الهوية الوطنية السورية.. ألف التنوع وتاء القسر!

عادة ما يحتفي السوريون بتنوعهم، وبـ«فسيفساء سوريا العظيمة»، من دون أن يخوضوا في تفاصيلها، لكأنها فسيفساء خطيرة! لا أحد يتحدث عن مكونات هذا التنوع، ولا أحد يجيب عن معنى الفسيفساء. هي فسيفساء خبيئة، خطيرة، وربما في ذهن بعضهم خبيثة!

لننظر كيف حضر هذا التنوع في خمس تجارب دستورية تُعد الأهم في تاريخ سوريا، وهي: مشروع دستور 1920، ودساتير 1930 و1950 و1973 و2012.

في التجارب الدستورية الأربع الأقدم تبدو سوريا في جُلّها نسيجاً متجانساً ليس فيه طوائف ولا أديان ولا أعراق ولا مذاهب. لم تأتِ دساتير 1920 و1930 و1950 و1973 على ذكر كلمة «تنوع» ولا مرة واحدة، ليبقى الحديث عن التنوع خجولاً مُضمناً في فكرة الأحوال الشخصية للطوائف، والحديث عن الأقليات في دستوري 1920 و1930. ليس في هذا التنوع أقليات عرقية؛ فلا كرد ولا آشوريين ولا سريان ولا شركس ولا تركمان ولا أرمن! وليس في هذه البلاد لغة غير العربية؛ فلا كردية ولا تركمانية ولا شركسية ولا سريانية ولا حتى آرامية، تلك اللغة التي يفتخر غالبية السوريين بأنها لغة المسيح التي ما زالت ثلاث قرى في سوريا تتحدث بها حتى اليوم.

ليس في هذا التنوع إرث تاريخي؛ فلا كنعان في ماضينا، ولا آرام، ولا فينيق، ولا سواها من الحضارات.

نحن عرب مسلمون وحسب! جزء من أمة وبالكاد نشكل شعباً! نحن مجرد قطر، على قدر ما تخلق كلمة قطر من تصغير في الهوية. يكفي أن نذكر أن دستور 1973 يأتي على ذكر كلمة عربي ومشتقاتها 58 مرة، مقابل 12 مرة فقط لكلمة سوريا ومشتقاتها. وللمرة الأولى يتحدث الدستور عن جنسية عربية صفتها السورية. أي أنها المرة الأولى التي تكون هناك «جنسية عربية»! ولم يكن العلم علم سوريا، بل علم اتحاد الجمهوريات العربية. كما تصدر الأحكام باسم الشعب العربي في سوريا لا باسم الشعب السوري، أي أننا شعب عربي يصادف أنه يعيش في سوريا ولسنا شعباً مكتملاً، وليس في نشيدنا الوطني كلمة سوريا واحدة، وبعد أن كانت سوريا بالألف الممدودة في الدساتير الأولى تذكر عشرات المرات، مقابل مرات أقل للعروبة، أصبحت العروبة هي الأساس، وسورية، بتائها المربوطة ثانوية تذكر بوصفها تخصيصاً للعروبة العامة لا لأنها كيان قائم وشعب مستقل!

خشينا من التنوع إلى حد كسرنا فيه ألف سوريا ولويناها تاء مربوطة. لم يكن ليعترض أحد على التاء المربوطة لو أنها جاءت طبيعية دون قسر وفي ظل كل اعتبار للهويات الفرعية، فلا أحد ضد عروبة سوريا، لكنها عندما تأتي في ظل تهميش وقسر وفرض، تبدو كما لو أنها تربط العنق، ليتوق كل السوريين إلى ألف تعيد النفس

تتجلى الهوية المركزية القسرية في سوريا في دستور 1973، وتبتعد عنها ـ خلافاً لما يظن كثيرون ـ في دستور 2012. لا لأن دستور 2012 شرح التنوع، بل لأنه الدستور الأول الذي يتحدث عن تنوع المجتمع السوري، وعن مكونات وروافد، من دون أن يتحدث بالطبع عن ماهية هذه المكونات، ولا عن مضمون هذا التنوع، لكنه تنوع لا يتنازل عن التاء المربوطة ولا عن عروبة سوريا المطلقة!

بالتأكيد لا يختلف اثنان على هوية سورية عربية وإسلامية واسعة! فالثقافة العربية والإسلامية هي الثقافة الطاغية حتى على المكونات الأخرى سواء دينية أم عرقية. لكنها هوية متنوعة كما يقر الدستور ذاته، فما هو مضمون هذا التنوع؟ ولماذا عليه أن يبقى طي التأويل؟ ولماذا يتعين على المكونات السورية (بلغة الدستور ذاته) أن تبحث في دستورها عن نفسها، عن لغاتها وعن عاداتها؟ هذه المكونات موجودة، وهي جزء من الهوية السورية، وإنكارها، يفتح عمل الشيطان الداخلي والخارجي!

قد يقول قائل إن ذكر المكونات السورية شكل من أشكال التقسيم، وهذا قول له ما يؤيده بطبيعة الحال. لكن، ما الذي قدّمته الهوية المركزية القسرية سوى محاولة فاشلة لطمس الهويات الفرعية؟ هل تمكنت هذه الهوية من إدماج المكونات وخلق مجتمع متجانس ومتعايش؟ أم أسّست لحرب وخطاب كراهية وإقصاء؟

بالمقابل، تمكن الدستور المغربي، الذي عدّد المكونات المغربية وشرح تفصيلاً هوية متعددة الأبعاد، إسلامية، عربية، متوسطية، إفريقية ومغاربية، ويعترف أيضاً بالأمازيغية والحسانية والعبرية، بل والأندلسية من التقدم خطوة إلى الأمام نحو مجتمع مستقر!

يفتخر الدستور المصري أيضاً بالتاريخ المصري القديم والقبطية والإسلامية ويعتز بكون مصر «تنتمي إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي» ولا يخجل عن الحديث عن الكنائس والمسيحية، فلماذا لا يخشى المصريون التقسيم عند التغني بالتنوع، ونخشاه نحن؟

دأبت السلطات في سوريا على التعامل مع الهوية كقضية في غاية الحساسية. فالمطالبة بكتابة سوريا بالألف الممدودة، تشبه التنكر للعروبة، بل وتكاد تكون تآمراً على الأمة العربية! لا تتسامح السلطة مع هويات فرعية، فالتعبير عنها كأن أقول إنني مسلم، أو مسيحي، أو سني، أو علوي، أو كردي، أو درزي، يعني، في نظرها، كما لو أنني لست سورياً، أو أنني معادٍ للعروبة. وخلا بعض المناسبات الإسلامية والمسيحية، لا يحق لأحد الاحتفال، على الأقل علناً، بمناسبات تخص جماعته. فلا عيد “نوروز” ولا “يوم الغدير” ولا سواهما، وإن حدث فعلى استحياء ومضض، وتخفّ، فما هو التنوع الذي نسعى إليه، إذا كانت هذه الانتماءات مُهدّدة للهوية الوطنية؟

إقرأ على موقع 180  إذاعة الرعب

يتفق علماء الاجتماع والسياسة على أن الهوية مركبة وديناميكية، وليست بعداً أحادياً وجامداً وصلباً. وعلى أن الهويات الفرعية، فيما لو أتيح لها التعبير عن ذاتها بحرية، لا تتناقض مع الهويات الكبرى. فلا مانع من كون المرء بافارياً، وفي الوقت نفسه ألمانياً، ولا مانع من أن يكون ابن عشيرة العكيدات في دير الزور سورياً وعربياً، بل ولا مانع من أن يكون الكردي سورياً، وابن هوية ثقافية عربية وإسلامية يغنيها ويغتني بها، لكن عندما تعترف هذه الهوية به، وبثقافته ولغته.

الهوية تعريفاً هي حالة شعورية ونفسية؛ إما أن تعيش في ظل قانون يعترف بها ويحترمها، وإما أن تكون حبيسة الصدور فتنفجر طائفية، وتعصباً دينياً، وقومياً.

الاعتراف بالهوية الفرعية لا يلغي الاعتراف بالهوية الأعلى ولا يلغي المواطنة ولا يتعارض معها. لا تفترض المواطنة إلغاء الهوية، ولا العكس، لكن الاعتراف بالهويات له آثار قانونية وحقوقية، يؤدي إقرارها إلى اكتمال المواطنة. الاعتراف بمكونات المجتمع السوري، يعني المزيد من إحساس هذه المكونات بوطنها.

خشينا من التنوع إلى حد كسرنا فيه ألف سوريا ولويناها تاء مربوطة. لم يكن ليعترض أحد على التاء المربوطة لو أنها جاءت طبيعية دون قسر وفي ظل كل اعتبار للهويات الفرعية، فلا أحد ضد عروبة سوريا، لكنها عندما تأتي في ظل تهميش وقسر وفرض، تبدو كما لو أنها تربط العنق، ليتوق كل السوريين إلى ألف تعيد النفس!

Print Friendly, PDF & Email
زيدون الزعبي

باحث في قضايا الحوكمة، سوريا

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الإنتماء للعروبة.. بداية الهوية