“خبزٌ على طاولة الخال ميلاد”.. عبءُ الجندر في مجتمع محافظ!

"الرّجل يزرع ويحصد والمرأة تطبخ، الرّجل يبني ويُعمّر والمرأة تنظّف ما بناه، هذا هو الاتّفاق الضّمني بين الجنسين، وأي خلل يجب إصلاحه".

أثير الكثير من الجدل إثر فوز رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” بالجائزة العالميّة للرّواية العربيّة (البوكر)، وانتشر الحديث بين القرّاء والنّقاد وفي الأروقة الأدبيّة حول مدى استحقاقها للفوز بالجائزة الأولى للرّواية العربيّة، وقد يكون الموضوع الذّي تدور حوله هو أحد أهمّ أسباب إثارتها لهذا الجدل.

رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد”، هي الرواية الأولى للكاتب والصّحفي الليبي محمّد النّعاس، وهي الرواية الفائزة بالجائزة العالميّة للرواية العربيّة للعام 2022، ليكون ثاني أصغر كاتب يفوز بالجائزة بعد الكويتي سعود السّعنوسي عن روايته “ساق البامبو”.

تمتدّ الرّواية على 357 صفحة وهي صادرة عن دار مسكيلياني للنّشر عام 2021 وقد ساهم فوزها في انتشارها على مدى واسع وإصدارها في سبع طبعات على التّوالي. تتناول الرّواية موضوع الأدوار النّمطيّة للّرجل والمرأة، وتعريف الذّكورة والأنوثة.

الحكاية عبارة عن مونولوج يرويه البطل، كمناجاة نفسيّة يروي لنا فيها قصّة حياته، مُتنقلًا بين الحقيقي والمتخيّل من أحداث ساهمت في رسم معالم شخصيّته، في قصٍّ يتداخل بين الماضي والحاضر ويلتفّ بطريقة دائريّة، فيكون مشهد الرّواية الأخير استكمالًا للمشهد الذّي بدأت فيه، تُحكى بين المشهدين قصّة حياة الكاتب كما يراها، وتأثير النّاس المحيطين به على طريقة سيرها.

السّرد في الرّواية ليّن وانسيابي، حتّى في الاستطرادات الطّويلة نسبيًّا التّي يتحدّث فيها عن تفاصيل صنع الخبز، فالكاتب أراد لعلاقته بالخبز أن تحمل معنى رمزيًّا عميقًا يمتدّ خلال كل فصول روايته.

عنوان الرّواية مستوحى من المثل اللّيبي “عيلة وخالها ميلاد” في إشارة إلى الرّجل غير المسيطر على النّساء المحسوبات عليه، والكاتب يبدأ كلّ فصل من فصول روايته السّتة بمثل ليبي شعبي مع شرحه، وهذه الأمثال تتناول الجنسانيّة والتّنميط الجندري ونظرة المجتمع للأدوار المنوطة بكلّ من الرّجل والمرأة.

على الصّعيد الفنّي بدا الكاتب خلال العمل مُتمكّنًا من عمله؛ لغة الرّواية سلسة وسهلة جدًّا ومباشرة، وذلك يتناسب مع طبيعة شخصيّة ميلاد غير المعقّدة، باعتباره راويها وبطلها، وتتهادى أحداث الرواية بسهولة وحيويّة فيغوص القارئ في العمل ولا يشعر أنّ هذه رواية الكاتب الأولى، لكنّ الخاتمة كانت من الضّعف بحيث أضعفت العمل وتراجعت به فنيًّا.

يُضطّهد ميلاد ويعاني حتّى من قبل زوجته زينب التّي تقول له مرّة أنّها تشفق عليه؛ نرى أنّها وبرغم توقها للزّواج من رجل لطيف ومسالم مثله، عادت لتتأثّر بصورة المجتمع “البطريركي” نفسه الذّي ودّت لو تهرب منه، وفقدت احترامها لميلاد تدريجيًّا لأنّه لم ينجب الأطفال، ولأنّه غير منتج مادّيًّا

العمل يُضيء على نمط الحياة في ليبيا، ويُطلعنا على موروثات القرية اللّيبيّة، ويُعرّفنا على نمط عيش اللّيبيّين وبعض المصطلحات الآتية من لغتهم الدّارجة، ويُبيّن الصّفات المرغوب وجودها في الرّجل بالنّسبة للمجتمع اللّيبي. وبرغم أن الكتاب ليس سياسيًّا وأنّ إسقاطات الكاتب فرديّة والتجربة التّي يتناولها شديدة الخصوصيّة، يُضيء لنا على أوضاع البلاد العامّة؛ يصف ليبيا في زمن القائد “معمر القذّافي” وتوجّه البلاد السّياسي العام في عهده، وسعيه إلى توحيد سعر رغيف الخبز في ظلّ حكمه الجماهيري، وإلى تحويل الأجراء إلى شركاء، ويمرّ على زمن الاحتلال الإيطالي وتأثيراته؛ يحكي عن سرقة الإيطاليين للأراضي، وتأثّر النّاس بخبز الشّيباتا الإيطالي، والدّلالات الطبقيّة لبعض أنواع الخبز التّي كانت تباع للطّليان والطّبقة الرّاقية في المجتمع اللّيبيي.

ويخبرنا الكاتب أيضًا عن صعوبة الأوضاع الإقتصاديّة في تّسعينيّات القرن الماضي، وعن تغيّر الأوضاع الاجتماعيّة في الفترة الأخيرة وانتشار التّطرّف الديني. ويقوم بما يشبه المقارنة السّريعة بين طبيعة العيش في تونس المنفتحة مقارنة بليبيا، ويشير إلى اضطرار يهود طرابلس إلى النّزوح منها بعد تغيّر المزاج العامّ للبلاد.

تدور حبكة الرّواية حول ميلاد الذّي تُروى الأحداث من وجهة نظره، وهو بصوته كراوي يُسلّط الضّوء على باقي الشّخصيّات كما يراها، ما يجعل علاقتنا معها محدودة وسطحيّة وأحاديّة النّظرة.

ميلاد خبّاز وشاب وحيد على أربع فتيات، يعاني كثيرًا خلال حياته ليكون رجلًا حقيقيًّا، ويتعرّض للكثير من التّقريع من والده في طفولته، يصفعه في صغره لاقترابه من أخواته البنات ومشاركته أحاديثهن واهتماماتهن، لتحنية أصابعه معهّن ومجالستهنّ لقراءة الفنجان، وفي المعسكر حيث يقوم بالخدمة العسكريّة يتعرّض للضّرب العنيف والمستمرّ والإهانة من قبل رئيسه “المادونا” لأنّه ليس صلبًا وخشنًا بما فيه الكفاية، ويمرّ بظروف سيئة جدًّا ويخرج من المعكسر إثر إصابته المتكرّرة فيه.

يُخبرنا ميلاد عن قصّة حبّه لزينب والتّي تنتهي بزواجه منها، من دون أن يتكلّل هذا الزّواج بالإنجاب، وكيف تنقلب الأدوار بعد الزّواج، فيصبح هو مدبّر المنزل بينما تكون زوجته الطّرف العامل الذّي يتكفّل بمصروف المنزل. علاقة الحبّ التّي تربط ميلاد بزينب شائكة، تبدأ مع لطفه وودّه، وإعداده الطّعام لها، يسمح لها بلبس ما يحلو لها ولا يتسلّط عليها، يغسل ثيابها ويعتني بها ويهتمّ بنظافة المنزل والطّبخ ومتطلّبات الحياة اليوميّة ويسمع لها، ولكنّه في المقابل لا يحصل منها على ما أراده، لم يرد ميلاد إلّا امرأة تحبّه وتهتمّ به وتعطف عليه.

إقرأ على موقع 180  ديفيد هيل يتلو البيان رقم 1 من بعبدا: الحراك خط أحمر

ميلاد أيضًا يعيش صراعًا نفسيًّا حول السبب الرّئيسي لزواجه من زينب، حيث يركن شعور عميق في نفسه أنّه تزوّجها ليُخفّف من وطأة شعوره بالذّنب لأنّه أفقدها عذريّتها، وبعد الزّواج يشعر ميلاد دائمًا أنّها تزّوجته فقط ليكون مطيتها لتعيش الحياة التّي ترغب بها.

يُضطّهد ميلاد ويعاني حتّى من قبل زوجته التّي تقول له مرّة أنّها تشفق عليه؛ نرى أنّها وبرغم توقها للزّواج من رجل لطيف ومسالم مثله، عادت لتتأثّر بصورة المجتمع “البطريركي” نفسه الذّي ودّت لو تهرب منه، وفقدت احترامها لميلاد تدريجيًّا لأنّه لم ينجب الأطفال، ولأنّه غير منتج مادّيًّا.

 يتعرّف ميلاد على زميلة زوجته في العمل “المدام”، وتطلب منه الأخيرة تعليمها الخبز ومهارات الحياة، وهنا يعيش ميلاد صراعًا جديدًا بين حبّه لزوجته وعلاقته المتدهورة بها، وبين علاقته بـ”المدام” القائمة على اهتمامها به، وفضولها للتّعرف عليه والاكتساب منه.

وفي الرّواية يظهر ابن عمّ ميلاد “عبسي” كشخصيّة رئيسيّة، وهو نقيضه، رجل ذكوريّ زقاقي غير لطيف، يستخدم ميلاد لتدبير مختلف شؤون حياته، ويحاول التّأثير عليه وتعليمه كيف يفرض هيمنته على النّساء اللواتي يُحيطن به.

كلّ الظّروف المحيطة بميلاد تُعرّضه للضّغط النّفسي الذّي يصل به إلى حد محاولة الانتحار. وبعد ضغط ابن عمّه عليه، وتأكّد شكوكه حول خيانة زوجته له، تنتهي الأحداث باقدام ميلاد على ذبح زينب بطريقة دراميّة وبشعة.

قد تكون الجائزة باهظة على الرّواية حقًّا، وقد يكون اختيارها تأثّر بالتّطلعات العامّة والتوّجهات الرّائجة، لكنّها على العموم رواية جيّدة جدًّا، وهي بالطّبع تستحقّ الضّجة التّي أثيرت حولها، وتستحقّ القراءة

يرد في الرّواية قول عاملة جنس لميلاد إنّها ترغب في استبدال كلّ حياتها برجل لطيف مثله، ويُكوّن القارئ أيضًا فكرة مماثلة عن لطف ميلاد، فيتعلّق بشخصيّته، ويراه شخصًا لطيفًا ويتحيّز له، ويشعر أنّ محيطه عاب عليه طيبة قلبه وتهذيبه وقدرته على الاهتمام بالآخرين، وعدم تسلّطه على نساء عائلته، وبرغم وصم والده له بـ”المخنّث” و”المائع”، لا يَظهر للقارئ أنّ عموم سلوك ميلاد ينسجم مع ذلك. لذلك قد يشعر مع نهاية الرّواية أنّه اقترب من ميلاد أكثر من الكاتب نفسه، وقد يجد نهاية الرّواية غير منطقيّة أو متناسبة مع مسار الأحداث، برغم أن هذا التّطور الصّادم والمبالغ فيه قد يكون مبرّرًا كانعطافة قاسية ومشبعة دراميًّا تتماشى مع الضّغط الذّي تعرّضت لها شخصيّة ميلاد خلال العمل.

الجلبة التّي أحاطت بالرّواية مفهومة، وتباين الآراء بشأنها أمر متوقّع جدًّا وبديهي لأكثر من عامل، كموضوعها وأسلوبها الفنّي ونهايتها، أما أبرز التّباينات فتتصل بموضوعها، ففي حين وجدت شريحة كبيرة من القرّاء أنّه بحدّ ذاته أتفه من أن يعالج، رآه آخرون ثوريًّا ومتمرّدًا واستثنائيًّا، واعتبروا إثارته ضرورة لإحداث صدمة وتجديد محبّذ في المكتبة العربيّة، وفي حين اعتبر البعض أنّ في الرّواية ما يروّج للانحلال الأخلاقي وأنّها تحتوي على بذاءة ومشاهد فاضحة غير ضروريّة، رأى آخرون أنّ على الأدب أن يُعرّي الحياة، وأنّ الطّبيعي لعمل يتحدّث عن الجنسانيّة أن يتناول العلاقة بين الجنسين بكافّة صورها.

نهاية الرّواية وبرغم إجماع الكثير من النّقاد على عدم توازنها مع سياق الأحداث من النّاحية الفنيّة، إلا أنّها بطريقة أو بأخرى تُشكّل سؤالًا مفتوحًا وجّهه الكاتب للقارئ ليتفاعل إيجابيًّا مع العمل، والأخير بالطّبع سيبني جوابه انطلاقًا من سلّمه القيمي وقناعاته، فهل تستطيع الجماعاتيّة دهس الفردانيّة في نهاية المطاف؟ وهل ذلك يؤكّد انتصار القوالب النّمطيّة للأدوار الجنسانيّة؟ أمّ أنّ مأساويّة النّهاية تسجّل في دفاتر محاججات السّجل النّسوي وتؤكّد ضرورة التّخلّص من عبء الأدوار داخل المجتمعات المحافظة؟

ختامًا، رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” من الرّوايات التّي سبّبت جدلًا عند وصولها للقائمة القصيرة للجائزة العالميّة للرّواية العربيّة، وازداد الجدل فور إعلان فوزها بها.

قد تكون الجائزة باهظة على الرّواية حقًّا، وقد يكون اختيارها تأثّر بالتّطلعات العامّة والتوّجهات الرّائجة، لكنّها على العموم رواية جيّدة جدًّا، وهي بالطّبع تستحقّ الضّجة التّي أثيرت حولها، وتستحقّ القراءة لأنّها تمنح قارئها تجربة ممتعة وفريدة إلى حدّ كبير.

Print Friendly, PDF & Email
حوراء دهيني

كاتبة لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  عام بعد سليماني: المبادرة المفقودة