ما ينبغي وما لا ينبغي في حديث الوحدة اليمنية

بعد ستة أيام من إعلان الجمهورية اليمنية الموحدة في 22 مايو/أيار عام 1990، انعقدت القمة العربية في بغداد برئاسة صدام حسين، الرئيس العراقي الراحل الذي أراد القمة مناسبة لعرض "انتصاره" في الحرب الإيرانية - العراقية.

كان اليمن شريك العراق في الحرب ضد إيران وكان علي عبدالله صالح ورفيقه علي سالم البيض نجما القمة. صفّق الحاضرون للبيض بحرارة لا تخلو من النفاق، وكأنهم يُعوّضون عن تخاذلهم في السير على خطاه. كانت شجاعته موضع ترحيب بصوت عالٍ من طرف العقيد الراحل معمر القذافي الذي عرفه وزيراً للخارجية بُعَيدَ تسلمه السلطة في ليبيا.

استمع أهل القمة إلى حديث لم يعتادوا سماعه إلا في خطب المعارضة. قال البيض في كلمته: “لقد جرّبنا في جنوب اليمن أن نبني نظاماً اشتراكياً وجرّب إخواننا في الشمال بناء نظام رأسمالي، فلا الاشتراكية بنينا ولا الرأسمالية. بنى كل منا جيشاً ضد الآخر وأمناً ضد الآخر واقتصاداً ضد الآخر ودولة ضد الدولة الأخرى ولو أخرجنا النفط سيكون سلاحاً لكل منا ضد الآخر. لذا اتفقنا على الاحتكام إلى الشعب الذي يعتبر أن الوحدة اليمنية مصيره”.

الوحدة اليمنية هي فرصة يحتاجها اليمنيون للاحتفاظ بمقومات النهوض وإعادة الاعمار بعد الحرب التي أنهكتهم. هي فرصة يحتاجها اليمنيون لضمان مستقبل سلمي لأجيالهم. هي فرصة لكي يحتل اليمن المكانة التي يستحقها في جيوبولتيك الشرق الأوسط. لكن ذلك كله يستدعي حل المشكلة الجنوبية بما يُرضي الجنوبيين

أضاف البيض “اتفقنا على توحيد اليمن إستناداً إلى الأفضل بين نظامي التشطير وأن يكون الدستور دليلنا. فلا يعلو أحد فوقه وأن تكون المشاركة وسيلتنا للحكم. واعتبرنا أن النفط يجب أن يكون نعمة بدلاً من أن يكون نقمة. المرء يكون كبيراً بقدر ما تكون أعماله كبيرة. وحتى نكون كباراً لا بد أن يكون تفكيرنا استراتيجياً وأتمنى التفكير الاستراتيجي لكل القادة العرب”.

ما زال هذا الكلام الجوهري صحيحاً، على الرغم من كل ما وقع من بعد سواء حرب العام 1994 أو ما تلاها من تطورات في سياق ما سمي بـ”الربيع العربي”. وسيبقى هذا الكلام صحيحاً ما دام اليمنيون يعيشون في فضاء واحد ورثوه عن أجدادهم منذ آلاف السنين. ذلك أن كل عودة إلى الوراء، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، تنطوي على بناء كيان سياسي ضد الآخر، أي جيش وأمن وحدود ضد جاره، مع ما يمليه من موازنات وطرق عيش وعلاقات خارجية، إقليمية ودولية.

لقد خسر اليمنيون خلال تاريخهم السياسي الحديث فرص التقدم والبناء بسبب صراعاتهم الداخلية وسيخسرون أيضاً إذا ما استأنفوا العيش منقسمين ومتحاربين.

هذا الاستنتاج المبدئي لا يمكن أن يُخفي المشاكل الكبيرة التي نشأت بعد الوحدة اليمنية. لقد تضرر طرف أساسي في جنوب اليمن من الإدارة التي توّلت أمر الجنوب بعد حرب صيف العام 1994 والتي تسلمها عبد ربه منصور هادي وعلي محسن الأحمر بإشراف الرئيس علي عبدالله صالح. لقد تصرف المنتصرون في المحافظات الجنوبية بوصفهم الأقوى وفرضوا على الجميع قانون الأقوى والمنتصر الذي يفرض إرادته على المهزوم ويُصادر أمواله ويهمشه. هذا منطق كل الحروب، ليس فقط في اليمن وإنما في كل أنحاء العالم.

أما “المنتصرون” في الحرب ممن ينتمون إلى الجناح المهزوم في مجزرة يناير/كانون الثاني 1986، فليس مُستبعداً أن يكون سلوكهم بعد “انتصارهم” في الحرب، سلوكَ المُنتقِم من الضرر الذي لحق به في المجزرة المذكورة (صادرتُم بيوتنا نُصادر بيوتكم، طردتُمونا من الجيش نطردكم من الجيش، صادرتُم أرضنا وأملاكنا نُصادر أرضكم وأملاككم.. إلخ). وكان من الطبيعي أن يتم ذلك كله تحت شرعية الوحدة وبالتالي أن تبدو المظالم وكأنها ناجمة عن الوحدة وأن يستنتج المظلومون أن الوحدة هي غريمهم وأن عليهم أن يعودوا إلى ما قبل الوحدة لاسترداد حقوقهم.

تبقى إشارة أخرى لا بد من تفصيلها وهي أن الشراكة الوحدوية بُنيت على تقاسم دولة الوحدة بين طرفين وما دامت الوحدة قائمة فلا بد من بقاء هذا التقاسم. بيد أن حرب العام 1994 دمّرت هذا الشرط الذي كان مبنياً على توازن بين الطرفين اختل بعد الحرب وما عاد قائماً. ما من شك في أن الحرب هي الحل الأسوأ للقضايا الداخلية في كل البدان.

يضاف إلى ذلك مشكلة طبيعية، بل بنيوية مستمدة من ضعف الثروة اليمنية وبالتالي ضعف التوزيع على حجم كبير من المحتاجين في البلاد. لقد استوعبت المانيا الغربية ألمانيا الشرقية الشيوعية ليس بالشعارات الجميلة على أهميتها، وانما بمليارات الدولارات وذلك خلال ربع قرن وكانت الوحدة في هذا البلد تعني عملياً دمج ألمان الشطر الألماني الشيوعي بألمانيا الغربية، أي دمج المهزوم في الحرب الباردة بالمنتصر فيها ودمج الضعيف سكانياً بالقسم الأكبر سكانياً والقسم الأفقر بالقسم الأغنى.. ومع ذلك نشأت عن الدمج مشاكل لا تحصى.

كان الدمج هو الحل الأفضل لليمنيين في نهاية العام 1992 وبداية 1993 عندما اتفق علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض على دمج الحزبين والجيشين، لكن التيار الشمالي في الحزب الاشتراكي اليمني عارض الدمج وقاتل للدفاع عن التعددية فكان ما كان.

على الوحدويين اليمنيين، وهم أكثرية في اليمن الطبيعي، أن يعترفوا أولاً بوجود مشكلة جنوبية بعد أن اعترفوا بالقضية الجنوبية في مؤتمر الحوار.. والاعتراف بالمشكلة هو نصف الحل، بل هو الطريق نحو الحل

من الصعب احترام الاتفاقيات والتفاهمات بين طرفين عندما يتعرض أحدهما للهزيمة. لقد تعرضت ألمانيا للإهانة مرتين خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد اغتصب المنتصرون مليون ونصف امرأة ألمانية وفرضوا عقوبات اقتصادية ما زال الألمان يدفعون ثمنها حتى اليوم. أُعطي هذا المثال ليس للمقارنة مع حرب العام 1994 في اليمن. البونُ شاسعٌ بين الحربين والبلدين والأصول الحضارية شديدة الاختلاف بما في ذلك أخلاق الحروب.

إقرأ على موقع 180  إنفراجة اليمن لا تنسحب على سوريا؟

ليست الوحدة أمراً سيئاً لا في اليمن ولا في أي مكان في العالم. ما يصعب حله في ظل الوحدة يصعب حله في ظل الإنفصال، بل الإنفصال أو الإنقسام هو مشكلة إضافية للمشاكل التي ينبغي حلها. لذا، على الوحدويين اليمنيين، وهم أكثرية في اليمن الطبيعي، أن يعترفوا أولاً بوجود مشكلة جنوبية بعد أن اعترفوا بالقضية الجنوبية في مؤتمر الحوار.. والاعتراف بالمشكلة هو نصف الحل، بل هو الطريق نحو الحل.

قصارى القول في هذا المقام إن الوحدة اليمنية هي فرصة يحتاجها اليمنيون للاحتفاظ بمقومات النهوض وإعادة الاعمار بعد الحرب التي أنهكتهم. هي فرصة يحتاجها اليمنيون لضمان مستقبل سلمي لأجيالهم. هي فرصة لكي يحتل اليمن المكانة التي يستحقها في جيوبولتيك الشرق الأوسط. لكن ذلك كله يستدعي حل المشكلة الجنوبية بما يُرضي الجنوبيين.

إن الجرح في الجسد قد يودي بصاحبه إن لم يُعالج بالوسيلة الصحيحة وكل إهمال للجرح ينطوي على خطر الموت.

(*) يُصادف اليوم 22 أيار/مايو 2023 الذكرى الـ 33 للوحدة اليمنية

Print Friendly, PDF & Email
فيصل جلول

باحث لبناني في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  على شاطئ صيدا.. طُغيان إجتماعي