عشت أقارن تلّي المتواضع بجبال أقمت في أحضانها وسفوحها أيامًا، سواء في لوسيرن وجنيف وإنترلاكن في سويسرا، أو في أروشا، القرية التنزانية الراقدة عند سفح من سفوح جبل كليمنجارو، أتطلع من شوارعها الضيقة نحو أحد أعلى قمم العالم وأجملها، أو أقارنه بجبلٍ وقفت أطلّ من شباك مقهى عند قمته على فيينا، العاصمة الساحرة، أو بما شاهدت من قمم بيضاء وأنا مطلّ، لا أكثر، ولكن مرات عديدة، من شباك طائرة على قمم آكونكاجوا الجليدية في سلسلة جبال الأنديز قرب الحدود بين الأرجنتين وشيلي.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتي في شيلي والأرجنتين، وقبل أن أعود إليهما في مهمة من نوع آخر، حدث أن أنتجت هوليوود فيلمًا سينمائيًا يصوّر سقوط طائرة فوق قمة مجموعة القمم المشكلة لما يُعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى ارتطامها بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط، بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها، وكان في ذلك الحين يتساوى أو يقل قليلًا عن ارتفاع بعض قمم آكونكاجوا.
يُصوّر الفيلم السقوط أو الارتطام- وكلاهما مأساة مؤلمة- لكنه يصور أيضًا حكايات قاسية عن ركاب من جميع الأعمار يتضورون جوعًا على امتداد مدة طويلة، لم تتمكن خلالها كل ما أنتجته خبرة طاقم الطائرة من أفكار وآليات، وما تبقى في خزائنها من مواد غذائية، وما أثمره التعاطف المتبادل بين الركاب، من سدّ جوع النساء والأطفال وكبار السن خلال أسابيع امتدت فيها المأساة.
***
تعمدت في هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وأهلها وحكاياتها أن أتناسى هذه المأساة، متمنيًا أن تكون زميلتي في المهمة الأكاديمية التي جئنا من أجلها، والجالسة على المقعد الملاصق للشباك المطل على القمة، لم تشاهد الفيلم، أو لعلها رأته وتعمدت مثلي التعتيم على ذكراه المؤلمة.
ولا سيما أنني لاحظت، بقدر من الرهبة، أن قائد الطائرة التي كنا على متنها بدا وكأنه خفّف صوت المحركات احترامًا للمشهد، أو لمشاعر من يعرفون ويتذكرون، وهو بلا شك واحد منهم.
على كل حال، أذكر أننا، قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع والمهيب في الوقت ذاته، كنا، كعادتنا في رحلاتنا الطويلة- وتلك كانت أطولها على الإطلاق- ننهمك في مناقشة ما يجمعنا من اهتمام، وهو تخصصنا الأكاديمي المشترك.
وقتَها كان هنري كيسنجر مالئ السمع والبصر والعقل أيضًا، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد، وإن كنا لم نكن قد أدركنا تمامًا آنذاك مآلات هذا التحول.
خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين، وحقق نصرًا على الاتحاد السوفييتي بزيارة قام بها مع ريتشارد نيكسون إلى بكين (1972)، زيارة هزّت أرجاء العالم. وقبل ذلك، كان قد خرج لتوه من عملية دبلوماسية-عسكرية أوقف بها حربًا بين إسرائيل ومصر(1967)، وأعقبتها عملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور أليندي في شيلي (1973)، وأقام نظامًا ديكتاتوريًا يقوده الجنرال بينوشيه.
كنا، في واقع الحال هناك- وأقصد في أمريكا اللاتينية- نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته الولايات المتحدة من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية، وبوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامي.
ما أشبه الحاضر بما حدث قبل نحو نصف قرن. كان هناك- ولا يزال- ترقب ممزوج بالخوف في معظم عواصم العالم النامي، وبخاصة عواصم الشرق الأوسط؛ الخوف مما قد يحدث إن لم تصطف هذه الدول سريعًا في طابور الانتظار. كل الظروف حرجة، والعالم- والعرب جزء منه- يتجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
***
وصلنا، وأصرت زميلتي- رفيقة رحلتي الثالثة، أو لعلها الرابعة- إلى سنتياجو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتي القصيرة في شيلي قبل هذه الرحلة بنحو ربع قرن. لم أتردد في الاستجابة؛ فلم تكن بحاجة إلى الإصرار، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها الثرية خير رفيق لرحلة نجوب فيها مواقع أخاذة ونستمع إلى نتف تاريخية يزودنا بها “شيوخ” قبائل منحدرة من شعب المابوتشي، أو أساتذة جامعات وأصحاب مصارف ورجال ونساء دولة منحدرون بدورهم من مهاجرين قدموا من فلسطين- من رام الله وبيت جالا- قبل أكثر من سبعة أو ثمانية عقود، وآخرين من ألمانيا وإسكتلندا وإسبانيا.
أذكر أن برنامج الرحلة تضمن زيارة الشقة التي كان يسكنها بابلو نيرودا، وكنا كلانا من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته. ولم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتبه أو أريكته المطلة على المحيط من شرفته في مشهد أخاذ بحق.
هناك، اجتمعت نعومة “فينيا ديل مار” بجمال فالباريزو، الميناء الكبير الصاخب. وأذكر أننا تلقينا دعوة من شركة مالكة لإحدى أكبر مزارع العنب، تقع في وادٍ على الطريق الجبلي الموصل إلى فالباريزو وضواحيها.
لا تزال الصورة الكلية للمزرعة عالقة في ذهني: قمم جليدية تطل بوقار وهيبة، وخضرة تمتد إلى مدى البصر، وفندق فاخر بسيط في آنٍ واحد، وكرم ضيافة يفوق قدرة الضيف على الوصف.
عدنا إلى سنتياجو، لينضم إلينا الصديق، عالم السياسة الأردني، فنكتمل فريق البحث المكلف بدراسة ظروف المرحلة الانتقالية بين الديكتاتورية والديموقراطية في البرازيل والأرجنتين وشيلي.
وأشهد بأن زميلتنا لعبت دورًا لا يمكن إغفاله، إذ أسست لمدرسة بحثية عربية في فرنسا لا تزال تعمل بكفاءة نادرة حتى اليوم.
أنا مدين أيضًا لمعلمة اللغة الإسبانية بالكثير، ليس فقط لتعريفي بجمال هذه اللغة، بل لأن شرطها عقد الدروس في مقهى على قمة “التل المتواضع” أوجد علاقة خاصة بيني وبينه، وجعل هذا التل يحتل مكانة مميزة في ذاكرتي.
***
عدتُ إلى سنتياجو في آخر رحلاتي لأكتشف أن تغيّرات كثيرة وقعت في غيابي. وجدتُ شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل السابق. غابت اللغة العربية، لكن لم يغب التعلق بالوطن، ولا كلمة “البلاد”، وإن نُطقت بعربية متعبة.
المدينة اتسعت وارتفعت على نحو لم أستسغه. حتى “التل المتواضع” صار قزمًا بين الأبنية.
غابت أيضًا معلمتي، ومعها غاب جزء من ذاكرتي. وغاب كثيرون من جيراني الذين شاركوني أيام مهمتي الدبلوماسية.
غاب الكثير، لكن لم تغب قمم الأنديز، المطلة في وقارها وهيبتها وحنانها على سنتياجو، المدينة الوديعة.
