لا أبكيك علي شعيب.. بل أرويك

ليس كل من يُفقد يُرثى بالدموع. هناك من يرحلون تاركين وراءهم ما هو أكبر من الحزن: أثرًا إنسانيًا يصعب اختزاله في كلمات. في وداع علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني ومحمد حسين ضاهر، لا تحضر المهنة بقدر ما يحضر الإنسان؛ ذلك الذي عاش بيننا كما هو، وترك في الذاكرة ما يجعل الغياب أقوى من قدرة العدو على جعله اختفاء.

أخي وصديقي وزميلي علي شعيب؛

أعتذر منك يا علي لأنني لا أقوى على ذرف دمعة لفقدانك، فمنذ خسارتنا شهيدنا الأكبر، السيد حسن نصرالله، باتت كل خسارة لعزيز تهون. ومع متابعتي الدقيقة لما يفعله أبطال المقاومة منذ بداية معركة “العصف المأكول”، والتضحيات الجسام التي يقدمونها تيمّنًا بالسيد نصرالله ووصيته، بتُّ أشعر أن ذرف الدموع لخسارة عزيز فيه الكثير من الاستهانة بتضحيات أولئك الأبطال الذين قد نعرف البعض منهم بعد استشهاده، وقد لا نعرفهم أبدًا.

أما وقد شرحت لك عذري يا علي، دعني أستسمحك بأن أتحدث عن مآثرك الإنسانية والأخلاقية، وليس عن مآثرك المهنية، وهذه يعرفها كل من يتابع شاشات التلفزة ولا تحتاج إلى شهادة من أحد. لقد عشنا، علي وأنا وزملاء من مؤسسات إعلامية أخرى، حوالي العشرين يومًا معًا على السراء والضراء في حرب تموز(يوليو) عام 2006. وكنا كثيرًا ما نخرج، علي وأنا، في تغطيات ميدانية معًا، وفي كثير من الأحيان في سيارة واحدة، عادة ما تكون سيارتي.

خلال حرب العام 2006، دعانا أحد الزملاء إلى العشاء في منزله في بلدة القليعة، وبطبيعة الحال كان هناك مشروب كحولي على الطاولة. فطلب منا الزميل المضيف أن نضع المشروب في فناجين الشاي احترامًا لمشاعر الزميل علي بشكل خاص، لأن هناك زملاء آخرين لم يكونوا ممن يشربون الكحول. وصادف أن كان مقعد علي إلى جانبي، فما أن جلس حتى أخذت كأسي وغادرت إلى الجانب الآخر من الطاولة، وإذا بعلي يلحق بي ويجلس مجددًا إلى جانبي. فقلت له: يا علي، لقد ابتعدت عنك عن عمد كي لا أحمّلك إثمًا. فقال لي: لستُ أنا من يُحدّد العلاقة بينك وبين الله، وهو عليم بكل شيء، ويعلم إيماني العميق به، فلا تشغل بالك بالموضوع. وبقي جالسًا بقربي.

في واقعة أخرى، علمنا أن العدو ارتكب مجزرة في بلدة ميس الجبل بقصف منزل تقطنه عائلة تحمل الجنسية الكندية، فقررت الذهاب إلى المكان بالرغم من القصف والغارات على طول الطريق من مرجعيون إلى ميس الجبل. فجاء علي وركب معي في السيارة ومضينا. وما أن وصلنا إلى بلدة العديسة حتى رأينا الغارات تتكثف على بلدة الخيام، مترافقة مع قصف مدفعي، فقال لي علي: اذهب أنت إلى ميس الجبل، وسأعود أنا إلى أقرب نقطة من بلدة الخيام، فلا يجوز أن نترك كلانا المنطقة، وسنتبادل المعلومات واللقطات المتلفزة بعد عودتنا إلى مرجعيون. قلت له: ولكنني لن أعود أدراجي من العديسة إلى مرجعيون لأوصلك (وهي مسافة تبلغ حوالي عشرة كيلومترات). فقال لي: لا تشغل بالك، سأدبّر أمري، ولا تتأخر، اذهب وانتبه لنفسك. وعاد سيرًا على الأقدام.

لا أنسى أبدًا كيف كنت تطلب مني أن أخفف من اندفاعتي في العمل حرصًا على حياتي، فيما كنت أقنعك بأن كل ما نفعله، مهما عظم، هو أقل بكثير مما يفعله أولئك الجنود المجهولون الذين يواجهون آلة الحرب الهمجية بصدورهم وإيمانهم وبعشقهم لأرضهم. إلى أن فاجأتنا إذاعة “المشرقية الإسرائيلية”، التي تبث باللغة العربية، بتهديدنا بالاسم وبصورة مباشرة. يومها افترقنا ولم نعد نخرج معًا في السيارة نفسها وفي الوقت نفسه لأي مهمة، وقلت لك: يا علي، يجب ألا نسمح لهم أن يستهدفوك عبر مطاردتي، ولا أن يستهدفوني عبر مطاردتك، ووافقتني الرأي.

إلى أن أتى الأمر القاطع من العدو لكل الصحافيين بضرورة مغادرة منطقة مرجعيون إلى خارج منطقة جنوب نهر الليطاني، وكان خياري منطقة حاصبيا، وهي الأقرب إلى خط النار في القطاع الشرقي للجنوب. وانسحبنا تباعًا، لكن الغارات المعادية لم ترد لنا الانسحاب أحياء، فطاردتنا بحوالي 22 غارة بين بلدة كوكبا وأطراف جسر الحاصباني وبلدة أبو قمحة. نجونا ووصلنا إلى مقر مؤسسة “الصليب الأحمر اللبناني” في حاصبيا (ولنجاتنا يومها قصة قد أرويها يومًا). وما إن استقرينا وبدأنا بتدبّر مكان للإقامة، كان الشرط الذي واجهناه كمجموعة من الصحافيين (المنار، LBC، العربية، الجزيرة، دبي) هو ألا يكون علي شعيب بيننا، أو أن يسلّم هواتفه للمستضيفين.

وصل الشرط إلى مسامع علي، فلم ينتظر ولو للحظة، تركنا ومضى مغادرًا. لحقته وسألته: إلى أين يا علي؟ قال لي: سأعود إلى الخيام، فلا يحق لي أن أحرم الزملاء من الإقامة الآمنة بسبب وجودي، وأنا بطبيعة الحال لا أستطيع أن أُسلّم هواتفي لأحد. قلت له: وكيف ستصل إلى الخيام؟ قال لي: سيرًا على الأقدام، فأنا ابن هذه الأرض وأعرفها جيدًا، وهي تعرفني وتحْميني. عانقني ومضى. فهل هناك من إنسانية وأخلاق أرفع من هذا الموقف؟

لم تكن جريمة اغتيال علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني هي الأولى بحق الإعلاميين في هذه الحرب، فقد سبقها اغتيال الزميل محمد شري وزوجته في منزلهما في منطقة زقاق البلاط في بيروت، بالإضافة إلى تدمير مبنيي تلفزيون “المنار” وإذاعة “النور” في الضاحية الجنوبية لبيروت. لقد حاول العدو تبرير جريمة اغتيال علي شعيب بالقول إن الأخير كان عضوًا سريًا في قوة “الرضوان”، وهي تهمة جاهزة لو قيّض لعلي أن يرد عليها لقال إن ذلك شرف لا أستطيع أن أدّعيه. لذلك، من واجب الحكومة اللبنانية، وفي مقدمتها وزير الإعلام مرقص، عدم الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة، بل الانتقال إلى خطوات أكثر جدية في حماية الصحافيين.

إقرأ على موقع 180  جورج قرم.. شعلةٌ لا يُطفِئها الزمن

أما أنت يا رفيقي علي، فنم قرير العين. لقد عشت منذ حرب تموز عام 2006 كل يوم كنوع من الفائض، وكنت تمضي في عملك بحرفية عالية وبقناعة راسخة بعدالة القضية التي نعمل من أجلها. ومع فداحة خسارتنا لك، فإن جريمة اغتيالك تُظهر كم هو عدونا مفلس ويفتقر إلى أهداف جدية في الحرب. فأي جيش هذا؟ وأي حرب تلك التي يخوضها وقد أصبحت أهدافه فيها محطة وقود هنا، ومصرفًا هناك، وصحافيًا هنالك؟

لك يا رفيقي علي شعيب مني تحية، وقبلة على جبينك، ووردة حمراء على الثرى الذي سيحتضنك.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  تداعيات أوكرانيا تُحرج الهند مع الصين وروسيا!