روسيا على أبواب بوكروفسك.. والفساد الأوكراني أكثر تهديداً!

تحت عنوان أشمل وهو "لا جديد تحت شمس أوكرانيا"، تتصاعد التصريحات المتوسِّلة التي تدعو عبرها الدولة الأوكرانية إلى خصخصة بعض ممتلكاتها وأصولها العقارية والتجارية والصناعية وطرحها للمزاد العلني، بهدف تشجيع المستثمرين الأجانب على منح قبلة حياة تمويلية للجهود العسكرية الأوكرانية، لا تكفي لتغطية نسبة ولو ضئيلة من العجز المالي الذي تتسبب فيه المصروفات العسكرية في ميزانية دولة وضعت رأسها على المذبح الجيوسياسي الدولي.

تستمر الأخبار الدعائية المعتادة عن انتصارات أوكرانية أو صد هجمات في الإعلام الأوكراني والأوروبي، برغم استمرارية وتيرة التقدم الروسي السلحفاتي على جبهات عدة للوصول إلى مدن وقرى أوكرانية يصعب نطق اسم أغلبها، ولكنها جميعاً ربما تقع تحت شعار “كل الطرق تؤدي إلى بوكروفسك”؛ المدينة التقاطعية التي يقول بعض المحللين إنها مركز تسلم وتجميع الدعم التسليحي القادم من الغرب (بولندا/رومانيا)، ومركز حشد للقوات المسلحة التي ترفد خطوط المواجهة في جبهة شرق أوكرانيا. ويستمر القصف الصاروخي الروسي غير المتواصل عليها منذ شهور، وها قد أصبحت القوات البرية الروسية ومدفعيتها على بعد ما يقل عن 45 دقيقة كحد أقصى عن هذه المدينة المفصلية، كما تقول بعض التحليلات منذ فترة، وهي المدة التي تتحول إلى ثوانٍ معدودة لوصول قذيفة مدفعية روسية من إحدى مواقع المواجهات التي تحاول روسيا اختراقها لتصبح بوكروفسك في مدى قذائف مدفعيتها، بدلاً من الصواريخ عالية التكلفة. بينما تعلن أوكرانيا كعادتها عن صد جميع الهجمات الروسية بنجاح على جميع الجبهات الواقعة شرق بوكروفسك!

لكن الأكثر لفتاً للانتباه – وذلك بعيداً عن الأصوات الغربية الخارجة عن إطار الصوت الرسمي الأمريكي والأوروبي – هي تحليلات تنشرها مواقع وصحف ضمن التيار الرئيسي للإعلام الأمريكي – سمها Mainstream Media، أو Corporate Media أو Legacy Media، اختر من ذلك ما شئت حسب الجيل الذي تنتمي له – وتحديداً صحف مثل “فايننشال تايمز” Financial Times البريطانية، و”نيويورك تايمز” New York Times الأمريكية. فقد نشرتا مقالات يتجه قلم كتابها نحو توجيه التقريع والتلميح والتصريح بفساد السلطة الأوكرانية، خاصة فيما يتعلق باستخدام التمويلات والتعامل مع المستثمرين الأجانب وإعاقة جهود إعادة الإعمار وعرقلة جهود تعزيز الدفاعات على خطوط المواجهة، وتأثير الفساد على توجه “الخصخصة” الذي تناول بعض تفاصيله كاتب هذه السطور في مقالة سابقة في السياق ذاته.

جدير بالتذكير، أن الأقلام الأوروبية والأمريكية التي لطالما أطلقت على أوكرانيا “سلة غذاء أوروبا”، هي الأقلام ذاتها التي لطالما فضحت الوجه القبيح للفساد الأوكراني – بخاصة الحكومي منه – على مدى سنوات كثيرة سبقت العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا التي تم إطلاقها في فبراير/شباط 2022. ومن أبرز العناوين التي سطرت بتاريخ 6 فبراير/شباط 2015 على صفحات جريدة “ذا غارديان” The Guardian البريطانية عن قصة فساد تخص المنشآت الطبية والقطاع الصحي بالعاصمة الأوكرانية، تحت المانشيت التالي:

 “Welcome to Ukraine, the most corrupt nation in Europe

مرحباً بكم في أوكرانيا، أكثر الدول فساداً في أوروبا

ولكن هذا التوجه ربما خفُت/كُتِم صوته منذ بدء هجمات روسيا على أوكرانيا، كي لا يُعكّر صفو بروباغندا التعاطف مع النظام الأوكراني.

ولكن هذه الأقلام يبدو أنها عادت مؤخرا إلى هذا الطرح الصريح الفاضح لـ”سلة الفساد” الأوكرانية، ويشابه المانشيت المذكور آنفاً عنوان مقالة أخرى نشرتها مجلة فورين بوليسي الأمريكية بتاريخ 6 مارس/آذار 2024، الذي صيغ في صورة تساؤل:

?How Deep Does Corruption Run in Ukraine

إلى أي عمق يسري الفساد في أوكرانيا؟

وقد نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريراً بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2024، تضمن تصريحات لرجل الأعمال البريطاني-الألماني أرنولف داميرو Arnulf Damerau، فضح من خلالها ممارسات فاسدة من جانب المسؤولين وأجهزة إنفاذ القانون الأوكرانية، تتعلق بمحاولات ابتزازه بهدف الحصول على عشرات الملايين من اليوروات من أمواله التي صنعها عبر استثماره في أوكرانيا من خلال شركة ألعاب المراهنات “كوزمولوت” (Cosmolot)، وهو الاستثمار الذي يبدو تافهاً في أعيننا، ولكن يكفي القول بأن تلك الشركة/الموقع الذي يمتلكه داميرو بالشراكة مع آخرين منهم رجل أعمال أوكراني، ويحمل النطاق (ua.) يحتل المركز العاشر في قائمة أكبر الشركات إدراراً للضرائب لصالح هيئة “الخدمة المالية للدولة” التي تعمل تحت مظلة وزارة المالية الأوكرانية!

داميرو نفسه، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، أورد أن “مكتب الأمن الاقتصادي” الأوكراني، يتهمه بالتهرب من دفع ضرائب قيمتها 560 مليون يورو. وبعد مرور شهرين، يفاجأ بعرض تلقاه من شخص أوكراني لم يفصح عن هويته، بأن يقوم بتحويل نصيبه في الشركة – حوالي النصف – إلى صندوق ائتماني خارج الدولة، في مقابل إسقاط التهم الموجهة إليه وتسوية القضية.

صرح أرنولف داميرو بأنه قام بتقديم تفاصيل هذا الاجتماع مصحوباً بالأدلة وقائمة من الأسماء المتورطة إلى أجهزة مخابراتية أمريكية وأوروبية. وبينما امتنع فولوديمير زيلينسكي عن التعليق على هذه القضية، فإن التعليق الأنسب على مثل هذه الممارسات الفاسدة جاء على لسان فيكتور ميدفيشاك، زعيم حركة “أوكرانيا الأخرى” – بعد حظر حزبه For Life داخل أوكرانيا في وقت سابق – حينما قال بأن “مستوى الفساد في أوكرانيا بلغ مستويات غير مسبوقة في عهد زيلينسكي، وخاصة بعد أن تدفقت أموال المساعدات من الدول الغربية إلى البلاد“.

إقرأ على موقع 180  هل من رابط بين "طوفان الأقصی" و"الإتفاق النووي"؟

في السياق ذاته، قامت المؤسسة الأمريكية غير-الربحية “المعهد الجمهوري الدولي” بإجراء استطلاع رأي للأوكرانيين، أظهر أن نسبة 51% من المواطنين يؤمنون بأن فساد حكومتهم هو “أكبر تهديد للدولة”، متفوقةً على نسبة 46% تمثل من يرون أن أكبر تهديد لأوكرانيا هو العدوان الروسي عليها! وذلك على الرغم من التفاؤل المطلق في إجابات معظم أسئلة الاستطلاع ذاته، بما فيها درجة التفاؤل بفوز أوكرانيا في الحرب الذي بلغت نسبتها 88% من المصوتين في فبراير/شباط 2024!

كانت شركة “كوزمولوت” قد نشرت منذ أربعة أشهر عبر صفحتها الرسمية على موقع لينكد إن Linkedin، تصريحاً رسمياً فاضحاً للسلطات الأوكرانية، ذكّرتهم من خلاله بأن الشركة لم تسهم فقط كدافعة ضرائب وصانع وظائف داخل المجتمع الأوكراني، بل إنها قدمت مساعدات تصل إلى 2.6 مليار هريفنيا أوكرانية (63 مليون دولار) لصالح الجهود الحربية الأوكرانية، إلى جانب منح 50 مسيّرة درون مقاومة للحرب الإلكترونية عبر شركة Cosmolot Airlines، للجبهة العسكرية الأوكرانية.

عودة إلى موضوع الخصخصة، ركز تقرير نُشر منذ عدة أيام في صحيفة “نيويورك تايمز”، على بيع الدولة الأوكرانية لبعض ممتلكاتها من الشركات الصناعية والعقارات ذات الأنشطة السياحية والتجارية بهدف تغطية عجز الموازنة. ويكفي نقل فقرة من المقال تخص موضوع الفساد من سياق هذا التقرير:

الخصخصة يمكنها أن تتحرك لمدى محدود، فهي تواجه تحديات في إطار دولة في حالة حرب، تصحبها مخاوف مواطنين كثر تتعلق بعمليات البيع التي يمكن أن يصيبها الفساد المستشري في أوكرانيا“.

من الملفت للانتباه أن المؤسسة التي تدير مثل هذه الممتلكات باسم الدولة هي “صندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا”، قد عُيّن لها مدير جديد منذ أن قام الرئيس الأوكراني بنقل مديره السابق رستم أوميروف، في سبتمبر/أيلول 2023، من منصبه في إدارة صندوق الممتلكات، إلى منصب وزير الدفاع! وهو المنصب الذي كان قد سبقه إليه ألكسي ريزنيكوف الذي أقيل/استقال بسبب تهم فساد، يقول البعض إنه لم يتورط بها شخصياً!

هنا يجدر التساؤل، هل سينتهي الفساد في بيع الموارد لعسكرية واختلاس المساعدات الأجنبية على يدي وزير الدفاع الجديد، أو على الأقل ينجح في إحداث خرق عسكري فشل فيه سابقه، رغم كل ادعاءات صد الهجمات الروسية التي لا تنقطع بتغير وزير الدفاع، كما لا ينقطع الفساد على ما يبدو؟

تساؤل آخر يطرح نفسه، هل سيكون لخَلَف رستم أوميروف في منصب إدارة صندوق الممتلكات دور في عملية خصخصة ممتلكات الدولة، وهل ستخلو هذه العملية من الفساد الأوكراني المستمر كما تعبر مخاوف المواطنين؟

بينما التساؤل الأكثر “براءة” هو، كيف ستنجح الدولة الأوكرانية في تحلية “بضاعتها” أمام أعين مستثمرين أجانب بالفعل، وتشجعهم على شراء شركات وعقارات مهددة بالهدم من جانب المقذوفات الروسية من ناحية، أو سيطرة القوات الروسية عليها من ناحية أخرى وفق تصريح فيتالي كوفال، مدير صندوق ممتلكات الدولة الجديد ذاته؟

ونختم بتساؤل ربما هو الأهم في هذا السياق، إذا ما نجحت جهود “الخصخصة” على يدي كوفال، هل ستصل هذه التمويلات عبر “فلاتر سلة الفساد” إلى يدي أوميروف بأمان؟ مروراً بكفّي رئيس “الوكالة الحكومية للترميم وتطوير البنية التحتية” الجديد، بعد استقالة سابقه “مصطفى نعيم“، الذي لم يكمل عام ونصف في منصبه السابق، حتى قام بتقديم استقالته اعتراضاً على العرقلة الحكومية لجهوده في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتعزيز خط الدفاع الثالث الذي يهدف لمنع تقدم القوات الروسية غرباً!

لذا، ليس من المستغرب أن تتصاعد التحليلات القائلة بوشوك خروج/إخراج زيلينسكي من الصورة قريباً. لكن سواء أخرج المهرج أم بقى، يبدو أن نسبة 51% من مواطني أوكرانيا لا تكفي للتعبير عن التهديد الأخطر على بلادهم، الفساد… وليس روسيا.

تحياتي.

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  انتخابات لبنان.. ما الفرق بين الورقة البيضاء والمقاطعة؟