هو البابا القادم من أميركا، لكنه ليس ابن الثقافة الأميركية السياسية التقليدية، لا من مشهد الجمهوريين بحدّتهم ولا من نزعة الديموقراطيين ببراغماتيتهم، بل من مدرسة ثالثة تتشكّل عند نقاط التماس بين الإنسان المقهور والإنسان الحائر. مدرسة الاعتدال المتجذّر، لا الاعتدال المساوم. مدرسة تبحث عن العدالة للمهمّشين والضعفاء والطبقات التي تحمل على كتفيها أوجاع الحياة اليومية، لا عن موقع سياسي ولا عن توازن انتخابي.
سنوات تكوينه في أميركا اللاتينية حفرت عميقاً في سيرته. في البيرو، وسط جبال الأنديز، في الأزقة التي تُشتمّ فيها رائحة الفقر والغياب والعنف، رأى لاوون الرابع عشر الإنسان مجرّداً من كل شيء إلا من كرامته. هناك، حيث تسحق تجارة المخدرات مصائر الناس وتُهزم الحكومات أمام شبكات النفوذ، رسمت التجربة خطاً عميقاً في شخصيته. صار يُقلّب معاني الكهنوت بين الواقع والإنجيل، فيكتشف أنّ الإيمان لا يُقاس بكمّ الشعائر بل بعمق الانحياز للإنسان. ومن تلك البيئات خرج بحسّ روحي يُشبه الأنبياء: صلاة متجذّرة، رؤية نافذة، وقدرة على قراءة الألم كعلامة، لا كندبة.
لم تولد علاقة لاوون الرابع عشر بلبنان من السياسة، ولا من دبلوماسية الفاتيكان، ولا من حضور الكنيسة المشرقية في روما فقط، بل من الكتاب المقدّس نفسه. كان يرى في لبنان تجسيداً لصورة الربّ في العهد القديم: أرض الأرز التي تعكس مجد الله، والجبال التي تذكّر بالثبات، والروحانية التي كانت دائماً جزءاً من مسار الوحي. شعر أنّ العلاقة بين لبنان والإيمان ليست علاقة جغرافيا ولا تاريخ ولا طائفة، بل علاقة رمزية تشكّل جزءاً من هوية الكتاب المقدّس.
مفصلية لبنان
مع الزمن، تحوّل هذا البعد الروحاني من مجرّد تأمل لاهوتي إلى قناعة مهيبة؛ أنّ المسيح يمكن فهمه عبر لبنان، وأنّ لبنان يمكن قراءته عبر المسيح. هذه الثنائية الروحية لم يسبق أن جاهر بها بابا آخر بهذا الوضوح. وفي خطابه الأول أمام الكرادلة عقب انتخابه، بدأ من جبل حرمون، من النبوءة ومن اعتراف بطرس: “أنت المسيح ابن الله الحي”. أراد القول إنّ الجغرافيا ليست بريئة في التاريخ الروحي، وإنّ لبنان أساسيٌ في رحلة الإيمان المسيحي، ونقطةٌ مفصليةُ يتقاطع فيها اللاهوت مع الوجود.
منذ عام 2019، يوم انغمس لبنان في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، وجد لاوون الرابع عشر نفسه في قلب التفاصيل اللبنانية عبر موقعه كمشرف على تعيين الأساقفة اللاتين، وهو منصب يمرّ عبره نصف الملفات الحسّاسة في الكنيسة حول العالم. هناك، في دهاليز الإدارة السينودوسية الجديدة التي أرساها البابا فرنسيس، كان لاوون يُشارك في تحليل الملفات، في قراءة تقارير الكنائس المشرقية، في النظر إلى أوضاع الطوائف، إلى هواجس الأساقفة، إلى ضعف بعض المؤسّسات الكنسية في لبنان وقوّتها في جوانب أخرى.
لا يأتي لاوون الرابع عشر اليوم إلى لبنان ليتعرّف إليه، بل ليواجهه. ليقف وسط مكان يعرف تفاصيله الداخلية وملفاته ومفارقاته. يعرف شيئاً من أزماته الاقتصادية، وشيئاً آخر من أزماته الأخلاقية، ويعرف أيضاً أنّ الكنيسة فيه ليست مؤسسة موحّدة كما يتخيّل البعض، بل فسيفساء من مدارس روحية ورهبانيات وتاريخ طويل من الصراعات والالتقاءات.
من عباءة فرنسيس لا الأميركيين
يُخطئ من يظن أنّ لاوون الرابع عشر امتداد للسياسات الأميركية. من يعرفه يعرف أنه خرج من تحت عباءة البابا فرنسيس لا من عباءة أي إدارة أميركية. واجه دونالد ترامب علناً حين رأى أنّ خطابه يمسّ كرامة الإنسان. تصدّى لمنظمات كاثوليكية أميركية ضخمة كانت تستخدم الدين لشرعنة سياسات قاسية ضد المهاجرين، فيما كانت في الوقت نفسه تدعم الموت الرحيم.
وموقفه من غزة لم يكن لحظة انفعال، بل لحظة انكشاف. عندما قال إنّ ما يحدث قد يكون إبادة، كان يعلن في الحقيقة ولادة مرحلة جديدة في لغة الفاتيكان حيال الحروب. كان يعرف أن هذه الجملة ستغضب دولاً، وستُقلق حكومات، لكنها كانت بالنسبة إليه واجباً أخلاقياً. كان على تواصل دائم مع كاهن كنيسة غزة المحاصَر، يسمعه ويبكي معه ويتابع معه تفاصيل القتل اليومي. لم يبحث عن دبلوماسية باردة؛ بل كان يبحث عن الحقيقة.
يدرك لاوون أنّ لبنان ليس مشروعاً سياسياً للفاتيكان، لكنه نموذج. نموذج للتعددية، للعيش معاً، للقدرة على حماية ما تبقّى من حضور مسيحي مشرقي يطاول جذوره التاريخية.
من هنا تأتي زيارته. ليس ليُقدّم حلولاً سياسية مستحيلة، بل ليضع خطوطاً حمراء أخلاقية:
- أنّ أي تغيير جيوسياسي في الشرق لا يمكن أن يُبنى على حساب لبنان.
- أنّ المسيحيين ليسوا هامشاً في الشرق.
- أنّ سقوط لبنان ليس سقوط دولة، بل سقوط فكرة، وربما سقوط حضارة.
وقفته في مرفأ بيروت ستكون واحدة من أقوى لحظات الزيارة. ليس لأنّ المكان تحوّل رمزاً للمأساة، بل لأنه في اللاهوت المسيحي يشبه تماماً موقع المسيح بين المصلوبين؛ مكان ألم غير مفهوم، ينتظر العدالة قبل أن ينتظر الشفاء. والصمت الذي سيحمله البابا هناك سيكون صمتاً لاهوتياً وسياسياً؛ صمتٌ يقول ما لا تقوله الكلمات.
لن يكتفي لاوون الرابع عشر بالاجتماعات المتعارف عليها. يريد لقاءات بصيغة أخرى، بروحية “أسيزي”، أي صلاة مشتركة بين رؤساء الطوائف، وقوفاً أمام الله الواحد. يُريد أن يُذكّر اللبنانيين بأنّ الحوار الديني ليس بياناً، بل اختباراً؛ هل يستطيع اللبناني أن يقبل الآخر شريكاً في الصلاة كما يقبله شريكاً في الأرض؟ وهل تستطيع الطوائف أن تقتنع بأنّ ما ينجح هنا قد يصبح نموذجاً للعالم؟
لبنان والتقاط اللحظة
لكن زيارة لاوون الرابع عشر، بكل ما فيها من أبعاد، تُخفي سؤالاً أكبر: هل البلد قادر على التقاط اللحظة؟
الكرسي الرسولي ينظر إلى لبنان ككنز. أما اللبنانيون، فقد صار الكثير منهم ينظرون إلى وطنهم كعبء. هنا يكمن جوهر الاختبار. اختبار لنخبة سياسية غارقة في صراعات صغيرة، ولا تدرك أنّ انهيار لبنان يعني انهيار آخر معنى متبقٍ للشرق التعددي. اختبار لقيادات روحية استهلكتها الخلافات الداخلية والملفات المتراكمة حتى صارت أحياناً عاجزة عن رؤية حجم الدور الملقى على أكتافها.
اختبار لشعبٍ أنهكته الأزمات، ودفعه اليأس إلى الانسحاب من الحياة العامة.
في العمق: ماذا يريد لاوون الرابع عشر من اللبنانيين؟
يريد شيئاً واحداً: أن يفهموا حجم رسالتهم. لا أكثر.
يريد أن يقول لهم إنّ لبنان ليس مشروعاً سياسياً ولا صراع حدود، بل رسالة.
يريد القول لهم إن العيش المشترك ليس شعاراً سياحياً، بل جوهر وجودهم.
يريد القول إن المسيحيين في هذا الشرق ليسوا ضحايا، بل شهوداً، وأنّ المسلمين ليسوا شركاء في أرض فقط، بل في قدر.
يريد أن يُعيد تعريف معنى “لبنان الرسالة” بعد أن صارت العبارة تُستخدم بلا مضمون. ويريد أن يضع البلد أمام مرايا متعددة: مرايا التاريخ، مرايا الجغرافيا، مرايا الروح.
هل ينجح الاختبار؟
الزيارة ليست زيارة، بل امتحان. امتحان لبلد يوشك أن يفقد ذاكرته، وتاريخه، ومعناه. امتحان لطبقة سياسية تحوّل معظمها إلى عبء، وقيادات روحية تحتاج إلى تجديد نظرتها إلى ذاتها وإلى رسالتها، إن لم نقل تغييرها بالكامل.
ولاوون الرابع عشر لن يحمل العصا السحرية، لكنه سيحمل شيئاً أهم؛ سيحمل الحقيقة.
يبقى السؤال الأخير، وربما الأهم:
هل سيستيقظ اللبنانيون على وقع هذا الصوت الروحي، أم يمرّ الحبر الأعظم في سمائهم وأرضهم كما مرّ كثيرون قبله، ليترك خلفه صدى لا يجد من يُصغي إليه؟
ذلك هو الاختبار.
واختبار لاوون الرابع عشر ليس للفاتيكان.. بل للبنان.
