أُمّةٌ لبنانية من.. طائفتين فقط!

جان عقلجان عقل29/03/2023
لا تكاد تمر خمس دقائق في لبنان، دون أن يقول مواطن لبناني معترضاً على أحوال البلاد والعباد: ما في دولة أو أين هي الدولة؟ وحتى فترة الخمس دقائق طويلة نسبياً إذا ما إعتبرنا أن حالة الشكوى والإمتعاض معممة على مساحة لبنان طولاً وعرضاً، حتى لو اختلف مضمون الإعتراض.

يُخيّل لأي صحافي أو مراسل أجنبي يسمع شكاوى اللبنانيين، أنهم ينتظرون أية فرصة لإحداث التغيير الحقيقي لأحوالهم وبلدهم، بعدما إنهار كل شيء من حولهم وبعدما سُلبت مدخراتهم، وبعد إنحلال خدمات الدولة التي لم تكن بأفضل حال، وإنما كانت تفي بالحد الأدنى من الغرض للإيحاء أن الأمور تحت السيطرة.

لكن، هل توقف أي مُحلل سياسي أو خبير إقتصادي حقيقي (أو حتى من منهم “غب الطلب”)، وسأل أو تصوّر ماذا لو نجحت إنتفاضة أو ثورة أو إنقلاب أو انتخابات في لبنان في إرساء أُسس بناء دولة حقيقية حيث يَسود حكم القانون ولا تعلو سلطة فوق سلطة القانون ولا يوجد حتى أي سلاح خارج إطار الدولة. هل سيرضى اللبناني بالعيش بهكذا نظام مبني على القانون والدستور وليس على أهواء زعماء الطوائف والمحسوبية والزبائنية؟

نجحت الطبقة الحاكمة في إستمرار وتجديد نفسها بواسطة الطائفة الأولى المؤلفة من مؤيدين ينقسمون إلى مجموعتين: الأولى مستفيدة، والثانية مُقتنعة أن الحل لن يأتي سوى بزعيمها وأنه هو من يُضحّي ولا ينام الليل ليقوم بتحسين البلاد لصالح العباد

نستعرض في ما يلي، عينة صغيرة من الأمور التي ينبغي على المواطن القيام بها أو الإلتزام بتنفيذها أو الإمتناع عنها في ما لو تحققت الدولة بحسب الوصف الذي سبق.

سيُفرض على اللبناني بحكم القانون أن يقوم وبأقل تقدير بما يلي:

  1. التصريح عن دخله الحقيقي ودفع الضرائب عنه كاملةً؛
  2. تسديد رسم الفراغ العقاري بحسب السعر الحقيقي للبيع؛
  3. تسديد جميع رسوم البلدية والخدمات مثل الكهرباء والمياه الخ.. وعدم التعدي على أي شبكة منها؛
  4. إحترام قانون السير؛
  5. فرز النفايات من المنزل؛
  6. إذا كان صاحب عمل، أن يُسجل الأجراء لديه في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأن يُصرّح عن رواتبهم بقيمتها الحقيقية؛
  7. الوقوف بالصف؛

سيكون على اللبناني أيضًا الإمتناع عمّا يلي:

  1. التعدي على الأملاك العامة وخاصةً البحرية؛
  2. بيع صوته بالإنتخابات مقابل منفعة مادية أو توظيف أو خدمة معينة؛
  3. البناء بدون ترخيص، أو الإلتزام بحرفية الرخصة عندما يبني؛
  4. الواسطة على أنواعها (أعِد قراءة هذه الجملة على مهل ودعها تترسخ في عقلك الواعي: “الواسطة” على أنواعها)، أي ألا يكون بإمكانك طلب أية خدمة من أي زعيم طائفي أو نائب أو حزب أو أي مرجع سياسي أو ديني ليدعمك للحصول على وظيفة أو أن يُغطيك عندما تُخالف القانون.

وتطول اللائحة إذا أردنا الدخول في الصميم أكثر.

والآن، هل يريد المواطن أن يسود حُكم القانون وسلطة الدولة حقيقةً؟

قد يجيب البعض أن ليس كل الناس تُخالف أو تمتنع عن تسديد بدلات الكهرباء أو تعتدي على الأملاك العامة، وحتى نِسب هؤلاء تختلف من منطقة لأخرى. صحيح هذا الأمر، لكن إذا كنت ممن لا يعتدي على الأملاك العامة، وممن يدفع بدل الكهرباء ولا يبني بدون رخص قانونية، هل تُصرّح عن ضرائبك بشكل حقيقي؟ هل تقف بالصف؟ هل جميع الأجراء لديك مسجلين بالضمان وبراتبهم الحقيقي؟ هل تحترم قانون السير؟ ماذا عن إحترامك للقانون رقم 2011/174 (منع التدخين في الأماكن المغلقة)؟

قد يُجيب ممن هم ضمن الفئة الأخيرة الواردة أعلاه، أنهم لا يُصرّحون عن ضرائبهم بشكل حقيقي لأن خدمات الدولة غير موجودة ولأن لا ثقة لهم بالمسؤولين المؤتمنين على أموال الضرائب وأنهم لا يثقون أن أموال الضرائب تُستعمل حقيقةً لخدمة الشعب الخ.. وهذا أيضاً تصريحٌ صحيح، فالطبقة الحاكمة غيّبت خدمات الدولة عن تأدية دورها في خدمة المواطن لتبقى هي مرجعية الخدمات.

لماذا إذاً أيها المواطن غير الواثق والمُشكك بالمسؤولين وبإدارتهم للدولة، تُعيد إنتخاب نفس الطبقة للمرة السابعة على التوالي منذ نهاية الحرب؟

كيف تتوقع أن يتحّسن وضعك ووضع البلد وأنت تنتخبهم ولا ثقة لك بهم، في كل مرة تسنح لك الفرصة بأن تقوم بتغيير ما من شأنه إيصال مسؤول أفضل؟

الإجابة واضحة: في لبنان طائفتان وليس تسع عشرة؛ طائفة من يُعجبهم الوضع كما هو ويُفضّلون زعيم الطائفة أو زعيم المنطقة أو الزاروب مهما فعل بهم أو بالبلد، طالما أن هذا الزعيم يؤمن لهم مبتغاهم ومصلحتهم الذاتية من منافع أو وظائف أو الدفاع عنهم بوجه “الآخرين الأشرار”؛ وطائفة من يرفضون هذا الواقع وقد أثبتت الانتخابات المتتالية أنهم أقلية. والأقلية لا تربح الانتخابات لتقوم بتغيير حقيقي وليس لهذه الأقلية مرجعية دينية تؤيدها وتضع حولها الخطوط الحُمر. فهذه الأقلية عابرة للمذاهب والطوائف، وخطاب الأقلية غير شعبي بالنسبة للأكثرية، كأن تطرح “ممفد” (مواطنون ومواطنات في دولة) برنامجاً إنتخابياً تخوض الإنتخابات على أساسه ولا تجد من ينتخبها (“ممفد” على سبيل المثال). فهل تكون أكثرية الناس من طائفة مريدي الدولة أم العكس؟

إذا كنت ممن لا يعتدي على الأملاك العامة، وممن يدفع بدل الكهرباء ولا يبني بدون رخص قانونية، هل تُصرّح عن ضرائبك بشكل حقيقي؟ هل تقف بالصف؟ هل جميع الأجراء لديك مسجلين بالضمان وبراتبهم الحقيقي؟ هل تحترم قانون السير؟

نجحت الطبقة الحاكمة في إستمرار وتجديد نفسها بواسطة الطائفة الأولى المؤلفة من مؤيدين ينقسمون إلى مجموعتين: الأولى مستفيدة، والثانية مُقتنعة أن الحل لن يأتي سوى بزعيمها وأنه هو من يُضحّي ولا ينام الليل ليقوم بتحسين البلاد لصالح العباد وليس لنفسه لأنه زاهد أصلًا، وهذه الفئة الثانية لا تريد أن ترى أو تسمع سوى رواية زعيمها أو حزبها.

إقرأ على موقع 180  هل بقانون معجّل مكرّر تُشرّع المقاومة؟

تُشبه الفئة الثانية مجموعة الـ Volkssturm التي فنت نفسها في الدفاع عن زعيمها وضاعت جهودها هباءً.

على طائفة الأكثرية ألّا تعترض إذاً وتسأل أين هي الدولة؟ “دولتها” موجودة، هي وحدها الموجودة، هي التي تمنح العقود بالتراضي وهي التي تُضارب على سعر الصرف وهي من يتفرج وينتظر أن يأتي الحل من الخارج.

في النهاية الكلمة للشعب، والديموقراطية تفترض أن تفوز الأكثرية وتحكم بينما الأقلية تُعارض، وهذا تماماً ما يحصل في لبنان، فليس الحُكام وحدهم من أودوا بالبلاد إلى هذا الدرك، وإنما الأكثرية التي تُعيدهم وتريدهم. وما نعيشه اليوم هو نتاج أيدي الأكثرية التي تنتخب.

Print Friendly, PDF & Email
جان عقل

كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إعادة إحياء النووي تتمته.. تفاهمات إقليمية