أمريكا إلى “النموذج الإيرلندي” أم.. الحرب الأهلية؟

تكثر في هذه الأيام في عديد مواقع التأثير والنفوذ الكتابة والتفكير عن مستقبل العالم. بعض ما يتردد من أفكار واجتهادات يُنشر أو يُسرّب يعكس حالة أقرب ما تكون إلى الحالة السابقة مباشرة للمراحل الثورية التاريخية؛ مراحل وقعت فيها تحولات جذرية في منظومات فكرية وعقائد دينية وسياسية واجتماعية؛ مراحل شهدت كثرة في مظاهر ومؤشرات وبوادر انحدار أو صعود امبراطوريات وقوى عظمى، ومنظومات فكرية - سياسية واجتماعية رسخت لعقود أو قرون، وعقائد دينية انتسب أو ينتسب إليها ملايين أو بلايين البشر، شهدت أيضاً موجات هجرة كثيفة من أقاليم إلى أخرى حاملة معها شذرات أو كتل من المفاهيم والممارسات المختلفة في الجوهر والمظهر عن السائد في الأقاليم المستقبلة للهجرات، حاملة أيضاً مزيجاً قلقاً من خيبات أمل عميقة وأحلام صعبة المنال.

أشهدُ بأن هذه الظاهرة، وأقصد “الحالة الثورية” أو “الحالة ما قبل الثورية” الراهنة في عالم اليوم، صارت تعكس نفسها في كثير من سلوكيات وكتابات وخطب مسئولين ومفكرين لهم قيمتهم ومكانتهم في مجتمعاتهم، وبالتالي تؤثر مباشرة وبعمق في معتقدات شعوبهم وسلوكياتها. أخص بالمثال مجموعة مؤشرات راهنة للتغيير القادم، أو المحتمل، في أربع حالات: الأمريكية، الإسرائيلية، الأوروبية والدينية إن صحّ التعبير في ضوء شهادة لافتة للنظر والاهتمام صادرة عن، أو باسم، بابا الفاتيكان. كلها معاً بالإضافة إلى مؤشرات أخرى لحالة في الهند وحالات من نوع مختلف في الأكوادور وهاييتي وميانمار وحالات عربية في أربع أو خمس دول على الأقل، أقول كلها معاً ترسم خريطة تؤذن بمستقبل عنيف ومحفوف بمخاطر جمة على الصعيد العالمي في المرحلة المقبلة.

على كل حال تختص هذه المقالة الموجزة بأهم هذه الحالات، أي الحالة الأميركية، على الأقل في اللحظة الراهنة، باعتبار أن التطورات في كل مكان تحدث بسرعة فائقة وبغير نظام.

***

يقول ريتشارد هاس إنه لا يستبعد أن تحدث في الولايات المتحدة حالة من العنف المستدام على نمط الحالة الإيرلندية

الحالة الأمريكية:

حالة أراقبها عن كثب منذ مدة غير قصيرة، ولعلها أهم الحالات باعتبار مكانة أمريكا كقطب أعظم في نظام دولي لا يزال يحمل صفة أو عنوان نظام أحادي القطبية. لفت نظري إليها في بداية الأمر، وأقصد ببداية الأمر المرحلة التي انفردت فيها أمريكا بالقمة الدولية، درجة من انحناءة تُلمّح ـ لو استمرت أو تزايدت ـ إلى احتمال دخول أمريكا في مرحلة انحدار في القوة الكلية كما في المكانة، بالترافق مع صعود متدرج ولكن حثيث من جانب الصين.

أعتقد، مستنداً إلى وقائع بعينها، أن الانحدار حدث. صار واقعاً في السياسة الدولية ولم يعد مجرد احتمال، ومع الوقت وفي ظل تطورات عديدة صار أمراً مقلقاً وتهديداً حقيقياً لمستقبل الولايات المتحدة. لم يعد سراً أو خبراً مكتوماً أن هواجس عدة أصبحت تُخيّم على أجواء العمل السياسي. من أهم هذه الهواجس وبخاصة تلك التي كشف عنها بوضوح كبير وبقلق بالغ الحديث المتكرر عن احتمالات نشوب حرب أهلية في زمن قريب في الولايات المتحدة. قيل لي من رفاق أمريكيين لهم قيمتهم في منظومة العصف الفكري، أن الحديث عن حرب أهلية في أمريكا مبعثه الاستقطاب السياسي المتزايد داخل المجتمع الأمريكي من ناحية والزيادة الكبيرة في هيمنة الميول القومية المتطرفة داخل قطاع السكان البيض ضد المهاجرين والأقليات الأخرى من ناحية ثانية. هذه الميول استجاب لها قادة سياسيون وقيادات في الحزبين الحاكمين مثل دونالد ترامب وجو بايدن اللذان رفعا شعارات من نوع “استعادة أمريكا قوية مرة أخرى”.

***

اختلف المحللون على توصيف وليس على تشخيص مستقبل أمريكا. هناك أكثرية وبخاصة في صفوف الإعلاميين وعلماء السياسة تعتقد أن القادم حرب أهلية. من هؤلاء باربرا والتر عالمة السياسة التي أعلنت أن الحرب الأهلية قادمة لا محال والأسباب في نظرها عديدة وواضحة وأهمها أن النظام القائم بوضعه الحالي غير قابل للإصلاح. هناك على الجانب الآخر من يرفض احتمال نشوب الحرب ولكنه لم يستبعد نشوب حالة من العنف قابلة للاستدامة، وعلى رأس هذا النفر من المحللين ريتشارد هاس رئيس المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية.

***

يقول ريتشارد هاس ما معناه إنه لا يستبعد أن تحدث في الولايات المتحدة حالة من العنف المستدام على نمط الحالة الإيرلندية. من مؤشرات هذه الحالة المستدامة من العنف ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ أحداث العنف ضد المدارس والأسواق التجارية والزيادة الملحوظة في اتجاهات التطرف القومي ضد المهاجرين اللاتينيين والابتعاد الواضح عن التمسك بقيم الديموقراطية والحقوق والحريات، وهو ما كشفت عنه عملية غزو الكابيتول، مقر السلطة التشريعية احتجاجاً على عدم فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الماضية.

هنا لا بد أن نتذكر جزءاً من خطاب انتخابي ألقاه المرشح الرئاسي في الانتخابات القادمة دونالد ترامب بلسانه وليس نقلاً عنه، تعمد فيه أن يصف شعوب أمريكا اللاتينية بأنهم “ليسوا بشراً”، وهو جزء من خطاب حظي بتصفيق شديد وتداولته بالتعليقات والاهتمام معظم أجهزة الإعلام في العالم.

***

باربرا والتر: الحرب الأهلية قادمة لا محال والأسباب عديدة وأهمها أن النظام القائم بوضعه الحالي غير قابل للإصلاح

لم أذكر أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في تقرير حديث لها كانت قد تنبأت بأن الانتخابات الرئاسية التي ستجري هذا العام قد تشهد، أو تسفر، عن عنف محتمل. المدهش في الأمر أن الرئيس السابق ترامب هدّد في خطاب انتخابي قبل أيام قليلة بأن حماماً من الدم سوف يقع في حال لم يفز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني القادم. وبالفعل، ففي كثير من التصريحات والتعليقات الصحفية الأمريكية التي أيّدت نفس الاحتمال أو تصدت له وردت الإشارة إلى أن الاحتمال كبير أن لا تعود أمريكا إلى نظامها الديموقراطي بعد انتخابات هذا العام. الأغلب أنها ستعود بنظام استبدادي ومتطرف قومياً وعنصرياً.

إقرأ على موقع 180  بايدن يريد تسوية مع روسيا.. وزيلينسكي يقترح فرساي   

***

وسط هذه المواقف ظهر موقف هو الأشد تشاؤماً. إذ أعلن أفراد عن نظرية سياسية جديدة تجد مؤيدين غير قليلين، وتدعو هذه النظرية إلى ضرورة “تسريع” عملية الانحدار للوصول بالسرعة الممكنة وفي أقصر وقت ممكن إلى محطة النهاية، أي إلى المصير المحتوم، وحينها يبدأ التغيير وإلا ستبقى أمريكا في هذا الوضع من العنف الداخلي والتخبط والخضوع لما يسمى ابتزاز المهاجرين والدول الحليفة في أوروبا وغيرها كإسرائيل وتايوان للحصول على الدعم المالي والعسكري الأمريكي برغم الظروف الصعبة التي يمر فيها الإقتصاد الأمريكي.

***

أمريكا قطب أعظم. انحدرت مكانتها وتراجعت الثقة فيها وبخاصة في الآونة الأخيرة نتيجة تخبط سياستها الخارجية وارتباكها. لكنها تبقى إلى حين لا نعلم مداه قطباً أعظم له دوره في صنع السلم كما له دوره في تخريب الأمن وفي إبادة شعوب كما هو حادث الآن مع شعب فلسطين في غزة. نعيب عليها انزلاقها وراء إسرائيل، وهو الانزلاق الذي كشف عن مدى الضعف الذي تسرب بالفعل إلى قلب وأحشاء القطب الأعظم الذي كثيراً ما عشنا معه أحلام الحرية وقدسية الحقوق ومنها حق تقرير المصير فتخلى عنها، أو لعله هو نفسه يستعد ليتخلى عن نفسه بتخليه عنها.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إغتيال العاروري، هروبٌ من مأزق غزة.. أي إنعكاس على جبهة لبنان؟