحراك خط أحمر

هذه التفاصيل نجدها فقط في مصادر عادةً ما نسمّيها بـ”الثانويّة”. فكتاب الدواداري ليس بكتاب تاريخ، بل هو كشكول أدبي (Anthology) فيه أخبار وأشعار وقصص وأشياء أخرى كثيرة. ومن دونه (ومن دون كتب كثيرة مثله) لكنّا فقدنا معظم جماليات تاريخ المسلمين وتقاليدهم، التي تعطينا صوراً متعدّدة الألوان عن حبّهم للحياة والشراب والغناء والرقص و..

لولا الدواداري (والمصدر الذي أخذ منه هذه الرواية)، لما كُنّا لنقرأ عما دار في هذا الحفل، وعن الحضور والشراب والأنس واللذة والطرب. وهذا يساعدنا، بل يجبرنا، كأمثلة كثيرة من التاريخ الإسلامي، على رفض الصور النمطيّة والحذر من المصادر التاريخيّة التي تستفيض وتبالغ في وصف التديّن والورع

مثال آخر عن هذا الأمر نجده في شخصية العالم الدمشقي الشهير ابن عساكر (ت. 1176). تشي المصادر التاريخية أننا أمام عالم مهووس بالحديث والجهاد. جدّيٌ في كلّ شيء لدرجة الملل. يواظب على الصلاة والعبادة وقراءة القرآن. يُوبّخ الناس والسلاطين إذا شذّوا عن تعاليم الرسول.. إلخ. لكن في الكتب “الثانويّة”، نكتشف أنّ ابن عساكر كان من محبّي الشعر والإنشراح. وأنّ أصحابه كانوا يمازحونه لركاكة نظمه ويقولون: “هذا شعر أضاع فيه صاحبه شيطانه”، كما يذكر ياقوت الحموي (ت. 1229) في “معجم الأدباء”. ويروي لنا صديقه الحميم عبد الكريم السمعاني (ت. 1166) في كتابه “فضائل الشام” – جاء السمعاني من نيسابور بقصد الحجّ إلى القدس وتوقّف في طريقه في دمشق، وربطته بابن عساكر صداقة قويّة كونهما رحلا ودرسا معاً لمدّة ثلاث سنوات في مدن مثل نيسابور وأصفهان وبغداد – أنّه أثناء وجوده في دمشق، أخذه ابن عساكر إلى دير مُرّان (خارج دمشق) للتنزّه وأنشده بعضاً من أبيات الشعر (لشاعر دمشقي أسمه أبو بكر الصنوبري)، وهذه بعضها:

أَمُرُّ بدَيْر مُرّان فأحْيَا.. وأجْعَل بَيتَ لَهْوِي بَيْتَ لِهْيَا

وَيُبْرد غُلَّتِي بَرَدَى فَسُقْيَا.. لِأيَّامِي عَلَى بَرَدَى وَرَعْيَا

وَلي فِي بَابَ جَيْرون ظِبَاءٌ.. أُعَاطِيها الهَوَى ظَبْياً فَظَبْيَا

تَفِيضُ جَدَاوِلَ البُلّوْرِ فِيهَا.. خِلالَ حَدَائقٍ يُنْبِتنَ وَشْيَا.

نعم، لم ينظم ابن عساكر هذه الأبيات بنفسه (وحسناً فعل). لكن ترديده لها أمام شخص لا تقلّ صورته النمطيّة صرامةً عن صورة ابن عساكر تشير إلى حبّ الإثنين للمزاح والطرب. وما يلفت إنتباهنا أكثر هو أنّهما ذهبا إلى دير كان في ذلك الوقت مكتظّاً بالرهبان من أجل النزهة (ولا نعرف إذا ما كانا قد قضيا وقتهما في حدائق الدير فقط أم في داخله أيضاً). لكن العبرة بالفكرة، كما يقول المثل، خصوصاً إذا ما نظرنا في تفاصيل هذه الأبيات. البيت الأوّل فيه غزل بالدير كمنظومة متكاملة (بما فيها الحدائق) وأنّه يبعث الحياة في الجسد. ويستوقفنا المزاح في إسم بيت لِهيا، والتي كتب عنها ابن عساكر الكثير وروّج أنّها هي مسقط رأس النبي إبراهيم (وليس مدينة أور في العراق كما بات شائعاً) وأنّ فيها حطّم إبراهيم الأصنام. لنقارن بين ثقل وصرامة هذا الإرث، وبين ما ردّده هنا ابن عساكر عن جعل بيت لهيا بيتاً للّهو؟

وفي السطر الثالث نجد شيئاً “أفظع” عن باب جيرون، وهو الباب الشرقي للجامع الأموي الذي درّس فيه ابن عساكر أكثر من 400 مجلس عن الحديث النبوي ومجالس في أمور دينيّة أخرى. جعل ابن عساكر، في ما ردّد من شعر الصنوبري، هذا الباب مكاناً ينشد فيه الغرام مع “ظباء”، وعندما ينتهي من واحدة، ينتقل إلى أخرى. هنا أيضاً يستوقفنا مدى هزله بمكان بهذه الأهمّيّة الدينيّة.

في الخلاصة، لا يجب أن نكتفي بمراجعة المصادر الرئيسية، بل كل المصادر التاريخية، بما فيها أي نص أدبي أو إجتماعي، سواء أكان بسيطاً أم عميقاً، فالصور النمطيّة هي نتاج عقلية نمطيّة وقراءة أحادية، كمن يكتفي بأن يشاهد فيلماً بالأسود والأبيض، وتسهى عن بصيرته أنّ الحياة ليست فقط مجرد أبيض أو أسود، بل هي متعددة الألوان.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  سلاسة الإيمان الشعبي.. قساوة التدين الأيديولوجي