طلال سلمان والسودان.. صوت العروبة يصعد إلى السماء

ليت (أسماء) تعرف أن أباها صعد/ لم يمت/ هل يموت الذي كان يحيا/ كأن الحياة أبد/ وكأن الشراب نفد/ وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد/ عاش منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عما فقد (أمل دنقل).

حين دخلت إلى مبنى جريدة “السفير” المهيب لم أملك نفسي من إخفاء ابتسامة فرضت نفسها علي. لم أتمكن من تبين حقيقة مشاعري عما إذا كنت سعيداً بأنني هنا، وزيارة بيروت – مهما قصرت – مناسبة تبعث على السعادة والفرح والزهو، أم أنني شعرت بأنني حقّقت بعض أحلام والدي الراحل في أن أصير كاتباً جيداً والكاتب الجيد لا يمكن تعميده ومنحه اللقب إلا إذا قرأته بيروت، وها أنا الآن في بيروت كاتباً. المبنى الجميل الأنيق المهندم نفسه مدعاة للإحساس بالفرح والابتسام.

***

كان مضيفي يقرأ مباشرة من صفحة عقلي ويلبي ما اشتهيت، فقادني عبر المكاتب بواجهاتها الزجاجية الزاهية والمزينة بصفحات من الجريدة بشكل يمنحك الإحساس بأنك تقلب صفحة كلما فتحت أو أغلقت باباً. هنا يجلس المحررون، وهنا غرفة الأخبار، وهنا سكرتير التحرير، وهنا مدير التحرير، وهنا القسم الفني. أرهقته قليلاً برغبتي في صعود الدرج طابقاً طابقاً حتى تكتمل قراءة المبنى/ الصحيفة.

تصعد الدرج إلى طابق فتحس وكأنك خرجت من أحد ملفات الصحيفة إلى ملف آخر. في باب الثقافة والأدب رأيت الطيب صالح في صورة أنيقة بالجلباب والعمامة وهو يزين جداراً من المبنى (هل اتفقنا على أن نسمي الجدران صفحات؟) إذن هي صفحة. كان معه على ذات الصفحة كارل ماركس وغسان كنفاني وصباح فخري وصباح الشحرورة ومحمود درويش ومروان البرغوثي، وفي صفحة أخرى رأيت سعاد حسني فأحسست ملوحة في الحلق وهسهسة في القلب، وكانت كعادتها مبتسمة وفي كامل الإشراق.

***

دخلت إلى الأرشيف فشعرت بمهابة الدخول إلى غرفة الاعترافات في المقر البابوي! هنا في هذا الأرشيف سترى الأجيال من قراء العربية كيف خان الأجداد الأحفاد، وكيف كذبوا وتآمروا، وكيف صنعوا هذا الحاضر الخرب.

لم ألمس شيئاً بيدي توقيراً لكن مضيفي العزيز كان يعلم بكل أسئلتي مقدماً وكان يتكفل بالأجوبة. هنا يعرف البابا كل شيء.

أتمنى أن تنجح مهمة نقل تلك الأعداد التي عملت كذاكرة للعرب على امتداد أربعين عاماً إلى نسخ رقمية، وأن يكون هذا مشروعاً تجريبياً (Pilot Project) لجميع الصحف العربية بحيث يكون متاحاً للعرب جميعاً أن يقرأوا الصفحة الأولى من كيف بدا العالم حين دخلوا إليه لأول مرة. إن واحدة من أجمل الهدايا في أعياد الميلاد أن تهدي صديقاً نسخة من صحيفة طاهرة صدرت في يوم مولده.

***

في الطابق الأرضي، أقامت “السفير” متحفاً صغيراً يصور دار الصحيفة إبان الحرب في لبنان. عن طريق هندسة الديكور والفن الخلاق يبدو المبنى كما لو كان مدمراً بالفعل وتحت القصف. صفحات المتحف/ جدرانه مزينة بالصفحات الأولى للصحيفة، وبرسومات مكبرة ولوحات طبيعية للفنانين ناجي العلي وبهجت عثمان ومحي الدين اللباد وحلمي التوني ومَن مِن جيلنا لم يزين صباه وشبابه بصور هؤلاء المشرقة على الصحف والمجلات والكتب الصغيرة. لفت نظري كاريكاتير من العام ١٩٨٤م للفنان المصري نبيل السلمي يصور فيه ما يبدو صحفياً يضع زناراً من النوع الذي تضعه الراقصات الشرقيات على أوساطهن، وهو في وصلة رقص مخلصة. كل الرجاء من صوت الذين لا صوت لهم ألا يبلغه هناك في الأبدية البيضاء (بلغة درويش) بأن ذلك الصحفي الراقص أنجب آلاف الصحفيين الراقصين، وإن كان على إيقاع أقل صخباً و(تنقيطاً) لا يشبع من جوع!

***

كنت أعلم حين زرت الصحيفة بأن مؤسسها وصانع اسمها مريض لكنني تفاديت السؤال عنه، وحين جاءت اللحظة الحاسمة دُعيت إلى مكتب الأستاذ طلال سلمان.

قلت بهدوء عبارة من نوع: لعله الآن بخير؟ سمعت أنه أصيب بوعكة! الإجابة كانت هادئة لكنها حزينة: نعم هو متعب بعض الشيء هذه الأيام ثم دعاء صادق منا جميعاً بأن يعينه ويشفيه ويبارك في عمره وفي عطائه.

دخلت إلى مكتبه المهيب. كان كل شيء كما هو في مكانه.. طاولته الخشبية الصغيرة والأنيقة في بساطة مدهشة كصحفي مدقق مرتب، ومقاعد محدودة للضيوف وضوء غير مزعج وكتب وخزانات صغيرة ولوحات منثورة بترتيب لا يخفى. وقفت في إجلال ولم أجرؤ على التقاط الصور. كان هو المكان الوحيد الذي لم أخرج فيه هاتفي وكففت عن الكلام المباح. نظرت لدقائق في كل شيء ثم خرجت صامتاً وأنا مفعم بكل ذاك الجلال.

***

في مرة مشابهة زرت غرفة كريستوفر كولومبوس في متحف كاسا دي كولون بمدينة لاس بالماس في جزر الكناري. يبدو أن حراس المنزل لم يتوقعوا مثل ما سلكت من زائر، فقد استلقيت على سرير مكتشف الدنيا الجديدة الخشبي الصغير مرة ثم جلست على كرسيه البالغ من العمر ٥٠٠ عام ونيف وتكفلت زوجتي وأطفالنا بالتقاط الصور. بعدها حدثني الحارس بأن هذا غير مسموح وأنه لا توجد لافتة توضح ذلك لأنهم لم يحتاجوا إلى ذلك أبداً مع زائر، ولم أقل له أنني لم أشعر بأي جلال للمكان أو لصاحب المكان يمنعني من التصوير.

في مكتب الأستاذ طلال سلمان لم أشعر بالحاجة إلى التصوير فجلال المكان أجدر به الحفظ في الذاكرة لا في شريحة السيليكون.

***

حين أصدر العدد الأول منها، كان طلال سلمان، المثقف والمناضل والقومي العربي، قد قرّر أن يجعل من صحيفة “السفير” جريدة للعرب في لبنان وجريدة للبنان في العالم العربي، وظل وفياً لهذا الالتزام حتى صعد.

إقرأ على موقع 180  كمال الصليبي.. مكانة "ربما " و"لعل" في التاريخ! (4/4)

منذ زيارته الأولى للخرطوم في منتصف الستينيات، لم ينقطع طلال سلمان عن “السودان الفوّار بالحيوية ورفض الغلط ومقاومة الطغيان والذي يجوع ابناؤه ولا يستسلمون” كما وصفه مرة بصدق وعن محبة. كان بقلمه قريباً من السودانيين وأحلامهم ومشاعرهم وانتصاراتهم وهزائمهم وجراح الروح منهم. وكان بصحيفته وفياً لهم وصادقاً كالعهد في نقل أخبارهم وتحليل أوضاعهم واستقراء مستقبلهم.

كم خسر السودان وهو لا يقرأ طلال سلمان ولا يأخذ بحكمته؟

***

كتب عند انفصال البلاد إلى شطرين واستقلال جنوب السودان قبل عقد ونيف “واضح أن تقسيم السودان إلى دولتين ليس نهاية المطاف.. فهناك جهات أخرى من هذا البلد ــ القارة تعيش حالة من الاضطراب لا يستبعد ان تتفاقم خطورة ودموية إلى حد طلب الانفصال عن الدولة المركزية التي كانت أوسع الدول العربية مساحة والمرشحة لأن تتوزعها الأعراق والقبائل والعناصر التي لا يكفي الدين الحنيف لأن يكون وحده قاعدة توحدها”. الحكام لا يقرأون في هذا البلد وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا يتجاهلون، والمثقفون مستعدون دائماً لبيع كل ما آتاهم الله من معرفة وحكمة بوظيفة دنيا يتبرع بها الحاكم.

وحين سقط “نظام الإنقاذ” بقيادة عمر البشير حذّر بصوت عالٍ “المهم الآن ألا يتمكن السعوديون وجماعة الشيخ محمد بن زايد من الإماراتيين من (شراء) بعض الضباط بالذهب فينحروا الثوار والثورة، ويزينوا للضباط أن يقتدوا بسابقيهم من قادة الانقلاب الذين عبثوا بالسودان ومزقوا وحدة أرضه وشعبه”. ها قد قرأتم، فكيف يبدو الحال الآن؟

وفي مقاله الباهي فور تولي جنرالات المجلس العسكري الانتقالي بعنوان (شعب السودان في مزاد بدو النفط) نثر فيوض حكمته وتجربته العميقة منذ أن أتيح له وهو ابن عشرين عاماً فقط أن يحاور الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر في دمشق. كتب سلمان “فأما شراء الأفراد، رجالاً ونساءً، فأمر معروف منذ بداية التاريخ الإنساني. وأما شراء الجمعيات والأحزاب التي عجزت عن استقطاب الجماهير وتسخيرها لخدمة السلطان أو صاحب الأمر، محلياً كان أو أجنبياً، فأمر معروف ومألوف في لعبة الصراع على السلطة. على أن شراء الدول، عبر حكامها او المتحكمين فيها نتيجة سيطرتهم بالقوة أو بالحيلة على مفاصل الحياة اليومية وأسباب الرزق، فانه يظل أمراً مستهجناً، إن هو تم، فقبل المتحكم بالسلاح عرض المتحكم بالمال فباع دولته ووطنه بثلاثين من الفضة وكأن شعبه قطيع من الماشية وأرض وطنه مشاع لمن استطاع أخذها بقوة النار أو الذهب”. لا عجب فقد كان يقرأ قرائن الأحوال ويجمع ويطرح ثم يرى حصيلة المستقبل في بلادنا المنكوبة، فهل صدقت قراءته؟ وهل اشترى بدو النفط الأفراد والجمعيات والأحزاب والدولة كلها؟ منذ تأريخنا القديم عرفنا في بلاد السودان (الاسترقاق والاستعباد والرق) وحين تطورت البشرية قليلاً وصارت تخجل من نفسها، صرنا سوقاً رائجاً لما ظلّلت أسميه بـ(الرقيق السياسي) لكن أن تسترق الدولة كلها فهذا غير مسبوق. غير مسبوق على الإطلاق.

***

في مكانك العالي دعني أرسل لك الشكر والأزهار والدعوات لما كتبت “لقد صدق القول السامي: إن الملوك والسلاطين ما دخلوا قرية الا أفسدوها.. فهم يفترضون أن الشعوب مجموعات من العبيد والجواري معروضة للبيع، وهم قادرون بذهبهم على شراء الكرامة والعرض والشرف والوطن وحبه الذي من الايمان”، لقد أحسنت بقلمك النقي الظن بنا حين حسبت أن الملوك هم يظنون أن الشعوب عبيد وجواري معروضون للبيع! هذا يصلح في بلدان أخرى يحكمها بشر لديهم كرامة، ولكن في بلادنا فإن الحكام هم من يعتقدون أنهم وشعوبهم معروضون للبيع، وإن حكّامنا يتهافتون على الملوك لأجل شرائهم، والملوك يتأففون ويستعيدون في طرب: أم أذنه في يد النخاس دامية/ أم قدره وهو بالفلسين مردود؟

كان صديق عمرك الراحل محمد حسنين هيكل يستعيد – كما روي لنا – من هذه القصيدة شطر (وقد بشمن وما تفنى العناقيد) وأسهب مرة في شرحها على قناة “الجزيرة” في أرقى برنامج سياسي أنتجه عرب منذ عهد قس بن ساعدة.

سيكون بوسعك الآن أن تجلس إلى صديقك العزيز في حللكما الزرقاء الأنيقة وان تدخنا ما شئتما من السيجار، وليتكما تطلان مرة على الملف السوداني وتنظرا كيف صار شعب البلاد التي صدقت حين قلت إنها “بلاد الخير” ببؤس حكامنا. قاوم حكامنا السابقون نصح صديقك العزيز فقاطع شئوننا لعقود، ووضع حكامنا الجدد أصابعهم على آذانهم عن صرختك الداوية في عمودك المقروء وأنت تحذر من بدو النفط: أتسمعني يا زول؟ لم يسمعوك حتى ارتفعت بالنداء إلى السماء.

لم أسعد بالاستماع إلىك مباشرة، لكني وقفت على بهاء مكتبك وصحيفتك. نحن محظوظون إذ ولدنا في عصرك، وعشنا سنوات التكون والتشكل في عهد حضرتك.

ها قد ذهبت تاركاً للعالم أفضل الأعمال التي ستكون زادك فعش أبداً هنا، وعش أبداً هناك كأسعد ما يكون المقربون في جنات النعيم مع النبيين والشهداء والصديقين.

Print Friendly, PDF & Email
محمد عثمان ابراهيم

كاتب وصحفي سوداني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فوضى دولية شاملة.. ما بعد أزمة أوكرانيا