يبدأ إغناثيوس مقالته بالتحذير من أن السعودية والإمارات انزلقتا إلى خصومةٍ واسعةٍ قد تؤدي إلى مستوى جديد من الاستقطاب الإقليمي، في حين كان يُفترض بهما- بوصفهما القوتين الرئيسيتين الدافعتين لمسار التحديث في منطقة الشرق الأوسط- أن تكونا في حالة من الارتياح الاستراتيجي خلال هذه الفترة: إيران تبدو في وضع ضعيف، ووكلاؤها يتراجعون، فيما تتجه قوة بحرية أميركية كبيرة نحو الخليج العربي.
ويضيف أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي، عندما اندلع في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، بدا في ظاهره نقاشاً حول الاستراتيجية المناسبة لإنهاء الحرب المُزمنة في اليمن، غير أنّه سُرعان ما تطوّر إلى مواجهة مفتوحة على وسائل التواصل الاجتماعي، شنّ فيها مستخدمون سعوديون هجمات على الإمارات، واصفين إيّاها بـ”حصان طُروادة لإسرائيل”، ونددوا بـ”اتفاقات أبراهام” التي انضمت إليها أبوظبي عام 2020، باعتبارها “تحالفاً سياسياً عسكرياً متخفّياً بلباس ديني”.
ويستشهد إغناثيوس بدراسة إعلامية- يقول إن أحد المسؤولين العرب أطلعه على نتائجها- جاء فيها أن المسؤولين الإماراتيين يعتقدون أن السعودية تقود حملة تحريض مُمنهجة تركز على علاقة الإمارات بإسرائيل. فبعد أن استهدفت السعودية قوات حليفة للإمارات في اليمن، في 30 كانون الأول/ديسمبر، شهدت المنصات السعودية ارتفاعاً لافتاً في المنشورات المنتقدة لإسرائيل: 77 في المائة من التعليقات كانت لمهاجمة الإمارات باعتبارها “وكيل لإسرائيل ينفذُ مخططات صهيونية لتقسيم الدول العربية”.
كما يستشهد بتقرير أجرته شركة “أوربس أوبيرايشنز” للاستشارات في الأمن القومي عن وسائل التواصل الاجتماعي (يقول إنه اطلع على نسخة منه رغم أن “أوربس” لم تنشره للعموم بعد). ويكشف هذا التقرير أن مؤثّرين على هذه الوسائل “سعوا زوراً للربط بين أحد القادة الإماراتيين والمجرم الجنسي جيفري إبستين، بالإضافة إلى ادعائهم أن الإمارات تموّل حملة مُعادية للإسلام في أوروبا، وأنها تشكّل امتداداً للسياسة الإسرائيلية”، وفق إغناثيوس .
وبالنسبة لإدارة ترامب، التي تربطها علاقات وثيقة بكلٍّ من السعودية والإمارات، يقول الكاتب إن الخلاف بين البلدين “يعكس مدى التعقيد الذي ينطوي عليه التعامل مع قوتين إقليميتين تتمسّكان بمواقفهما”. وينقل عن مسؤولين مطّلعين قولهم “إن الإدارة الأميركية عرضت التوسط بين الجانبين، غير أنّ الطرفين أبديا تحفظاً واضحاً”. وإن أحد هؤلاء المسؤولين قال إن حدّة الاعتبارات الشخصية تجعل من هذا الخلاف “قضية لا يمكن التوسط فيها”.
ويرى إغناثيوس أن هذا الخلاف يزداد أهمية بالنظر إلى أن “ترامب يعوّل؛ وبقوة؛ على كلٍّ من السعودية والإمارات في إطار مساعيه لإعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط. فهو يحتاج إلى موقف خليجي داعم وموحّد، في وقت يلوّح فيه بعمل عسكري ضدَّ إيران، ويسعى إلى نزع سلاح حركة حماس في غزة، ويدفع باتجاه توسيع نطاق العلاقات بين إسرائيل وكلٍ من سوريا ولبنان”
الخلاف بين السعودية والإمارات لم يعد خلافاً تكتيكياً، بل تحوّل إلى صراع مفتوح على النفوذ يُعيد رسم موازين القوى في الخليج، ويهدّد في الوقت نفسه حسابات واشنطن في لحظة إقليمية شديدة الحساسية
وينقل ما قاله جوني غانون، وهو مسؤول سابق رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية يتمتّع بخبرة طويلة في شؤون الشرق الأوسط، إن “السعوديين يرغبون في قدر من الانصياع، أو على الأقل في توافق السياسات الإقليمية معهم. أما الإماراتيون فلا يريدون الطاعة، بل يسعون للحصول على مساحة أوسع من الخيارات”.
يعيد إغناثيوس جذور التوتر الحاصل بين الرياض وأبوظبي إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت سابقاً بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد. ويقول إن الأخير اضطلع بدور “الموجّه” للشاب السعودي (بن سلمان)، خلال عامي 2015 و2016، “مقدّماً له النصائح والرؤى حول سبل تحديث مملكته المحافظة”. وينقل عن مقرّبين من الرجلين وصفهم للعلاقة بأنها “كانت أشبه بعلاقة أب بابنه، أو علاقة الأخ الأكبر بأخيه الأصغر”، بما تحمله مثل هذه الروابط من منافسة كامنة.
ويضيف: “مع نجاح بن سلمان في ترسيخ نفوذه، بدأ يتململ ويشعر بضيقٍ متزايدٍ من الوصاية الإماراتية. فهو لم يعد يتقبّل توجيهات من دولة أصغر حجماً وأقلّ وزناً. كذلك لم يكن الإماراتيون مستعدين للخضوع لإملاءات قوة إقليمية مهيمنة في الرياض. وكما هو الحال في كثير من الخلافات ذات الطابع العائلي، كان الأمر يتعلق جزئياً بالمال والسلطة، ولكن أيضاً، على مستوى أعمق، بالغيرة والاستياء”، معلقاً بالمثل القائل “لا يمرّ عملٌ طيب بلا عقاب”.
مسارات متباينة تكشف الفجوات
يشرح إغناثيوس في مقالته كيف تباينت السياسات السعودية والإماراتية تدريجياً خلال السنوات الماضية. ويقول: “بعد أن خاض البلدان معاً حرباً ضد الحوثيين عام 2016، بدأت الإمارات بعد ثلاث سنوات بتقديم الدعم لقوى في جنوب اليمن تتبنى رؤية شبه انفصالية. كما وقف البلدان على طرفي نقيض في الحرب الأهلية المدمّرة في السودان، واختلفتا أيضاً حول ملفات سوريا وليبيا والصومال. وغالباً ما عبّرت الإمارات عن قلقها من تحالفات سعودية مع جماعات إسلامية ترى أنها قد تُسهم في زعزعة استقرار المنطقة”.
ويؤكد أن زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض، في تشرين الثاني/نوفمبر، “شكّلت نقطة توتر إضافية. فبحسب الرواية السعودية، طلب بن سلمان من ترامب فرض عقوبات على ميليشيا ‘قوات الدعم السريع‘ السودانية المدعومة من أبوظبي. لكن مسؤولين إماراتيين يعتقدون أن ولي العهد سعى، عبر هذا الطلب، إلى الدفع نحو فرض عقوبات تستهدف الإمارات نفسها”.
ويشير إلى أنه، وبالرغم من نفي الرياض لهذه الاتهامات، تدهورت العلاقات سريعاً. ويوضح “في مطلع كانون الأول/ديسمبر، شنّت قوات مدعومة من الإمارات هجوماً في محافظة حضرموت (جنوب اليمن). وبعد أسابيع، ردّت السعودية بقصف أكثر من 80 آلية ومعدات عسكرية كانت قد وصلت إلى حلفاء الإمارات هناك، وطالبت أبوظبي بالانسحاب من اليمن؛ وهو ما حصل لاحقاً.
بن سلمان، ضاق ذرعاً بالدور الإرشادي السياسي الذي أدّته الإمارات في بدايات صعوده، فيما لم يعد الإماراتيون مستعدين لتقبّل ما يرونه نزوعاً سعودياً للهيمنة؛ فتحوّلت العلاقة من إرشادٍ سياسي إلى منافسة على قيادة الإقليم
وكتب إغناثيوس يقول إن مسؤولين من الجانبين أفادوا بأنهم شعروا بأنهم “تعرّضوا لطعنة في الظهر”. ويشير إلى أن علي الشهابي، المستشار المقرّب من ولي العهد السعودي، نشر في الأول من كانون الثاني/يناير تعليقاً عبّر فيه عن حالة من الإحباط السعودي، وأثار في المقابل غضباً إماراتياً واسعاً، موضحاً أن الشهابي تحدّث عن وجود “اختلال هيكلي” في منظومة الخليج بين السعودية، بوصفها الدولة الأكبر، وجيرانها الأصغر حجماً. وأن الشهابي اعتبر أن “هذه الدول الأصغر، ومع تراكم ثرواتها، كثيراً ما تتوهم بأنها شريك متساوٍ للمملكة”.
ويقول الكاتب إن نبرة الشهابي المتعالية “أغضبت الإماراتيين، لكنها في الوقت نفسه عكست توتراً آخذاً بالتصاعد منذ سنوات”. ويورد أمثلة على ذلك، منها مشروع “ممر الشرق الأوسط”- وهو خط برّي-بحري يُفترض أن يربط الهند بإسرائيل وأوروبا- عبر خطوط سكك حديدية وبحرية. “فقد أظهرت النسخة الأصلية لخريطة المشروع لعام 2023 أن مسار السكة الحديدية يبدأ من ميناء جبل علي في الإمارات قبل أن يعبر الأراضي السعودية. غير أن كاتباً مؤيداً للإمارات نشر مؤخراً ما قال إنه مخطّطٌ سعودي جديد يقترح انطلاق السكة الحديدية من عُمان وتتجاوز الإمارات بالكامل”، بحسب إغناثيوس.
ويرى إغناثيوس أن هذا التوتر الإقليمي انعكس مباشرة على السياسة الأميركية، في آذار/مارس الماضي، حين كانت إدارة ترامب تستهدف الحوثيين بعد هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر. وينقل عن مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى، قوله إن ترامب شخصياً اتّصل بمسؤول إماراتي بارز طالباً منه الإسهام في “تصفية” الحوثيين. وإن المسؤول الإماراتي أبدى استعداداً لإرسال ألفَي جندي على الفور، مع إمكانية إرسال خمسة آلاف آخرين لاحقاً، لكنه اشترط حصوله على تعهّد سعودي بعدم دعم ميليشيا “الإصلاح” ذات التوجّه الإسلامي في اليمن. “وبما أن هذا التعهّد لم يتحقق، فإن العملية لم تُنفّذ”، وفق المسؤول الأميركي.
ويضيف: “يعتقد مسؤولون إماراتيون أن السعودية حثَّت دولاً إسلامية صديقة- بينها كازاخستان وسوريا والأردن- على مقاطعة القمة العالمية للحكومات”، التي عُقدت في دبي الأسبوع الماضي، وهي منتدى أطلقته الإمارات عام 2013.
ويختتم إغناثيوس مقالته بالإشارة إلى أن الخلافات ذات الطابع “العائلي” ليست غريبة على الشرق الأوسط، كما أنها شائعة في مناطق أخرى من العالم. لكن ما يثير قلقه في الخلاف السعودي الإماراتي تحديداً “هو تصاعد الخطاب الهجومي ضدَّ الإمارات على خلفية انفتاحها على إسرائيل”. ويرى أن السعودية- في رأيه- رغم كونها الأكثر إدراكاً لخطورة انتشار التطرف في المنطقة تبدو- في نظره- وكأنها؛ ضمنياً؛ تشجع هذا الخطاب الذي يصف الإمارات بـ “شيطان العرب” الذي يخضع لإسرائيل، محذراً من أن هذا النهج يشبه “اللعب بالنار”، على حد تعبير إغناثيوس.
(*) المصدر: “واشنطن بوست“.
