“لا يبدو كأن الاضطرابات في إيران ستؤدي إلى إسقاط النظام في هذه المرحلة الزمنية؛ أولاً، لأن نظام آيات الله يمتلك ما لا يقلّ عن طبقتين من الحماية: الحرس الثوري، والعنصر الأهم هو الباسيج – وهي ميليشيات تعمل تحت قيادة الحرس الثوري، وتُعدّ أداة القمع الرئيسية. نرى ذلك بوضوح في مقاطع الفيديو: يتحركون في الشوارع على متن دراجات نارية ومركبات رباعية الدفع وسيارات، ويقمعون الاحتجاجات بكفاءة.
علاوةً على ذلك، يوجد عامل آخر يحمي النظام في إيران، وهو الجيش الإيراني؛ في الواقع، يوجد في إيران جيشان: الحرس الثوري والجيش الإيراني النظامي. عادةً، الجيش مكلّف حماية الحدود والدفاع الخارجي عن إيران، بينما يعمل الحرس الثوري والباسيج داخل البلد، وهما جهتان تمتلكان قوة كبيرة. يجب التذكير بأن شاه إيران سقط في سنة 1979، عندما رفض الجيش إطلاق النار على المتظاهرين، لكن لا توجد مؤشرات إلى أن هذا السيناريو سيتكرر الآن مع الحرس الثوري، أو الباسيج، إذ لا تزال دوافعهم إلى الدفاع عن النظام مرتفعة، على ما يبدو.
أمّا المتظاهرون، فيبدو أنه ليس لديهم فرصة حقيقية أمام هذه القوى حالياً، لأن أعدادهم قليلة نسبياً، ولا يهددون مؤسسات الحكم بشكل فعلي؛ لذلك، فإن عدد القتلى بينهم منخفض نسبياً، ويُقاس بالعشرات، وليس بالمئات، مثلما حدث في موجات الاحتجاج السابقة في السنوات 2009 و2019 و2022.
العامل الثاني هو غياب القيادة لدى المتظاهرين، إذ لا توجد جهة تخطط، أو توجّه، أو توحّد تحركاتهم، أو تحدّد أهدافاً ومطالب واضحة. يطالب بعض المحتجين بتحسين الأوضاع الاقتصادية: مزيد من الكهرباء، مزيد من المياه، والوظائف، وبشكل خاص إنقاذ العملة الإيرانية (الريال) التي انهارت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق؛ هناك آخرون يحمّلون النظام المسؤولية، ويريدون إسقاطه، لكن لا توجد غاية موحدة؛ فالطلاب يحتجون من أجل مطلب، وتجار البازار من أجل مطلب آخر، وفي المقابل، يُظهر النظام تعاطفاً نسبياً، وبشكل خاص مع الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي، وهناك مؤشرات إلى أنه مستعد للاستجابة لبعض هذه المطالب.
العامل الثالث لعدم توقُّع سقوط النظام هو أنه لا يبدو كأن أيّ طرف خارجي سيتدخل، لا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على الرغم من تهديداته، ولا إسرائيل، والسبب بسيط: يدركون في المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية أن أيّ هجوم على إيران الآن سيقضي حتى على الفرصة الضئيلة في إسقاط النظام، لأن الشعب الإيراني سيتوحّد حوله، على غرار ما حدث في سياقات سابقة، مثل الحرب الإيرانية العراقية.
أمّا بالنسبة إلى ترامب، فعلى الرغم من تهديداته ونبرته الهجومية، فإن شنّ هجوم في الشرق الأوسط مسألة معقدة، هناك كثيرون من المدنيين والجنود الأميركيين في المنطقة، الذين يمكن لإيران استهدافهم، رداً على أيّ هجوم، فضلاً عن إمكان استهداف إسرائيل.
نجحت إيران في إنتاج أكثر من ألفَي صاروخ، وزاد عدد منصات الإطلاق لديها، وهي قادرة على إلحاق أضرار كبيرة وإحداث خسائر بشرية، بما في ذلك استهداف جنود أميركيين في العراق في قواعد كبيرة، مثل “عين الأسد”، وفي المناطق الكردية، وكذلك ضرب القاعدة الأميركية الأكبر في قطر (العديد)، فضلاً عن منشآت أميركية وسعودية داخل السعودية – لقد سبق أن استهدفت هذه الأهداف فعلاً.
إن أيّ هجوم على إيران سيتطلب استعداداً عسكرياً ولوجستياً واسعاً من إسرائيل والولايات المتحدة معاً، من أجل صدّ الضربة الانتقامية الإيرانية. هذا الاستعداد يحتاج إلى وقت وجهد كبيرَين، لذلك، من غير المرجّح أن يحدث في المستقبل القريب، أو في الظروف الحالية.
من المهم أيضاً التذكير بأن ترامب هدّد بالتدخل في حال قتلَ النظام الإيراني أعداداً كبيرة من المتظاهرين. في الوقت الحالي، يتبع النظام – بتوجيهٍ من المرشد الأعلى علي الخامنئي – استراتيجيا داخلية يمكن وصفها بـ”الاحتواء المرن”، مفادها بأن تنسحب القوات من الأماكن التي لا يهدد فيها المتظاهرون مؤسسات الحكم، أو البنية التحتية الحيوية، ولا يُستخدم الرصاص الحيّ إلا في حالات محدودة، وبشكل دقيق.
في معظم الأحيان، تكون الأصوات والانفجارات التي تُسمع في مقاطع الفيديو ناتجة من وسائل تفريق التظاهرات، مثل قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، لذلك، لا توجد ذريعة حقيقية لترامب لمهاجمة إيران حالياً.
إن أحد أسباب التركيز الإعلامي الكبير على هذا الموضوع، وتصاعُد القلق داخل إسرائيل، هو التفاهمات التي توصّل إليها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس ترامب خلال زيارته الأخيرة. لقد صرّح ترامب بوضوح بأنه سيتحرك فوراً، إذا استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم، أو برنامجها النووي، أمّا بخصوص الصواريخ الباليستية، فقال: “سنتحرك، لكننا سنفحص الوضع”.
حتى الآن، لم تستأنف إيران برنامجها النووي، لكنها استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية، ومع ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي دمّر جزءاً كبيراً من قدرات الإنتاج خلال عملية “شعب كالأسد”، وبشكل خاص المعدات اللازمة لإنتاج الوقود الصلب للصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى. ووفق تقارير إيرانية، اندلع حريق مؤخراً في مصنع أمونيا يُستخدم كمكوّن في وقود الصواريخ.
لم تصل إيران بعد إلى قدرة إنتاج كاملة للصواريخ، فهي تنتج، لكن ليس بكميات تشكل خطراً فورياً، وربما تصل إلى ذلك خلال بضعة أشهر، عندها ستعود مسألة الهجوم إلى الواجهة.
إن التدريبات الصاروخية وتدريبات الطائرات المسيّرة التي أجراها الحرس الثوري موجّهة إلى الداخل أساساً، وإلى ردع إسرائيل والولايات المتحدة عن استغلال ضُعف إيران خلال الاضطرابات؛ يخشى الإيرانيون من إسرائيل بشدة، لكن هذه التدريبات ليست مؤشراً إلى نية الهجوم.
حالياً، ليس لإسرائيل، أو للولايات المتحدة، مصلحة حقيقية في مهاجمة إيران، باستثناء حقيقة واحدة، وهي أن إيران شبه مكشوفة جواً، بعد تدمير منظومات الدفاع الجوي، في معظمها، وهذا يشكل إغراءً عسكرياً، لكنه لن يحقق إنجازاً كبيراً يتجاوز ما تحقق فعلاً.
هناك احتمال معقول لأن تؤدي الاضطرابات والضغوط الداخلية إلى تسريع المفاوضات مع الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاقٍ يشمل البرنامج النووي والصواريخ، ومنع النشاطات التخريبية الإقليمية.
هذا هو السيناريو الذي يريده كلٌّ من إسرائيل والولايات المتحدة: اتفاق يبعد الخطر الإيراني أعواماً طويلة، ويمنع تهديد الدول العربية السّنية المعتدلة وإسرائيل، ويحدّ من نشاط إيران، عبر وكلائها.
إلى أن يتّضح ما إذا كان هذا المسار ممكناً، من المرجّح أن تمتنع إسرائيل والولايات المتحدة من شن هجوم، كذلك إيران نفسها، لن تهاجم إسرائيل، لأن أيّ هجوم سيمنح إسرائيل والولايات المتحدة ذريعة لاستغلال ضُعف إيران وتوجيه ضربة قاصمة إلى النظام.
إن أيّ هجوم إيراني على إسرائيل سيؤدي إلى استهداف الحرس الثوري والباسيج والجيش الإيراني – هذه القوات هي أعمدة النظام – ومن دونها، سينهار النظام خلال فترة قصيرة.
لذلك، لا مصلحة لإيران في مهاجمة إسرائيل، ويجب على الجمهور في إسرائيل أن يهدأ وينتظر ما ستكشفه الأسابيع والأشهر المقبلة”.
(*) المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
