“أنور السّادات”.. أو “الشّتاء العربي” الطّويل

لم يعرفِ العربُ في زمانِنا ربيعاً حقيقيّاً كالذي عرَفُوه على يدِ جمال عبد النّاصر (عاطفةً، وفكراً، وأدباً، وفنّاً، وسياسةً، وحركيّةً، وثورةً، وعسكرةً): إنّها قناعةٌ تترسّخُ عندي كلَّ يوم، لا سيّما عندما أنظرُ إلى حال مِصر الحبيبة في أيّامنا هذه.. وإلى أحوال بلادِنا العربيّة ككلّ.

كان القائدُ النّاصرُ يشدّد على أفكار جوهريّة أثبتت صحّتها مع الزّمن، ومنها أنّهُ:

(١) لا يُعطيكَ كرامَتَك ونهضتَك أحدٌ، بل عليك أن تأخذَهما بنفسك.

(٢) ما أُخذَ منك “بالزّعرنة” وبالقوّة، لا يمكنك أن تستردّه إلّا بالقوّة.

(٣) لا نهضة بلا مقاومةٍ لجهلنا ولتخلّفنا، ومن دون مقاومةٍ للاستعمار وأداته المركزيّة وهي “إسرائيل”. الجهاد الأكبرُ والجهادُ الأصغرُ يسيران سويّاً عند النّاصرِ جمالْ.

(٤) الانبطاح للدّول الاستعماريّة لا يولّدُ إلّا المذلّة والهوان. وإنّنا نرى هذا الواقع، للأسف، من خلال كثير من الأمثلة الرّاهنة.

(٥) السّلام والتّطبيع مع الكيان الصّهيوني بغير تحريرٍ للأرض العربيّة كلّها وانهاءٍ للمَظلمة وانتصارٍ واضحٍ وإعادةٍ لموقعنا القويّ.. خطأٌ جسيمٌ وسيؤدّي إلى توسّع هذا الكيان واستهتاره بكرامة العرب والمسلمين جميعاً. أليس هذا هو الذي يحصلُ حاليّاً؟ يبدو أنّ الكيانَ هذا يحترمُ من العربِ من يقاتلهُ أكثر ممّن يهادنهُ.. فلنتأمّلْ جيّداً في هذه النّقطة.

(٦) علينا بناء اقتصاداتِنا المستقلّة بأنفسنا، في كلّ قطرٍ من الأقطار العربية. علينا العمل على بناء سياساتٍ اقتصاديةٍ وطنيّة، لا يأكلُ فيها القطاعُ الخاصّ القطاعَ العام.. ويكون للدّولة فيها دورٌ مركزيّ. يُمكن أن نختلفَ مع التّوجّه هذا في بعضِ جوانبه، لكن أيّ عاقلٍ يُمكنُهُ أن يقفَ ضدّ بناء اقتصاد وطنيّ مستقل عن الاستعمار، وقائم على أسس تنمويّة واجتماعيّة، ومُشبع بالعقائد القوميّة؟

(٧) علينا التّشديد على حماية استقلاليّة ونزاهة وعقيدة مؤسّساتنا العسكريّة العربيّة.

(٨) علينا العمل على إنشاء دولٍ مدنيّة حديثة في كلّ الأقطار. صحيحٌ أنّ الرّؤية النّاصريّة للدّولة رؤيةٌ معاصرة وتجديديّة وتقدّميّة إلى حدّ بعيد (نسبيّاً، وعلى المستوى النّظري خصوصاً).

انقلاب السّادات التّدريجي ربّما لكن السّريع جدّاً على التّحالف مع الإتّحاد السّوفياتي، لمصلحة تحالف جديد مع الإدارات الأمريكيّة (في وسط الحرب الباردة الكبرى!). كيف يقلبُ قائدٌ “منتصرٌ” تحالفاته الدّوليّة ـ التي أوصلته إلى النّصر – في بضع سنين؟ من يقتنع ببراءة قصّة كهذه عليه أن يكون شجاعاً مع ضميره ومع نفسه

(٩) القوميّة لا تعني العنصريّة، ونحن أقربُ إلى الرّؤية الفرنسيّة للقوميّة منه إلى الرؤية الألمانيّة المتشدّدة. القوميّة ليست مسألةَ عرقيّةٍ ولا مسألةَ تعصّبِ عشائرٍ وأنسابٍ وجغرافيا: هي قائمة – قبل أي شيء آخر – على منظومة فكريّة وقِيَميّة مشتركة.. وعلى منظومة مصالح موضوعيّة مشترَكة أيضاً.

(١٠) علينا أن نُجدّد فهمنا للإسلام وللشّريعة الإسلاميّة، والتّعامل مع التّجديديّين بإيجابيّة.

باختصار: لقد كان مشروعُ “جمال عبد النّاصر” مشروعاً نهضويّاً شاملاً لا مثيلَ له في عصرنا ولا نظير ولا شبيه.. كان عصرُ “النّاصرِ جمالْ” عصرَ ربيعِنا العربيّ الحقيقيّ الوحيد وبامتياز. لكن ما الذي حصلَ حتّى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.. بعدَ ربيع “ناصري” كهذا، في مدّةٍ يمكن تقديرُها بخمسين سنة (منذ نهايةِ حرب أكتوبر ١٩٧٣ تقريباً إلى اليوم)؟ هل هي يدُ القَدرِ المحتومِ (الذي لا يُدفَعُ إلّا بِهِ)، أم هي نتيجةُ خياراتٍ سياسيّةٍ خاطئةٍ عظمى؟

-من أضاع خمسين سنة من عمر هذه الشّعوب ومن عمر هذه الأمّة؟ من المسؤول الأساسي؟

-يمكننا أن نسايرَ بعضنا البعض حتّى الصّباح، ولخمسينَ سنة أخرى. لكن هل يمكننا بعدُ أن نُجامل ونتساهل أمام مستقبلنا كشعوب لهذه المنطقة، وبعدَ ما حصل لنا في هذا العالم العربي؟

بالطّبع لا: لذلك، أستأذن إخوانيَ المصريّين من غير النّاصريّين، لأنّي سأقول الحقيقةَ كما أراها بيّنةً أمامي. من غير مزايدةٍ ولا مشاحنةٍ ولا تفلسفٍ على أحد: أدافعُ في هذا المقال عن فكرةٍ مفادُها أنّ الخيار الجيو- سياسي للرّئيس المصري الرّاحل، أنور السّادات، هو الذي أوصلنا ـ وللأسف الشّديد ـ إلى هذا الدّركِ الأسفل من جهنّم، وفي كلّ المنطقة.. وبئس المصير!

أنظر معي يا أيّها الأخُ المصريّ والعربيّ، وبما تيسّر لك من الموضوعيّة: كيف انتقلت مصر من كونها قائدةً لأغلب العالم العربي، إلى كونها مجرّد دولة إقليميّة متوسّطة التأثير؟ كيف غدت مصر بحالة الحاجة والعَوَز، بعدما كانت تخطّط لتشييد اقتصادات الدّول العربيّة جميعها؟ ما الذي حصل لدور مصر في الإقليم وفي المنطقة؟

-ما الذي حصل للقضيّة الفلسطينيّة؟ من أعطى المبرّر لأكثر العرب والعجم للتّصالح مع “إسرائيل” تصالح العبدِ مع المالِك؟ كيف انتقلت قضيّة فلسطين من مستوى القضيّة القوميّة، إلى مستوى قضيّة بعض الفصائل المتناحرة؟ كيف اهتزّ التّناغم، ولو في حدّه الأدنى، بين دمشق والقاهرة خصوصاً (ما عدا بعض الاستثناءات)؟

-أين أصبح مشروعنا القومي كعرب؟ أين نهضتنا العربيّة؟ بل أين “نهضاتنا” الوطنيّة أصلاً؟ وهل استطعتم استبدال العروبة بنهضة “قبطيّة” أو “فرعونيّة” مثلاً، مع السّادات؟ أينَ أحلامُ “الوطن الأكبر”؟ أين قفزتنا الفنّيّة والوجدانيّة؟ أين بركاننا الفكري والثّوري؟

إقرأ على موقع 180  الدبلوماسية المصرية.. أردية الذئاب والحملان

-أين هذه الطّاقة الإيجابيّة الهائلة التي عرفها أهلنا ـ برغم النّكسات والجراح والأخطاء ـ في الخمسينيات والسّتينيات وأوائل السّبعينيات من القرن المنصرم؟

-من سرق منّا هذا الحلم؟ أيّ خياراتٍ وأيّ قادة؟ بل أيّ قراراتٍ بائسة وفاشلة؟

-من سارقُ هذا الحلم العربي؟

تأمّل معي يا أخي المصري والعربي بشيء من الموضوعيّة، بعيداً عن البروباغندا المموّلة أمريكيّاً ونفطيّاً (وإسرائيليّاً طبعاً ولكنّهم لا يدفعون من جيوبهم كالعادة): تأمّل ما كتبتُهُ في ما سبق من هذا المقال عن مرحلة عبد النّاصر.. وتأمّل معي في أسئلتي عن الخمسين سنة الماضية (١٩٧٣-٢٠٢٣ تقريباً): هناك أسباب عديدة طبعا، ولسنا – إن شاء الله – من القوم السّذج والمبسّطين.

لكن: ما هو القرار- الخيار المركزي الخاطئ الجسيم الذي أوصلنا إلى هنا.. إن لم يكن خيار “السّادات” بالاستدارة العوجاء وغير المدروسة ولا المحمودة، نحو شياطين الأرض والسّماء؟

لقد أضاعَ السّاداتُ باستدارته هذه المفذلَكة ـ نحو الإدارات الأمريكية ونحو إسرائيل – خمسينَ عاماً على الأقلّ، علينا كشعوب وكدول. علينا أن نوقفَ المجاملات سريعاً في ما بيننا كإخوة، وأن نجهر بالحقيقة كما نراها (بلا إهانات وتخوين بالطّبع.. إلّا من استطاع إظهار البيّنة وما كان من المُفتَرين).

فلنتحاورْ بمحبّة وبتحضّر، ولا مشكلة عندي في الدّخول في نقاشٍ علميٍّ جدّي ومفصّل حول هذه القضيّة إذا أمكن. ولنركّز على النّقاط الأساسيّة التّالية مثلاً:

أولاً؛ الطّريقة والتّوقيت في ما يخصّ إيقاف السّادات لحرب ١٩٧٣ من الزّاوية المصريّة. هناك تساؤلات مهمّة حول تفاصيل ربع السّاعة الأخير لهذه الحرب.

ثانياً؛ انقلاب السّادات التّدريجي ربّما لكن السّريع جدّاً على التّحالف مع الإتّحاد السّوفياتي، لمصلحة تحالف جديد مع الإدارات الأمريكيّة (في وسط الحرب الباردة الكبرى!). كيف يقلبُ قائدٌ “منتصرٌ” تحالفاته الدّوليّة ـ التي أوصلته إلى النّصر – في بضع سنين؟ من يقتنع ببراءة قصّة كهذه عليه أن يكون شجاعاً مع ضميره ومع نفسه.

ثالثاً؛ رهان السّادات، عموماً، على صداقات وتحالفات مع المعسكر الغربي ككلّ. مجدّداً: كيف يقرّر قائدٌ “منتصر” الانقلاب على العقيدة المؤسّسة لأمّته ولجيشه.. وفي “وسط” المواجهة المستمرّة عمليّا مع الاستعمار الغربي؟

رابعاً؛ طبعاً، خيار الذّهاب باتّجاه “كامب دايفيد” والسّلام مع العدوّ الإسرائيلي.

من شأن هذه الأسئلة أن توصلنا إلى مربط الفرس في ما يخصّ مصير نهضتنا العربيّة ومشروعنا القوميّ كعرب معاصرين: نعم، لقد دمّر السّادات ـ برأيي ـ قفزتنا النّهضويّة تدميراً شبه كامل من خلال هذه الخيارات، ولا زلنا نعيشُ تبعات هذه السّياسات الخاطئة.. فمتى الفرجُ يا أهلَ مصر؟

أين أصبح مشروعنا القومي كعرب؟ أين نهضتنا العربيّة؟ بل أين “نهضاتنا” الوطنيّة أصلاً؟ وهل استطعتم استبدال العروبة بنهضة “قبطيّة” أو “فرعونيّة” مثلاً، مع السّادات؟ أينَ أحلامُ “الوطن الأكبر”؟ أين قفزتنا الفنّيّة والوجدانيّة؟ أين بركاننا الفكري والثّوري؟

لكن، في انتظار هذه الحوارات، أدعو لشعبي بعودة “النّاصِرِ جمالْ” بعصرِهِ وبنهضتِهِ وبجيشِهِ، وأستجلبُ ذلك بالدّعاء والذّكر طبعاً.. لكن أيضاً، بسماع ألحان وصوت نخبة الفنّانين العرب من العصر النّاصري المجيد (نشيد “الجيل الصاعد” شارك في تأديته كل من وردة الجزائرية وشادية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وذلك لمناسبة عيد ثورة يوليو في تموز/يوليو 1961 بحضور جمال عبد الناصر):

ومن أجمل كلمات النشيد التي يشدوها عبد الوهاب:

“عاش الشعب العربي كله شعب سلام وأمان

عاش الوعي العربي كله ثورة فى كل مكان

ثورة مارد للحرية هب ونادى للقومية

ردينا عليك يا جمال وأيدينا فى أيديك يا جمال

وطلعنا معاك يا جمال نبني وياك يا جمال

حيوا معايا قولوا معايا عاش عبد الناصر عاش”

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  جورجيا ميلوني تحفر سيرتها.. بأظافرها!