جنبلاط في القاهرة: قلق لن يبدده إلا نصرالله

Avatar18020/09/2019
إستقبال مصري حافل لوليد جنبلاط في العاصمة المصرية. القاهرة حريصة على أمن لبنان واستقراره. المخابرات المصرية لا تبخل بمعلومة إذا كانت تتعلق بأمن وليد جنبلاط، خصوصا مع إرتفاع منسوب قلقه في هذه الأيام.

وليد جنبلاط قلق. الخبر ليس جديدا. القلق سمة شخصية وسمة زعامة وطائفة. مآل جنبلاطي متصل بالجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ. لحظة الخروج من المتصرفية إلى لبنان الكبير، فتحت أبواب المجهول. هل يمكن العودة إلى زمن الطوائف المؤسسة أو إلى ما هو أقل؟

منذ إنتقال زعامة جبل لبنان الجنوبي من كمال جنبلاط إلى وليد جنبلاط، أتقن الأخير الرقص على حبال التوازنات الداخلية والخارجية. وضع يده بيد من قال إنهم “قتلة والده”. ربع قرن من الزمن، إحتل معها لقب “الرئيس الرابع” في المعادلة الداخلية، ولو من دون أي منصب رئاسي، ودائما ببركة حامية شامية للجنبلاطية، على رأسها حكمت الشهابي، وحضانة حامية سورية في لبنان، كان خط العلاقة معها، يتحرك نزولا وصعودا، تبعا لإعتبارات متعددة.

عندما توفي سلطان باشا الأطرش في ربيع العام 1982، توجه جنبلاط إلى جبل العرب على رأس وفد ضم الآلاف من أبناء الطائفة الدرزية في لبنان. في بلدة القريا، ومن على شرفة دارة الأطرش، وقف وريث كمال جنبلاط ورشاش الكلاشينكوف بيده وراح يطلق النار تكريما لسلطان الأطرش. إعتقد منصور الأطرش أن وليد جنبلاط يبكي بينما كانت الأمطار تغسل وجوه كل الحاضرين ممن تجاوزوا النصف مليون نسمة، وبينهم الرئيس الراحل حافظ الأسد. قال الأطرش لجنبلاط: “انت ما بتبكي. نحنا منبكي عنك. خلي راسك مرفوع لفوق. انت ابن عامود السما”.

منذ واقعة قبرشمون وقبلها معمل آل فتوش، لا خرق جديا في العلاقة بين جنبلاط وحزب الله. مساعي التقريب بينهما حاليا قد تنتج مقاربة “على القطعة”. لم يبق من نصير لجنبلاط إلا نبيه بري.. لا يكفي ذلك، ولا يبدد قلقا متأصلاً. إلى مصر در.

لحظة إحتلال الأميركيين للعراق في العام 2003، هي لحظة مفصلية. قرر الزعيم الدرزي أن يرتدي عباءة السيادة، فكان خطابه مكملا لنداء بكركي وممهدا للقرار 1559. هذا ما إستنتجه السفير الروسي الراحل سيرجيه بوكين في أول تقرير دبلوماسي رفعه إلى وزارة خارجية بلاده غداة وصوله إلى لبنان في ربيع العام 2004. “هناك مشروع قرار دولي جديد يستعد الفرنسيون والأميركيون لطرحه في مجلس الأمن، بالتنسيق مع جهات لبنانية نافذة، فإذا تم تمريره، يكون لبنان قد وضع على خط الزلازل في الشرق الأوسط”.

صارت الولايات المتحدة مع سقوط بغداد، دولة جوار لسوريا بشار الأسد. أصاب الوهم كثيرين بأن الزمن الأميركي لن يقف أحد بوجهه. كان رفيق الحريري أول من دفع ثمن حراك الفوالق الزلزالية. تبرع كثيرون لملء الفراغ في الشارع اللبناني عموما والسني خصوصا، وأحد أبرز هؤلاء وليد جنبلاط. ظل المرجل اللبناني يغلي، حتى إنفجر في أيار 2008. جاءت تسوية الدوحة لتطوي أول محاولة لإستخدام السلاح في المعادلة الداخلية، منذ تنفيذ إتفاق الطائف. في كل الصياغات والمحطات السياسية التالية، ومنها إنتخاب رئيسين للجمهورية (ميشال سليمان وميشال عون) وتشكيل ست حكومات وإنتخاب مجلسين نيابيين، أمكن لجنبلاط أن يأخذ حصته، مستفيدا من تموضعه في موقع وسطي رجراج.

حاول جنبلاط التحرر من أثقال الماضي مع ميشال عون لكن حذره التاريخي، من جهة، ومحاولة جبران باسيل ترجمة معادلة “الماروني القوي” على أرض جبل لبنان الجنوبي من جهة ثانية، فرضا علاقة بلا أسس ثابتة بينه وبين ميشال عون. زاد الطين بلة إفتقاد الزعيم الدرزي للظهير الدولي أو الإقليمي المؤثر لبنانيا. لا الولايات المتحدة ولا فرنسا أو السعودية قادرة على حمايته، أما روسيا فلها أولوياتها ومصالحها، في سوريا ولبنان والمنطقة، ولذلك، ثمة معايير مختلفة لعلاقتها بالزعامة الجنبلاطية.

في الداخل اللبناني، يزداد التباعد بين جنبلاط وسعد الحريري، برغم الترميم الأخير. مزيج من إفتقاد الرجلين للثقة أولا، وللكيمياء ثانيا، ولضابط الإيقاع السعودي ثالثا، فضلا عن إندثار مظلة 14 آذار وتعارض المصالح الإنتخابية. العلاقة مع سمير جعجع تعكس الحذر الجنبلاطي التاريخي من الموارنة، ولو جمعتهما في لحظة واحدة صورة شبيهة بصورة بيت الدين المزدوجة: داليا على رأس وفد إشتراكي ودرزي كبير تبايع رئيس الجمهورية في قصره الصيفي ووالدها من بعدها يدعو ميشال عون إلى المختارة بالصيغة التي يراها مناسبة.

منذ واقعة قبرشمون وقبلها معمل آل فتوش، لا خرق جديا في العلاقة بين جنبلاط وحزب الله. مساعي التقريب بينهما حاليا قد تنتج مقاربة “على القطعة”. لم يبق من نصير لجنبلاط إلا نبيه بري.. لا يكفي ذلك، ولا يبدد قلقا متأصلاً.

إلى مصر در.

نصيحة تلقاها جنبلاط من أصدقاء كثر، أبرزهم سفير مصر الحالي في بيروت نزيه نجاري. العلاقة بين المختارة والقاهرة قديمة، لكنها توطدت بين جمال عبد الناصر وكمال جنبلاط، بدفع من شخصيات وثيقة الصلة بالرجلين. بهتت العلاقة في عهدي أنور السادات وحسني مبارك. في زمن عبد الفتاح السيسي، كان لا بد من ترميم يستدرج حماية تشكل بدلا عن ضائع. السيسي ليس بما يمثله مصريا، بل كجزء من منظومة إقليمية ودولية، في إنتظار ظروف أفضل، عربيا ولبنانيا. في الشكل، بدا التكريم كبيرا لوليد جنبلاط والوفد المرافق، أما في المضمون، فثمة رسالة مصرية مزدوجة: لا خوف على مظلة الإستقرار اللبناني، مصر حريصة على مكانة جنبلاط ودوره.

على عتبة مغادرة السفير الحالي نزيه نجاري ومجيء سفير جديد هو ياسر علوي إلى بيروت، يبدو القاسم المشترك بين الإثنين هو صداقتهما الوثيقة بجنبلاط وفريق عمله. هل يكفي ذلك لطمأنة جنبلاط؟ حتما لا، فلا بديل عن الضاحية الجنوبية. العين الجنبلاطية مصوبة بالأساس على السيد حسن نصرالله. أما الأخير، فله حسابات مختلفة، أقلها تقديم تفسير مقنع لمعادلة واضحة: الجهة الوحيدة التي وافقت على التنازل لمصلحة جنبلاط لحظة تشكيل الحكومة هي حزب الله، عندما “أهدى” الصناعة لللإشتراكيين. المفارقة أن أول قرار إتخذه الأخير، هو الإطاحة بقرار سلفه حسين الحاج حسن. المسألة لا تتعلق بفتوش أو غير فتوش بل بالبعد الأخلاقي. بعد لا وجود له في مفردات السياسة اللبنانية.

Avatar

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free