لبنان أسيرُ خطابين عبثيين.. لا ثالث لهما!

قراءة في بُنية السُلطة والانقسام في لبنان، حيث تتقاطع السيادة مع السلاح، ويتقاطع الخطاب مع الخوف الجماعي، وتتحول الصراعات الإقليمية إلى سرديات داخلية تعيد إنتاج الأزمة.

ليس الانقسام في لبنان وليد اللحظة، ولا هو نتيجة تطورات سياسية معاصرة فحسب، بل هو نتاج تراكم تاريخي عميق يمتد عبر مراحل متعددة من تشكّل الدولة، مروراً بالحروب والصراعات الداخلية والإقليمية، وصولاً إلى الواقع الراهن. غير أن ما يُحوّل هذا الانقسام من حالة كامنة إلى واقع حاد ومستمر هو “الخطاب”، الذي لا يكتفي بعكس هذه الجذور، بل يُعيد صياغتها باستمرار ضمن سرديات تعبّوية تمنح كل طرف شعوراً مزدوجاً بالشرعية والتهديد في آن واحد.

فالانقسام، وإن كان أسبق من الخطاب، إلا أن الخطاب هو أداة إدامته وتكثيفه وإعادة إنتاجه يومياً. وهنا تبرز أهمية التمييز بين سرديات الواقع ووقائعه، إذ لا يمكن فهم المشهد اللبناني من دون إدخال عامل أساسي ومحوري، يتمثل في وجود إسرائيل والصراع معها، بما خلّفه من حروب متكررة واحتلال سابق لأجزاء من الجنوب وتهديد أمني دائم، إضافة إلى نشوء حركات مقاومة مسلحة. هذه ليست سرديات، بل وقائع تاريخية وسياسية صلبة أسّست لجزء كبير من شرعية مفهوم “المقاومة”.

خطابان وسرديتان

غير أن قراءة هذه الوقائع نفسها لا تؤدي إلى نتيجة واحدة، بل تُعاد صياغتها داخل خطابين متعارضين. خطاب أول يرى في هذا الواقع دليلاً على أن التهديد دائم، وبالتالي فإن السلاح ضرورة مستمرة، وأن المقاومة حالة مفتوحة لا يمكن إنهاؤها. في المقابل، خطاب آخر يقرّ بالخطر، لكنه يربط المواجهة حصراً بالدولة، ويرى أن استمرار السلاح خارجها يخلق مخاطر داخلية لا تقل خطورة عن التهديد الخارجي. هنا يتضح أن العامل نفسه لا ينتج موقفاً واحداً، بل يتحول إلى مادة خام تُعاد صياغتها ضمن أنظمة خطاب مختلفة تُحدّد معنى التهديد وحدود المواجهة وشكل الشرعية.

في هذا السياق، لا يعود الخطاب مجرد انعكاس للواقع، بل يُصبح الإطار الذي يُحدّد معنى هذا الواقع وحدوده، وفق ما يذهب إليه ميشيل فوكو، الذي يرى أن الخطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساهم في إنتاجه وتحديد ما يُعدّ حقيقة داخله. ولا يعود الخلاف هنا في الوقائع بقدر ما يكمن في تفسيرها. إذ لا يعيش لبنان مُجرّد خلاف سياسي، بل بُنية معقدة تتداخل فيها القوة والمصالح والخوف والتاريخ، ضمن ما يمكن وصفه ببُنية سلطة مزدوجة، حيث لا تقتصر المسألة على الأفكار، بل تشمل مؤسسات وخدمات وشبكات أمان اجتماعي واقتصادي.

ضمن هذه البُنية، لا يمكن فهم تمسّك جزء واسع من البيئة الشيعية بسردية “المقاومة” بوصفه موقفاً أيديولوجياً فقط، بل هو مرتبط أيضاً بعوامل الأمان والمعيشة والتمثيل السياسي، ما يجعل هذه السردية أقرب إلى “نظام حياة” متكامل يصعب تفكيكه. في المقابل، يظهر خلل واضح في مقاربة الطرف الآخر، الذي يركّز غالباً على مسألة “فائض القوة” من دون معالجة البيئة التي أنتجت هذا الواقع وسمحت باستمراره، وهو ما يجعل أي طرح للحل ناقصاً وغير قادر على إحداث اختراق فعلي.

نظام مركب ودولة ضعيفة

هذا الواقع يعكس صراعاً بين نظامين للسلطة، أحدهما يمتلك السلاح والخدمات والخطاب، ويستمد شرعيته من معادلة الحماية والرعاية، والآخر يطرح الدولة كمصدر وحيد للشرعية، لكنه لا يملك دائماً القدرة العملية على تقديم البديل. وفي ظل غياب عرض متكامل يُبدّد مخاوف الطرف المقابل، يستمر الانقسام، حيث يرى كل طرف نفسه الحل، ويعتبر الآخر تهديداً وجودياً له.

هذا التوازن اللبناني، برغم هشاشته، يستمر لأنه يعكس ميزان القوى الفعلي، داخلياً وإقليمياً، فيما يبقى الوصول إلى سيادة موحّدة ممكناً نظرياً، لكنه مشروط بتحولات عميقة لم تنضج بعد، سواء على مستوى بناء الدولة، أو تحقيق توافق داخلي، أو تخفيف تأثير الصراعات الإقليمية

ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الخارجي، إذ إن لبنان لم يعد مجرد دولة ضعيفة، بل ساحة تداخل بين قوى داخلية ترتبط بدرجات متفاوتة بقوى إقليمية ودولية. غير أن هذا الارتباط ليس متساوياً في طبيعته، إذ تمتلك بعض الأطراف دعماً سياسياً أو مالياً، فيما تمتلك أطراف أخرى بُنية عسكرية مستقلة وشبكات مؤسسات موازية وقدرة فعلية على فرض واقع ميداني، ما يخلق اختلالاً واضحاً في ميزان القوى الداخلي.

من هنا، لا تكمن عقدة الأزمة فقط في الارتباط بالخارج، بل في تلاقي ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في ضعف الدولة البُنيوي وطبيعتها الطائفية التي تسمح بتمركز النفوذ داخلها، ووجود قوة مُسلّحة خارجها، وانقسام داخلي عميق يمنع إنتاج رؤية وطنية موحّدة. وفي هذا الإطار، يعيد كل طرف تعريف علاقته بالخارج بوصفها جزءاً من شرعيته، لا نقيضاً لها، ما يحوّل الصراع من مسألة “سيادة مقابل لا سيادة” إلى صراع بين تصوّرات مختلفة للسيادة نفسها.

هذا ما يُفسّر حالة الجمود، حيث يرفض كل طرف شرعية الآخر، ويبرّر ارتباطه الخاص كضرورة أو توازن، وفي ظل غياب مرجعية وطنية جامعة، لا يوجد حُكم نهائي بين هذه الروايات المتصارعة. ونتيجة لذلك، لا يمكن وصف لبنان بدقة كدولة ذات سيادة موحدة، ولا كدولة فاشلة بالكامل، بل كنظام مُركّب يقوم على توازن قوى بين مرجعيات سيادية متعددة داخل إطار دولة رسمية ضعيفة.

إقرأ على موقع 180  الدولة الدينية عندما تهتز

هذا التوازن اللبناني، برغم هشاشته، يستمر لأنه يعكس ميزان القوى الفعلي، داخلياً وإقليمياً، فيما يبقى الوصول إلى سيادة موحّدة ممكناً نظرياً، لكنه مشروط بتحولات عميقة لم تنضج بعد، سواء على مستوى بناء الدولة، أو تحقيق توافق داخلي، أو تخفيف تأثير الصراعات الإقليمية.

وفي موازاة ذلك، تكتمل الصورة عند استحضار “سيكولوجية الجماهير” كما يشرحها غوستاف لوبون، حيث لا يتفاعل الأفراد داخل الجماعات مع التحليل العقلاني المعقد، بل مع العاطفة والرموز والشعارات المبسّطة، ما يجعل الخطابات السياسية موجّهة لتحريك الجماهير لا لإقناع العقول. وهنا يلتقي إنتاج الخطاب مع طريقة تلقّيه، حيث تُبنى السرديات لتُخاطب الخوف والهوية والإحساس بالتهديد، فتُعيد إنتاج الانقسام باستمرار.

وإزاء هذا الواقع، سيبقى اللبنانيون “جماهير” عالقة بين خطابين إثنين عبثيين، لا ثالث عقلاني لهما.

Print Friendly, PDF & Email
ضياء عبد العال

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الأحزاب العربية بين الدولة.. والأمة