مارتن إنديك: “طوفان الأقصى” أحيا حل الدولتين

لسنوات عديدة كانت رؤية دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن موضع سخرية باعتبارها فكرة ساذجة إلى حد ميؤوس منه، ووهماً خطيراً. وبعد عقود من الدبلوماسية الفاشلة التي قادتها واشنطن، اقتنع العديد من المراقبين أن "حلم الدولتين" قد مات، ولم يبق سوى دفنه. لكن ليس هذا رأي مارتن إندك (*) الذي يرى أن كل البدائل المتوفر تعني كوارث أكبر، وأن "طوفان الأقصى" فرصة مناسبة جداً لإحياء "حل الدولتين" وعلى جميع الأطراف استغلالها. 

في أعقاب “طوفان الأقصى“، في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزَّة منذ ذلك الحين، عاد الحديث من جديد عن حل الدولتين. وقد أكد الرئيس الأميركي جو بايدن وكبار مسؤولي إدارته (ومعهم قادة عرب وأوروبيون وصينيون) إيمانهم بأن ذلك يمثل السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين والدول العربية؛ وللشرق الأوسط عموماً.

البدائل الممكنة المتوفرة حالياً، هي: الحل الذي تتبناه حركة “حماس”، وهو تدمير إسرائيل. الحل الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهو ضم الضفة الغربية وتفكيك السلطة الفلسطينية وترحيل الفلسطينيين إلى دول أخرى. النهج الذي يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو “إدارة الصراع” وإبقاء الوضع على ما هو عليه إلى أجل غير مسمى، تماماً كما فعل ويفعل طوال العقد الماضي. وهناك أيضاً فكرة “الدولة ثُنائية القومية”، التي يصبح فيها اليهود أقلية، وبالتالي إنهاء وضع إسرائيل كدولة يهودية. إن أياً من هذه البدائل يعني التسبب في كوارث أكبر. وبالتالي، إذا كان للصراع أن يُحل سلمياً، فإن “حل الدولتين” هو الحل الوحيد المتبقي.

غياب القادة المناسبين، عدم الإهتمام، فقدان الثقة المتبادلة، الفشل الأميركي.. كل هذا حال دون تحقيق “حل الدولتين”. بعد “طوفان الأقصى”، أصبح الأمر أكثر صعوبة: الإسرائيليون والفلسطينيون أصبحوا أقل ثقة ببعضهم البعض، وأكثر غضباً وحذراً من بعضهم البعض. المنافسة بين القوى العُظمى على أشدها. والأهم أنه بعد عقود من الفشل الدبلوماسي والعسكري في الشرق الأوسط، أصبحت مصداقية واشنطن أكثر ضعفاً مما كانت عليه في التسعينيات. مع ذلك، ونتيجة للحرب في غزَّة، فإن واشنطن في أشد الحاجة لعملية سياسية ذات مصداقية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى اتفاق (…). وهذا سيتطلب منها التزاماً كبيراً بالوقت ورأس المال السياسي. وسيتعين على جو بايدن أن يلعب دوراً صعباً مع حليف إسرائيلي متردد، وشريك فلسطيني غير فعَّال، ومجتمع دولي نافذ الصبر من أجل تكريس “حل الدولتين”.

طريق طويل ومتعرج

يعود تاريخ حل الدولتين إلى عام 1937 على أقل تقدير، عندما اقترحت لجنة بريطانية تقسيم أراضي الانتداب البريطاني في فلسطين إلى دولتين. وبعد عشر سنوات، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي اقترح دولتين لشعبين: واحدة عربية وأخرى يهودية (..).

أسباب عديدة حالت دون تنفيذ الفكرة، أهمها الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان في غزَّة والضفة الغربية بعد حرب 1967، وعدم احترام إسرائيل لشروط اتفاقية “أوسلو” (1993) (…). وباعتباري كنت عضواً في فريق التفاوض في عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون، أدركت أن أياً من الطرفين لم يكن مستعداً للتوصل إلى حل وسط بشأن أكثر المسأئل حساسية ألا وهي القدس و”حق العودة” للاجئين الفلسطينيين. والثمن كان صولات طويلة من الصراع أودت بحياة عشرات الآلاف من الجانبين ودمرت كل الآمال في المصالحة.

كل الإدارات الأميركية المتعاقبة، سعت إلى إحياء حل الدولتين دون جدوى، لعدم قدرتهم على منع الإسرائيليين من التمسك بقرار ضم الضفة والتوسع في الإستيطان دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين الذي تمسكوا بدورهم بحقهم في المقاومة (…).

حالة إنكار

عندما وصل بايدن إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير2021، كان العالم تقريباً قد تخلى عن “حل الدولتين”. وكان نتنياهو قد نجح في في إقناع الإسرائيليين بأنه ليس لديهم شريك فلسطيني للسلام (…)، وسعى بدلاً من ذلك إلى “إدارة” الصراع من خلال تثبيط السلطة الفلسطينية واستغلال حقيقة أن “حماس” تشاركه كراهيته لحل الدولتين. وفي الوقت نفسه، أطلق العنان لقضم أراضي الفلسطينيين والتوسع في حركة الاستيطان في الضفة بهدف فصلها كلياً وتكريس إستحالة أن تكون جزءاً من أي دولة فلسطينية محتملة في أي يوم من الأيام، وهذا ما أفقد الفلسطينيين الثقة في “حل الدولتين”. بعضهم عاد إلى خيار الكفاح المسلح، وآخرون بدأوا ينجذبون إلى فكرة الدولة ثُنائية القومية. وصارت “حماس” في الضفة تكتسب المزيد من الزخم كل يوم حتى طغت شعبيتها على قيادة السلطة الفلسطينية.

لسنوات عديدة، حذَّر دبلوماسيون أميركيون من أن هذا الوضع الراهن يجب أن لا يستمر، وأن انتفاضة فلسطينية ثالثة مرتقبة قريباً. لكن الفلسطينيين لم يكن لديهم استعداد لانتفاضة أخرى وفضلوا البقاء في أرضهم قدر استطاعتهم وانتظار خروج الإسرائيليين. وهذا كان مناسباً جداً لإدارة بايدن التي كانت مصممة من البداية على عدم بذل جهد يُذكر في الشرق الأوسط والتفرغ للصين وروسيا. فكل ما أرادته هذه الإدارة للمنطقة هو “الهدوء”. لذا، كلما كان التوتر يشتد بين الإسرائيليين والفلسطينيين كان الدبلوماسيون الأميركيون ينقضون للتهدئة، بدعم من مصر والأردن، اللتين لديهما مصلحة مشتركة في تجنب الانفجار.

وبايدن نفسه تشدَّق أكثر من مرة بـ”حل الدولتين”، لكن يبدو أنه لا، ولم يؤمن به يوماً. فقد أبقى على سياساته المحابية للمستوطنين التي انتهجها سلفه دونالد ترامب، ونكث بوعده الانتخابي بإعادة فتح قنصلية أميركية للفلسطينيين في القدس الشرقية (…).

الدول العربية أيضاً قررت التخلي عن القضية الفلسطينية. البعض منهم صار ينظر لإسرائيل كـ”حليف طبيعي” في مواجهة “محور المقاومة“، وقد تجسدت هذه الحسابات الاستراتيجية الجديدة في “اتفاقيات أبراهام” (…). ومن جملة ما سعى، ويسعى إليه بايدن هو توسيع “اتفاقات أبراهام”، ووجهة نظره تقول إنه يمكن للتطبيع بين إسرائيل والسعودية أن يكون بمثابة “مرساة” لدور “التوازن الخارجي” الأميركي.

وجد بايدن شريكاً مناسباً في ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الذي أكثر ما يهمه هو تحديث بلاده وتنويع اقتصادها، وأكثر ما يخيفه هو أن يستطيع تحقيق حلمه بسبب القدرات العسكرية المحدودة لبلاده. لذلك سعى إلى إبرام معاهدة دفاع مع واشنطن تشبه ما يقدمه حلف “الناتو” لأعضائه، وحجز صفقات شراء أسلحة أميركية حديثة ومتطورة بالإضافة إلى حق المملكة في امتلاك النووي (…). لم يهتم بن سلمان كثيراً بالفلسطينيين، ولم يكن مستعداً لربط صفقته بشرط “حل الدولتين”. ومع ذلك، خشيت إدارة بايدن من أن تجاوز الفلسطينيين قد يؤدي إلى انتفاضة، خاصة وأن نتنياهو شكَّل في عام 2022 حكومة ائتلافية يمنية متطرفة عازمة على ضم الضفة وإسقاط السلطة الفلسطينية. كما قدرت الإدارة أنها لا تستطيع تأمين الأصوات الديموقراطية اللازمة في مجلس الشيوخ لإبرام معاهدة دفاعية مع السعوديين الذين لا يتمتعون بشعبية كبيرة دون وجود مكوّن فلسطيني كبير في الصفقة. وبما أن السعوديين كانوا بحاجة إلى غطاء سياسي لصفقتهم مع إسرائيل، فقد وافقوا على اقتراح بايدن بفرض قيود كبيرة على النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، ونقل المزيد من الأراضي إلى  السيطرة الفلسطينية، واستئناف المساعدات السعودية للسلطة الفلسطينية.

بحلول أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت إسرائيل والسعودية وأميركا على وشك إعادة تنظيم المنطقة. بالطبع، نتنياهو لم يقبل بالعنصر الفلسطيني من الصفقة، وائتلافه رفض تقديم أية تنازلات بخصوص الاستيطان. ولو كانت أي انفراجة حدثت في هذه الصفقة، لأدت إلى تهميش الفلسطينيين مرة أخرى، ولكانت حكومة نتنياهو قد اكتسبت ثقة أكبر لتنفيذ استراتيجية ضم الضفة.

عقبة فقدان الثقة 

ولكن كل شيء انهار بعد “طوفان الأقصى”.

للوهلة الأولى، قد يكون من الصعب أن نرى لماذا قد يساعد ما حدث في إحياء حل الدولتين. من الصعب التعبير عن الصدمة التي عانى منها الإسرائيليون في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وأفقدتهم ما كلن لديهم من ثقة: الفشل التام للقدرات العسكرية والاستخباراتية التي تبجح بها الجيش الإسرائيلي لعقود طويلة، الضربة الموجعة التي حققتها عملية “طوفان الأقصى”، قضية الأسرى، تهجير سكان المستوطنات الحدودية في جنوب وشمال إسرائيل، صمود “حماس” في غزَّة وزيادة شعبيتها في الضفة (…).

ومن المفهوم أيضاً أن يتوصل معظم الفلسطينيين إلى نتيجة مماثلة فيما يتعلق بالإسرائيليين: فالحرب الإسرائيلية تسببت في استشهاد أكثر من 30 ألف فلسطيني وتدمير أكثر من 60% من المنازل في القطاع (حتى الآن)، وتشريد جميع سكان القطاع تقريباً البالغ عددهم 2.2 مليون شخص. وفي الضفة، يتفاقم الغضب بسبب هذه الحرب وأيضاً بسبب العنف المنهجي الذي يمارسه المستوطنون (…). بعض الفلسطينيين، وربما أغلبيتهم، يؤيدون فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة كحل يمكن أن ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويسمح لهم بالعيش بحرية وكرامة (وهذا هو الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية، في حين أن الموقف الرسمي لحكومة نتنياهو هو معارضة إنشاء دولة فلسطينية بشدة). ولكن قِلة من الفلسطينيين يعتقدون أن الإسرائيليين سيسمحون لهم بإقامة دولة قابلة للحياة وخالية من الاحتلال العسكري (…).

وحتى الآن لا يمكن وقف الحرب الدائرة على أرض غزة من دون تأسيس مسار جدير بالثقة نحو “حل الدولتين”. وهذا ما تصرُّ عليه الدول العربية، السعودية على وجه الخصوص، كشرط للمشاركة في تمكين السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار القطاع، كما هو الحال مع بقية المجتمع الدولي (…).

تتمثل الخطوة الأولى للفلسطينيين بتأسيس سلطة حكم ذات مصداقية في غزَّة لملء الفراغ الذي ستخلفه ازاحة “حماس”. هذه هي الفرصة المتاحة للسلطة الفلسطينية لتوسيع نفوذها وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني المنقسم. ولكن مع انخفاض مصداقيتها إلى نقطة متدنية، لا يمكن للسلطة أن تتحمل أن يُنظر إليها على أنها “مقاول” مأجور لدى إسرائيل، و”حارس أمني” للمصالح الإسرائيلية (…).

كذلك “السلطة” ليست في وضع يُسمح لها بتحمل مسؤولية الإدارة وحفظ الأمن في غزَّة (…). ويبدو أن واشنطن والدول العربية راضية عن استعداد “السلطة” للقيام بها. لكن الأمر يتطلب التعاون والدعم من جانب حكومة نتنياهو، التي تعارض بشدة أن يكون للسلطة أي دور في غزَّة، وترفض أي نقاش يتعلق بـ”اليوم التالي”.

عملية “إعداد السلطة الفلسطينية” قد تستغرق حوالي عام (تريب ونشر كوادر أمنية ومدنية في غزَّة، إضفاء الشرعية بقرار من مجلس الأمن الدولي، نشر قوة دولية لحفظ السلام بقيادة أميركة ومشاركة عربية). وحتى بدون المساهمة بقوات، سيكون للدول العربية دور حاسم تلعبه. فلمصر، مثلاً، مصلحة كبيرة في تأمين الاستقرار الذي من شأنه أن يلغي فكرة ترحيل فلسطيني غزَّة إلى أراضيها (…). والأردن أيضاً يتمتع بنفوذ في غزَّة، فقد أشرف على تدريب قوات الأمن الفلسطينية في الضفة ويمكنه أن يفعل الشيء نفسه في القطاع. ولدى دول الخليج الموارد اللازمة التي تجعلها قادرة على تولي مهمة إعادة البناء والإعمار وتمكين السلطة الفلسطينية. لكن أياً من هذه الأطراف لن يدفع أي “فاتورة” ما لم يتمكن أولاً من اقناع شعبه بأن ذلك ثمنه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية (…).

الصديق وقت الضيق

هناك بالطبع عائقان رئيسيان أمام مثل هذه الخطة، وهما طرفا الحرب: “حماس” لا تزال تحتفظ بمعاقلها في خان يونس ورفح.، ولا تزال تحتجز حوالي 130 رهينة تنوي استخدامهم كورقة مساومة. وكلما طال أمد القتال تزايدت الضغوط الداخلية على نتنياهو لحمله على الموافقة على وقف دائم لإطلاق النار مقابل إطلاق سراح بقية الرهائن، مما قد يؤدي إلى ترك جزء كبير من البنية التحتية وآليات السيطرة التابعة لـ”حماس” قائمة. ولتشكيل أي نظام ما بعد الحرب، لا بد من كسر نظام القيادة والسيطرة التابع لـ”حماس”، وهذه النتيجة ليست مضمونة على الإطلاق.

إقرأ على موقع 180  ماذا بقي من صورة المقاومة اللبنانية عند المصريين؟

على الجانب الآخر، يعتمد بقاء ائتلاف حكومة نتنياهو على التمسك بقرار رفض “حل الدولتين” ومنع “السلطة” من حكم غزَّة. وعلى الرغم من أن التكهنات منتشرة في إسرائيل بأن نتنياهو سوف يُطرد من منصبه قريباً، وأن الانتخابات المقبلة ستأتي بائتلاف وسطي معتدل إلى السلطة، إلا أن مهاراته في البقاء لا مثيل لها.

لكن بايدن يحتفظ بنفوذ كبير على نتنياهو. فمثلاً، الجيش الإسرائيلي لن يستطيع خوض حربين على جبهتين في وقت واحد (غزة وحزب الله) من دون الإعتماد الكلي على الإمداد العسكري الأميركي. لقد أنفقت إسرائيل كميات هائلة من العتاد في حربها الحالية، مما تطلب الكثير من المجهود الطارئ من قبل إدارة بايدن لتسريع عملية إعادة الإمدادات من دون موافقة الكونغرس. وهذا أثار استياء بعض الديموقراطيين الذين سيحتاجهم بايدن لدعم صفقة إسرائيلية سعودية. وإذا بقي نتنياهو مصراً على استئناف حربه في غزَّة، فسوف يتعين عليه إعادة تخزين ترسانته والاستعداد لحرب أكثر صعوبة بكثير مع حزب الله ستتطلب منه تأمين المزيد والمزيد من الموارد والامدادات العسكرية وغير العسكرية. وبايدن بالطبع لا يريد أن يبدو وكأنه يقوّض أمن إسرائيل. لكن يمكنه أن يتراجع عن قرارات معينة من خلال ربط الأمور بإجراءات بيروقراطية أو طلب موافقة الكونغرس. وقد يدفع ذلك الجيش الإسرائيلي إلى الضغط على نتنياهو للاستسلام (من قبل بيني غانتس، وغادي آيزنكوت، ويؤاف غالانت).

وقد بدأت هذه الديناميكية تظهر بالفعل. فقد نجحت إدارة بايدن في إقناع الجيش الإسرائيلي بإعادة تشكيل استراتيجيته وتكتيكاته (الحد من نطاق عملياته ضد “حماس” ومنعه من مواجهة حزب الله) والسماح بإدخال مساعدات إنسانية إلى غزَّة، وفتح ميناء أشدود الإسرائيلي. وغالانت أعلن دعمه لتولي السلطة الفلسطينية دوراً في غزَّة، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع نتنياهو.

 إسرائيل لم تعد قادرة على “الدفاع عن نفسها بنفسها.. وواشنطن أصبحت خط الدفاع الأول عنها

على المدى الطويل، سيظل الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الأميركي لإعادة بناء قوته الردعية، التي تلقت ضربة قوية في “طوفان الأقصى”. ويتجلى ذلك في اضطرار أميركا إلى نشر حاملتي طائرات حربية في البحر الأبيض المتوسط وغواصة تعمل بالطاقة النووية إلى المنطقة لردع إيران وحزب الله. قبل “طوفان الأقصى” كانت القدرات العسكرية الإسرائيلية وحدها بمثابة رادع كافٍ، لكن عندما قرَّرت واشنطن سحب إحدى مجموعات حاملات الطائرات (الشهر الماضي) اعترض الإسرائيليون وطلبوا إستمرار رسوها في مكانها (وفقاً للقناة 12 الإسرائيلية).

إن هذا الاعتماد التكتيكي والاستراتيجي الكبير على الأميركيين هو ظاهرة جديدة، ويشير إلى أن إسرائيل لم تعد قادرة على “الدفاع عن نفسها بنفسها”، وأن الولايات المتحدة أصبحت خط الدفاع الأول عنها. نتنياهو يبذل قُصارى جهده لتجاهل هذا الواقع، ولكن جيشه لا، ولن يستطيع تحمل التكاليف.

من ناحية أخرى، تواجه إسرائيل “تسونامي” من الانتقادات الدولية بسبب ما اقترفته آلتها العسكرية من مجازر بحق المدنيين الفلسطينيين. وبرغم المطالبات شبه العالمية بوقف إطلاق النار، وقفت واشنطن؛ مراراً وتكراراً، بجانب إسرائيل تحميها من الانتقاد الدولي وتدافع عن حقها في مواصلة الحرب. فهذا يخدم المصالح الأميركية أيضاً، لأن تدمير “حماس” يشكل شرطاً أساسياً لتأسيس النظام الذي تريده في غزَّة. لكن إسرائيل قد لا تضمن عدم تصويت واشنطن على قرارات فرض عقوبات دولية. إن كل هذا الاعتماد على واشنطن يجعل إسرائيل في عزلة سياسية وعرضة للنفوذ الأميركي.

حتى الآن، يستخدم نتنياهو رفضه العلني الصريح لـ”حل الدولتين” لدعم ائتلافه وكسب قاعدته (…). لكن ليس أمامه سوى الإذعان، فهو يعتمد على المجتمع الدولي لتمويل إعادة إعمار غزَّة (ستكلف حوالي 50 مليار دولار)، وبدون التفاهم مع بايدن بشأن “حل الدولتين”، ستتحمل إسرائيل وحدها مسؤولية غزَّة. وترك غزَّة في حالة خراب يعني عودة “حماس” إلى السلطة.

كذلك بإمكان بايدن تجاوز نتنياهو ومخاطبة الشعب الإسرائيلي مباشرة والتأثير فيه. لقد كان إلى جانبهم في أحلك لحظاتهم يوم زار إسرائيل بعد أيام قليلة فقط من عملية “طوفان الأقصى”. وهم يعرفون أنه يدافع عنهم، ويعمل من أجل تحرير أسراهم، ويرسل الإمدادات العسكرية لجيشهم، ويستخدم حق النقض ضد قرارات الأمم المتحدة التي تنتقد بلادهم. وعلى النقيض من ذلك، كانت مكانة نتنياهو لدى الجمهور الإسرائيلي عند أدنى مستوياتها، ولو أجريت انتخابات اليوم، فسوف يتم هزيمته (أكثر من 70% من الإسرائيليين يطالبون باستقالته. في الوقت نفسه، أكثر من 80% من الإسرائيليين يريدون قيادة أميركية للفترة ما بعد الحرب ويفضلون بايدن على ترامب- وهي المرة الأولى منذ عقود التي يفضل فيها الإسرائيليون مرشحاً ديموقراطياً).

ما الذي يجب على بايدن فعله؟

أفضل وقت لمخاطبة الشعب الإسرائيلي سيكون بعد أن ينجح بايدن في إتمام عملية تبادل أخرى للرهائن. بالطبع لن يكون الأمر عبارة عن “تسويق حل الدولتين”، فالإسرائيليون غير مستعدين بعد لتقبل الاقتراح. المهم توضيح ما تحاول أميركا فعله لـ”اليوم التالي” حتى لا يتكرر “طوفان الأقصى”، وأنه يحمل الأمل في سلام دائم بشرط أن تحذو الحكومة الإسرائيلية حذوه (…). على بايدن أن يكون واضحاً أمام الإسرائيليين: إما الاستمرار في الطريق المؤدي إلى حرب أبدية مع الفلسطينيين، أو القبول بخطة “اليوم التالي” الأميركية، وسيكافأون بالتطبيع مع السعودية وعلاقات أفضل مع العالمين العربي والإسلامي الأوسع. على بايدن أن يعرض خطته مباشرة على الجمهور الإسرائيلي بطريقة تحول انتباهه عن صدمة “طوفان الأقصى”.

لا شك أن رضوخ نتنياهو لبايدن يتعارض مع غرائزه السياسية. فسبيله الوحيد للبقاء في السلطة هو الحفاظ على ائتلافه مع القوميين المتطرفين، الذين يعارضون بشدة منح أي دور للسلطة الفلسطينية ويرفضون “حل الدولتين”. ومع ذلك، عندما يتم حشره في الزاوية سيستسلم لأميركا (كعادته).

بالطبع، بايدن يفضل تجنب المواجهة مع نتنياهو، لكن يبدو أن الأمر لا مفر منه (…). هنا يمكن للسعودية أن تمد يد المساعدة. لاتزال فرصة تطبيع العلاقات الإسرائيلية-السعودية قائمة. ومحمد بن سلمان لن يسمح لـ”حماس” بدفن خطته الطموحة لتنمية بلاده والتي تبلغ قيمتها تريليون دولار. كما أنه ليس سعيداً بالدفعة التي أعطتها الحرب لإيران وحلفائها في “محور المقاومة”. ولأن الصفقة التي تفاوض عليها مع بايدن تخدم المصالح الحيوية لمملكته، فإن بن سلمان سيمضي قدماً نحو التطبيع عندما تهدأ الأمور. وبما أن الرأي العام السعودي تجاه التطبيع اختلف كثيراً بعد “طوفان الأقصى” وصار أكثر عدائية لإسرائيل (كما هو الحال في مختلف أنحاء العالم العربي)، يستطيع بن سلمان حل هذه المشكلة بالإصرار على الشيء الذي كان غير مبالٍ به قبل “طوفان الأقصى”: حل الدولتين.

بايدن يفضل تجنب المواجهة مع نتنياهو، لكن يبدو أن ذلك أمر لا مفر منه..  ويمكن للسعودية أن تمد يد المساعدة

بعد حرب 1973، أسر الرئيس المصري أنور السادات مخيلة الإسرائيليين بزيارة مفاجئة إلى القدس. من غير المرجح أن يكون بن سلمان مغامراً، ولكن قد يتم إقناعه بالانضمام إلى بايدن في مناشدة الجمهور الإسرائيلي مباشرة من خلال مقابلة مع صحافي تلفزيوني إسرائيلي. ومن خلال العمل معاً، يمكن لبايدن وبن سلمان الإشارة إلى الدور السعودي والعرب السُنَّة في تعزيز حكم السلطة الفلسطينية في غزَّة و”حل الدولتين”(…).

سيواجه بايدن مشكلة أقل حدة ولكنها مماثلة عندما يتعلق الأمر بإقناع الفلسطينيين والقادة العرب، الذين ليس لديهم السبب الكافي للثقة في التزامه بإقامة دولة فلسطينية، خاصة وأنهم يعرفون أن فرصه في ولاية ثانية شبه معدومة. البعض اقترح أن أميركا يجب أن تعترف بالدولة الفلسطينية الآن، على أن يتم التفاوض على حدودها في وقت لاحق. ولكن لفتة كبرى من هذا النوع من شأنها أن تضع العربة أمام الحصان (…).

حان الوقت

ثمة طريقة أخرى لإظهار الالتزام الأميركي والدولي بـ”حل الدولتين”. فالأساس الذي تقوم عليه كل المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب هو القرار الدولي رقم 242، لكنه قرار لا يتطرق لقضية اللاجئين، ولا يذكر أياً من قضايا الوضع النهائي الأخرى، برغم أنه يشير بوضوح إلى “عدم جواز قضم الأراضي وضرورة الانسحاب لحدود 1967”.

يمكن لقرار جديد يُحدّث القرار 242 أن يكرّس التزام أميركا والمجتمع الدولي بـ”حل الدولتين” في القانون الدولي، والدعوة لدولتين لشعبين على أساس الاعتراف المتبادل وتجنب الإجراءات الأحادية ووقف الاستيطان ومنع أعمال التحريض والإرهاب. ومن الممكن أيضاً أن يدعو إلى مفاوضات مباشرة “في الوقت المناسب” لحل كافة القضايا العالقة وإنهاء الصراع. إذا قدمت واشنطن مثل هذا القرار، وأيدته السعودية ودول عربية أخرى، وتم إقراره بالإجماع، فلن يكون أمام إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية خيار سوى قبوله، تماما كما قبلتا القرار رقم 242.

غالباً، الحروب لا تنتهي إلا بعد أن يستنفد أطراف القتال أنفسهم. لايزال الإسرائيليون والفلسطينيون بعيدين كل البعد عن تلك النقطة، وكلاهما أقل استعداداً من أي وقت مضى لتقديم التنازلات المطلوبة لتحقيق العيش المشترك. ولكن تكاليف البديل أصبحت أيضاً هائلة أكثر من أي وقت مضى. ربما مع مرور الوقت ستدرك الأغلبية في كلا المجتمعين أن الطريقة الوحيدة لتأمين مستقبل أطفالهم هي الانفصال بدافع الاحترام بدلاً من الانخراط بدافع الكراهية. ربما، بعد انتهاء الحرب في غزَّة وتهدئة النفوس، سيبدأون في التفكير مرة أخرى حول كيفية التعايش المشترك بدلاً من تدمير الذات. وهناك بالفعل أسباب تدعو إلى الأمل. في الأثناء، يمكن للمجتمع الدولي أن يثبت إلتزامه بإقامة دولة فلسطينية عربية مستقلة تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل اليهودية في سلام وأمن. ففي النهاية، ستدرك أطراف الصراع وبقية العالم أن عقوداً من الدمار والإنكار والخداع لم تقتل “حل الدولتين”، بل جعلته أقوى.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز”.

(*) مارتن إنديك ، عضو في مجلس العلاقات الخارجية، حالياً، وسفير أميركا لدى إسرائيل سابقاً. كذلك عمل كمبعوث خاص للمفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية في إدارتي كلينتون وأوباما. له كتاب “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط“.

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الصراع الأميركي الإيراني: صفعة أم صفقة؟