موسكو وكييف.. طلاق سياسي وكنسي!

فجّرت الحرب الأوكرانية الأحقاد الدفينة بين روسيا وأوكرانيا، وصولاً إلى تكريس طلاق سياسي وديني بعد أربعة قرون من التعايش القسري والأخوة الزائفة.

منذ سقوط الاتحاد السوفياتي قبل حوالي العقدين من الزمن، ينشد الاوكرانيون الابتعاد عن هيمنة موسكو السياسية والدينية برغم الروابط التاريخية والأصول العرقية السلافية المشتركة. في العام 2019، قررت القيادة الدينية الأوكرانية مدعومةً من القيادة السياسية، الخروج من تحت عباءة موسكو رسمياً بإعلان وثيقة الاستقلال في اسطنبول. مقر المرجعية الأرثوذكسية الروحية العالمية، حيث يقيم البطريرك بارثولوميو، بطريرك القسطنطينية في الفنار، أحد أحياء عاصمة بيزنطة القديمة. بارثولوميو هو خليفة البطريرك اثيناغوراس، الرئيس الروحي الأسبق للأرثوذكس في العالم.

إعلان الاستقلال الكنسي سبق الحرب الروسية الاوكرانية التي مضى عليها عشرة شهور حتى الآن. وقد فاقمت الحرب النقمة الشعبية بوجه الروس، إلى درجة بات الأوكرانيون يتحدثون علناً عن “الاحتلال الروسي” التاريخي، متجاوزين العلاقات العائلية والروابط التاريخية والدينية الطويلة بين الشعبين. وتشمل حملة إزالة آثار الحضور الروسي، هدم تماثيل ونصب تذكارية تعود إلى الحقبة السوفييتية. وتقوم أجهزة الدولة ولجان المقاومة الشعبية في المدن والمحافظات الرئيسية بحملات تطهير شاملة للمؤسسات الحكومية ومرافق الدولة بحثا عن من تسميهم بـ”العملاء” المؤيدين لموسكو. وشملت موجة التطهير الطواقم الكهنوتية في الأديرة والكنائس والمدارس وكذلك الموظفين المدنيين العاملين في تلك المؤسسات.

وقبل اندلاع الحرب، قررت السلطتان السياسية والدينية الأوكرانية التخلص من نفوذ موسكو وهيمنتها في عهد الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو. بعد وصول فولوديمير زيلينسكي لمقعد الرئاسة، تبنى مجلس الأمن الأوكراني قراراً بحظر أنشطة المنظمات الدينية المرتبطة بموسكو. وقُدّم قانون إلى البرلمان يهدف إلى حظر الأنشطة التابعة لمراكز نفوذ روسيا الاتحادية في أوكرانيا. وقد باشر مؤخراً جهاز أمن الدولة الأوكرانية، عمليات التحقيق والملاحقة للأشخاص الذين يعملون في المرافق الكنسية، أي الأديرة والكنائس والمدارس التي لها علاقة مع موسكو.

وأصبحت الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا منذ العام 2018 مستقلة وخارجة عن نفوذ موسكو رسمياً، بعد إعلان وثيقة الاستقلال التي أصدرها البطريرك بارثولوميو. موسكو لم تعترف بهذا الإعلان بطبيعة الحال، واعتبرته باطلاً وغير قانوني وله أبعاد سياسية لا كنسية. وحذرت من خطر الانشقاق، مذكرةً الجميع بالانشقاق الكبير الذي وقع في عام 1054 بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية.

سقطت أوكرانيا ضحية صراع الكبار، في جولة جديدة من جولات الحرب بالوكالة بين أميركا وروسيا. اقترفت أوكرانيا خطيئة تاريخية بعدم التزام الحياد، وإبقاء الناتو بعيداً عن الحدود الروسية الجنوبية-الغربية. واقترفت روسيا من جانبها خطأً جسيماً، عندما حشدت جيشها ودخلت الأراضي الأوكرانية لإعادة كييف إلى بيت الطاعة

موسكو حمّلت البطريرك بارثولوميو مسؤولية قرار الانفصال، ووصفته بأنه قرار بالإنسلاخ عن الأرثوذكسية العالمية الممثلة بالكنيسة الروسية الجامعة. وجرى جدل كبير بين أهل الكنيسة حين وافقت اسطنبول على إلغاء صك إلحاق مطرانية كييف بإدارة موسكو الذي أعلن في 1686. اتهمت موسكو بطريركية القسطنطينية بتنفيذ إملاءات سياسية غربية معادية لروسيا.

تعود الخلافات بين موسكو وكييف الى تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي. حين انحلت المنظومة الشيوعية وتفرق الرفاق. الخلاف الروسي-الأوكراني إتخذ أبعاداً خطيرة بعد المواجهة العسكرية ـ السياسية في 2014. خاصة بعد استرداد روسيا شبه جزيرة القرم التي كان نيكيتا خروشوف (الأوكراني الأصل) قد وهبها إلى اوكرانيا في مطلع خمسينيات القرن الماضي. كما أيّدت موسكو الحركات الانفصالية في مناطق لوغانسك ودونيتسك، حيث تعيش أغلبية من العرق الروسي، ممن استقدموا بعد الحرب العالمية الثانية للعمل في المناجم الوفيرة في تلك المناطق.

مساعدة روسيا للانفصاليين في إقليم الدونباس، سياسياً وعسكرياً، عززت النزعة الاستقلالية الأوكرانية. وقام رئيس أوكرانيا السابق بترو بوروشنكو بحملة واسعة لإنجاز الاستقلال الكنسي قبل نهاية ولايته، حين قام بحضور القداس الاحتفالي في الفنار، مقر البطريرك بارثولوميو. وقد وصف الحدث يومها بالتاريخي.

ثلاث سنوات مرت على الانشقاق الكنسي، وتغير معالم العلاقة بين الجارتين، حين اتجهت أوكرانيا غرباً بتوطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي اعتبرته موسكو “انحرافا أمنياً.. وتهديداً وجودياً”.

تورطت أوكرانيا في حرب شرسة وقاسية، عندما اندفعت في أحلام الانضمام إلى المعسكر الغربي، سواء بعنوان الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو. الغرب كان وفياً وسخياً مع أوكرانيا. قام بإمدادها بالسلاح والمال والتكنولوجيا، لمحاربة فلاديمير بوتين الذي قاد مغامرة غير محسوبة جيداً للاستيلاء على دولة مجاورة، من دون أي اعتبار للسيادة الوطنية الأوكرانية.

برهن الأوكرانيون عن مقاومة غير منتظرة في الدفاع عن وطنهم والقتال على أرضهم، وحققوا انتصارات عسكرية في خيرسون وغيرها، بفضل ترسانة الأسلحة الغربية. فقد دمر الروس بلدهم، وهم ينتظرون المساعدات الغربية من أجل إعادة إعمار البنى التحتية، واسترداد الأراضي التي انتزعتها روسيا وأعلنت انضمامها إلى الاتحاد الروسي.

سقطت أوكرانيا ضحية صراع الكبار، في جولة جديدة من جولات الحرب بالوكالة بين أميركا وروسيا. اقترفت أوكرانيا – أو بالأحرى حكامها – خطيئة تاريخية بعدم التزام الحياد، وإبقاء الناتو بعيداً عن الحدود الروسية الجنوبية-الغربية. واقترفت روسيا من جانبها خطأً جسيماً، عندما حشدت جيشها ودخلت الأراضي الأوكرانية لإعادة كييف إلى بيت الطاعة. مما أعطى الغرب ذريعة الدفاع عن السيادة الاوكرانية، ومدها بالمال والسلاح، وإطلاق حملات لتشويه سمعة النظام الروسي.

إقرأ على موقع 180  من يملأ الفراغ الإستراتيجي المحتمل في الشرق الأوسط؟

الحرب التي ما تزال مستعرة منذ ما يقارب العام، كلّفت الكثير من الضحايا، الأموال والأسلحة. لا بد للمعارك أن تخمد وللقذائف أن تتوقف. لا بد وأن يعود المتحاربون إلى طاولة المفاوضات والقبول بتنازلات متبادلة. فاستمرار الحرب لعام آخر في اجواء شتوية قاسية، سيكلف الروس والاوكرانيين مزيداً من الضحايا والخسائر، وسيكلف العالم الذي يعيش تداعيات هذه الحرب، مزيداً من الأزمات المعيشية والاقتصادية، نتيجة نقصان موارد الطاقة وشحنات الغذاء، لمصلحة شعوب أنهكت من التضخم وغلاء الأسعار.

تفاهم أميركا وروسيا، ينهي الحرب ويضمن التسوية. بذلك فقط تستعيد أوكرانيا قدرتها على الوقوف وتبدأ في إعادة الإعمار وبذلك تبتعد روسيا عن خيار الهزيمة، الذي لن يقبل به فلاديمير بوتين مهما كان الثمن. إنها معادلة قد تبدو صعبة، لكنها واقعية وملحة لإنقاذ العالم من تأثيرات وتداعيات حرب كلّفت العالم الكثير من الخسائر، وتسببت في تغيير جوهري في نمط حياة الأوطان والشعوب.. والنظام العالمي.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  بين دمشق وعمان.. أشواق وأشواك