عندما رنّ جرس “السفير” فأصبح مستحيل طلال سلمان.. حقيقة

صار العدد الأول من "السفير" جاهزاً للطبع. أركان أسرة "السفير" انتقلوا، في فجر السادس والعشرين من آذار/مارس 1974، إلى "مطبعة صنين" حتى يكونوا شهوداً على المولود الجديد أو "فرحة العمر"، كما يحلو لطلال سلمان أن يقول عن العدد الأول. كبس عامل المطبعة الزر ورن جرس المطبعة بالفعل حتى لا يقترب منها العمال عند بدء الطبع، لكن المطبعة تعطلت في هذه اللحظة!

قصة “كبسة الزر” يرويها مؤسس “السفير” طلال سلمان في الفيلم الوثائقي الذي يحمل عنوان “على الطريق”، للمخرج محمود حجيج، وتم عرضه للمرة الأولى قبل 15 سنة، لمناسبة اختيار سلمان “شخصية العام الاعلامية” ضمن جوائز الصحافة العربية لعام 2008 في ختام منتدى الاعلام العربي الثامن.

“كبسة الزر” تكرّرت تلك الليلة أكثر من مرة، وبعدما احتشد الموزعون ومواكبهم التي ستحمل الجريدة إلى أربع جهات لبنان، وكان كثيرون ينتظرون وصولها إثر حملة اعلانية كبيرة سبقت الصدور، كبس عامل المطبعة الزر فرن الجرس واشتغلت المطبعة وصدر العدد الأول من “السفير”، لترتسم ملامح أول دمعة من عيني طلال سلمان، كما يقول رفيق دربه ياسر نعمة.

يقول المفكر اللبناني الراحل منح الصلح في الفيلم الوثائقي “ثمة صنف من الناس هم أصحاب الحلم الواحد وأحد هؤلاء هو طلال سلمان.. وحلمه الأوحد الذي تحقق هو صدور “السفير”، الجريدة التي صار من بعدها يقيس كل صحافي نفسه بصرامة التجرية الجديدة حتى أن صحيفة “النهار” قبل “السفير” كانت شيئاً وبعده صارت شيئاً آخر، بفضل تحدي صدور السفير”، يقول الصلح.

الشاب الأسمر البشرة، الممشوق القامة، ابن الدركي البقاعي الذي نزل من البقاع (شمسطار) إلى بيروت وراح يحاول مساعدة والده المسؤول عن عائلة كبيرة، كان في إحدى المرات يمر من أمام “مطعم فاروق” في ساحة الشهداء بوسط بيروت، وكان يشاهد الزبائن، وبينهم صحافيون ومثقفون يشترون الفول والحمص والبيض المسلوق، وهو الذي لا يحمل في جيبه ما يعينه على شراء أي من هذه الصحون؛ هذا الشاب عندما نال أول راتب في “الحوادث” يوم اشتغل فيها بطلب من رئيس تحريرها سليم اللوزي، حمل الليرات الجميلة ونزل إلى “مطعم فاروق” وصرخ بأحد العمال “شو عندك فول وبيض مسلوق.. بدك تلحقني فيهم”.. وأكل في ذلك اليوم حتى الثمالة.

قال له سليم اللوزي “بدك تبلش شغل من أول السلم”. وبالفعل بدأ مصححاً ومدققاً لغوياً في مجلة “الحوادث” وراح ينتقل من قسم إلى آخر (زاوية بريد القراء وصولاً إلى المطبعة)، وهذه التجربة هي التي صقلت هويته المهنية، كما يقول طلال سلمان في وثائقي محمود حجيج.

وعلى وقع أغاني أم كلثوم التي كان طلال سلمان من عشاقها كما باقي مجايليها من رموز الحقبة المصرية الجميلة، كان الوثائقي ينتقل بنا من حقبة إلى ثانية وثالثة، وطلال سلمان لا يغادر الكرسي الذي تحول إلى جلسة لمحاكاة ومحاكمة تجربته، وهو ما لمسناه بالاستفاضة في الحديث عن دور ليبيا معمر القذافي في تمويل مشروع “السفير”، قبل أن تتخذ العلاقة بين الصحيفة والنظام الليبي بعداً مختلفاً في مرحلة لاحقة.

كان من الواضح أن معمر القذافي المسحور بتجربة جمال عبد الناصر، يريد أن يقلّدها على طريقته، وأحد وجوهها علاقة عبد الناصر بالصحافة العربية ولا سيما منها اللبنانية، لكن من يستمع إلى طلال سلمان يُدرك الفارق بين قامة عبد الناصر وكل من حاولوا تقليده.. وفشلوا.

ومن أجمل مقاطع الفيلم تلك التي يروي فيها طلال سلمان كيف تعرف على جمال عبد الناصر عندما اصطحبه سليم اللوزي برفقة زملاء آخرين بينهم شفيق الحوت لالقاء التحية على عبد الناصر، يوم زار دمشق، في زمن الوحدة، وبالفعل ما أن صافح طلال سلمان الزعيم المصري حتى بادر عبد الناصر إلى سؤاله “إزاي شطحاتك يا طلال”، في إشارة إلى الزاوية التي كان طلال يكتبها في “الحوادث”، ويقول سلمان “عندها شعرت أن طولي صار أكثر من مائة متر”، لحظة تيقن أن الزعيم العربي الذي كان يُجسّد كل أحلام جيله ويتمنى كل إنسان عربي أن يصافحه، كان يقرأ زاويته اليومية.

يقول المفكر اللبناني الراحل منح الصلح في الفيلم الوثائقي “ثمة صنف من الناس هم أصحاب الحلم الواحد وأحد هؤلاء هو طلال سلمان.. وحلمه الأوحد الذي تحقق هو صدور “السفير”، الجريدة التي صار من بعدها يقيس كل صحافي نفسه بصرامة التجرية الجديدة حتى أن صحيفة “النهار” قبل “السفير” كانت شيئاً وبعده صارت شيئاً آخر، بفضل تحدي صدور السفير”

يتدرج الوثائقي بطريقة سلسلة وتمثيلية أحياناً ليعرض مسيرة طلال سلمان و”السفير”، ونلتقط مشاهد لأحفاد طلال (روى، ألما، ورد، كندى وطلال)، في إشارة إلى الجيل “السفيري” الجديد.

هذا الوثائقي عُرِضَ في “ملتقى السفير” في مبنى جريدة “السفير” الذي ازدان أمس (الثلاثاء) بالبرتقالي يضيء جنباته وجدرانه وبحشد من محبي “السفير” وطلال سلمان، لمناسبة الذكرى الخمسين لصدور العدد الأول من جريدة “السفير” في 26 آذار/مارس 1974، وذلك بعنوان “طلال سلمان.. الحلم على حافة المستحيل”.

شارك في التحية ـ اللقاء حشد اعلامي وثقافي واجتماعي، يتقدمه وزير الاعلام زياد مكاري واللواء عباس ابراهيم وعدد من رؤساء تحرير الصحف اللبنانية وممثلون عن نقابة المحررين والعديد من المؤسسات والمنابر الإعلامية، فضلاً عن أسرة مؤسس “السفير” طلال سلمان (زوجته عفاف ـ أم أحمد، وأولاده هنادي، ربيعة، أحمد وعلي؛ وشقيقا مؤسس “السفير” فيصل وعصام سلمان)، فضلاً عن أصدقاء “السفير”، وبينهم كامل مهنا وغسان عيّاش وغازي وزني وجورج غانم وجورج سمعان ووليد شقير ومحمد شقير ونصري الصايغ ومحمد بكري وغسان صفي الدين ورهيف فياض وسركيس أبو زيد ووداد حلواني وسيلفانا اللقيس وعبد الكريم الشعار ونبيه الخطيب وغيرهم العشرات من محبي “السفير”.

إقرأ على موقع 180  عزل ترامب: فيلم أميركي طويل!

في البداية كانت فلسطين، كما كتبها طلال سلمان وآمن بها وأحبها، بكلماته وبصوته، وعلى امتداد حياته، هي بداية اللقاء وبدا فيها كمن يتحدث عن نفسه بنفسه:

“شحب الضوء، وابتلع النسيان أيّام التوهّج، لكن الوجدان يقظ، والذاكرة حيّة بعد، لان صدى “صوت الذين لا صوت لهم” ما زال يتردد في وجدان الناس الذين شكلت لهم تحية الصباح وخط السير إلى الحقيقة لثلاث وأربعين سنة. لا حزن، لا وجع على الفراق، لا لوعة ولا أسى: لقد أنجزت المهمة بقدر الامكان، والطريق واضحة لمن يريد اكمال الرسالة. لم تكن مغامرة طائشة. كانت محاولة جادة، وبالاعتماد على كفاءات مهنية وطموحات جيل جديد من اصحاب الافكار المتحمسة للتغيير، ولمواجهة الناس بالحقيقة لإسقاط الحصانة عن “الكبار” الذين يجتهدون في حبس “الرعايا” في الماضي. هذه تحية لحياة “السفير” التي امتدت في قلب الصعوبة حتى اليوم الأول من سنة 2017، ثم أغلقت أبوابها بعددها الأخير، مودعة جمهورها الذي وقف معها وساندها ودعمها في مواجهة الظلم والظلام ومحاكمات الافتراء”.

وبعد كلمة باسم “السفير” (ألقتها ربيعة سلمان)، عُرض فيلم للمخرج محمود حجيج صورّه في العام 2009، مع طلال سلمان وعنه، ولم يعرض من قبل، ويتناول سبع محطات في مسيرة طلال سلمان.

في كلمتها باسم “السفير”، قالت ربيعة سلمان “نجتمع اليوم لنحتفل بطلال سلمان للمرة الأولى بعدما غادرنا، ولتكن هذه السنة سنته وهو المؤسس والراعي والأستاذ في مسيرة جريدة صوت الذين لا صوت لهم”، وختمت بكلمات للشاعر محمود درويش يقول فيها:

خسرتُ حُلماً جميلاً/ خسرتُ لسع الزنابقْ/ وكان ليلي طويلا/ على سياج الحدائقْ/ ما خسرتُ السبيلا.

“رن الجرس”. العبارة الجميلة التي يُرددها طلال سلمان، تذكرناها عندما قرر “يطفي اللمبة” في مطلع العام 2017، ليكون ذلك التاريخ محطة فاصلة في تاريخ الصحافة العربية، مع صدور العدد الأخير من “السفير”، “جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”.

***

تم الإعلان عن مجموعة من الإضافات التي أنجزت لمناسبة خمسينية “السفير”، ومنها إعادة نشر المجموعة الكاملة لكتب طلال سلمان بصيغة رقمية، بالشراكة مع دار “نيل وفرات”، لإتاحة الفرصة أمام توزيعها عبر الإنترنت إلى كل من يرغب بقراءتها: 

https://talalsalman.com/category/كتبه/

بالإضافة إلى العمل على إصدار كتاب “كتابة على جدار الصحافة” بصيغة صوتية، وهو كتاب يتضمن بعض ذكريات طلال سلمان خلال نشأته ودخوله إلى عالم الصحافة حتى إصدار جريدة “السفير”. 

ونظراً لشغف طلال سلمان ورغبته الدائمة في البحث عن المواهب الناشئة أو تلك المخفية، وتشجيعها على الانخراط في الإنتاج والتعبير، أطلقت أسرة طلال سلمان دعوة إلى جميع الراغبين من كُتّاب وصحافيين ورسامين ومصورين ومخرجين من الشبان إلى إرسال أعمالهم على البريد الإلكتروني [email protected]، ليتم نشر أفضلها على موقع talalsalman.com

وبعدها تم الإعلان عن الحلّة الجديدة للموقع الإلكتروني “talalsalman.com“، وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي:  

Facebook: https://www.facebook.com/talalsalmanofficial

Instagram: https://www.instagram.com/talalsalmanofficial

Twitter: https://twitter.com/talalsalman

Tiktok: https://www.tiktok.com/@talalsalmanofficial

Youtube: https://www.youtube.com/@talalsalmanofficial

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ترسيم الحدود البحرية اللبنانية.. أسير النزاع التركي القبرصي (2/1)