لبنان في مواجهة الأخطار.. مؤتمر وطني جامع

تختبىء السلطة في لبنان وراء نفسها. ليست خجولة أبداً. زحفت نحو التفاوض غير المشروط فلم يرُدَّ عليها أحد من الأميركيين الذين لبَّت كلَّ شروطهم، ولا من الإسرائيليين الذين يواصلون عدوانهم بالاتفاق مع واشنطن. وتتذرَّع السلطة بأنَّ الدبلوماسيَّة هي الحل، لكنَّها لا تقول ما هو الحلّ. وهذه ثغرة يستفيد منها العدوّ الإسرائيلي وحده. ولا تريد أن تعترف بأنَّ التخفّي وراء الأقنعة لم يكن مجدياً ولن يكون. ولا تملك الجرأة للقول أمام الرأي العام إنَّ الدبلوماسيَّة فشلت.

الفشل هنا لا يرتبط بمفهوم العمل الدبلوماسي بذاته. التاريخ شاهدٌ على  تجارب كثيرة في التفاوض بين الأعداء، لكنَّ التفاوض المقصود هو المبني على ثلاثة أمور: 1- القوة سواء أكانت رسميَّة أم مقاومة شعبية أم الاثنتين معاً. 2- الوحدة الوطنيَّة الصلبة. 3-الإستراتيجيَّة المستقبلية المقصودة من وراء التفاوض.

هذه العناصر الثلاثة لم تُحقّق السلطة أيّاً منها. وبدلاً من أن تبحث عن عامل القوَّة الممكن في الظرف الراهن أغرقت نفسها في ما بات يُعرف بـِ“حصريّة السلاح”. تجاهلت الحكومة كلَّ المناشدات لصوغ تسوية داخلية تحفظ الوحدة الوطنيّة، ولو في ظلِّ التسالـُم الطائفي. وأشاحت بنظرها بعيداً عن حقيقةِ أنَّ من يقاوم العدوَّ الإسرائيلي يجب التفاهم معه، لا الوقوف في وجهه موقف العداء، وينبغي النظر إليه مدافعاً عن كلِّ لبنان لا عن الجنوب فحسْبُ. ويستوجب احترام المعنى الوطني في المقاومة لا القول إنَّها شيعية طائفية أو لمجرَّد أنَّ أكثريَّة أهل الجنوب من لون طائفي معينة وكأنَّ أبناء هذه الطائفة ليسوا لبنانيين.

هل فات الأوانُ؟ كلمة “نعم” مُخيفة، لكنَّ الحقيقة أن كثيراً من هذا الأوان قد فات، غير أنَّ الفرصة ما زالت متاحة ولو صغيرة. هنا تظهر أكثر فأكثر مسؤولية السلطة إذا كانت مصرَّةً على أن تُسمّي نفسها “سلطة”. لماذا ترى المؤتمرات الجانبية (مثل معراب وغيره) ولا تُقدمُ على عقد مؤتمر لبناني جامع ينطلق من فَهْمِ خطر العدوِّ الإسرائيلي على وجود لبنان؟ ومن ضرورة الجمع بين المقاومة والدبلوماسيّة، وتوحيد اللبنانيين على هذا الموقف

السلطة أمام هذا المفترق، سكتت عن عدد من القوى التي لا تفتأ تحرِّض ليلاً ونهاراً ضد فكرة المقاومة، لا المقاومة وحدَها. وتناهض تصنيف “إسرائيل” بأنها عدو، وتروِّج صورة إيجابية عن الاحتلال على غرار ما قاله النائب كميل دوري شمعون عندما وصف “الجيش الإسرائيلي” بـِأنه “جيش إنساني يُنذِرُ قبل أن يرتكب المجازر”،(كذا) أو على شاكلة “بيان معراب” الذي لم يرَ مُوجباً لإدانة العدوِّ ولو لفظياً.

هذه المواقف لا تقتصر على نظرةً سياسية منعزلة، بل تسْتبْطن ما هو أخطر. تعكس نظرة تاريخية وفكرية ترى لبنان كياناً تجمُّعيَّا لفئةٍ من دون أخرى (وفقاً لما خُطِّط له في مؤتمر الصلح 1919) لا وطناً جامعاً. وهذا بالضبط ما يراكم مجدَّداً عوامل الانفجار الداخليّ، ولا سيَّما في ظلِّ توسُع الاحتلال من جهةٍ، ومشروع إفراغ الجنوب من أهله، وتفاقم المَهلَكة الاقتصاديّة المعيشيّة-الاجتماعيَّة من جهة أخرى.

هكذا خسرت السلطة عامل القوة في المقاومة، وراحت تراهن على مآلاتِ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، كي تُحدِّد وظيفة لبنان وفقاً لما ستؤول إليه الحرب من دون أن تأخذ في الحسبان احتمال أن تنفلت الأمور داخليَّاً من عِقالها فيتهدَّد لبنان وجوديَّاً. وإذا كانت السلطة تتذرَّع بأنَّ الجيش لا يمتلك القوة اللازمة، فإنَّ المسؤوليَّة لا تقعُ على الجيش نفسه، بل على كلِّ السلطات المتعاقبة في إطار النظام الطائفي القائم الذي استنكف عمداً عن بناء جيش قادرٍ على مدى ثمانية عقودٍ. ومن الطبيعي أمام هذا الواقع أن تبرز النتائج السلبيّة، فلا إرادة حقيقيَّة لبناء إستراتيجيةٍ وطنية تُفيدُ من ورقة المقاومة، أو تشكِّلُ سنداً لخوْض تفاوضٍ يحفظ حقوق لبنان.

هل فات الأوانُ؟ كلمة “نعم” مُخيفة، لكنَّ الحقيقة أن كثيراً من هذا الأوان قد فات، غير أنَّ الفرصة ما زالت متاحة ولو صغيرة. هنا تظهر أكثر فأكثر مسؤولية السلطة إذا كانت مصرَّةً على أن تُسمّي نفسها “سلطة”. لماذا ترى المؤتمرات الجانبية (مثل معراب وغيره) ولا تُقدمُ على عقد مؤتمر لبناني انقاذي جامع ينطلق من فَهْمِ خطر العدوِّ الإسرائيلي على وجود لبنان؟ ومن ضرورة الجمع بين المقاومة والدبلوماسيّة، وتوحيد اللبنانيين على هذا الموقف بدلاً من إلقاء الحبل على غاربِه أمام عنصريّةٍ طائفيَّةٍ من هنا، تقابلها عنصرية مناظرة لها من هناك، وكأننا نستعيد مناخات الحرب الداخلية كي لا نقول الأهليّة. هل هذه المسألة صعبةٌ؟ قد يكون فيها بعض الصعوبات لكنَّها ليست مستحيلة. الإرادة السياسيّة الوطنيّة هي الأصل. وها هي إيران قدَّمت مثالاً عندما اختارت الإرادة للصمود ضدَّ العدوان عليها، ولم تخشَ من الأميركيين والإسرائيليين أمام معركةٍ وجوديّة.

لبنانُ في خطر داهم. والمقاومة ستتواصل بأشكالٍ متنوِّعة، أمَّا السلطة إذا استمرَّتْ في التقصِير عن إدراك أعماق هذا الخطر فإنها بذلك ترضى التفريطَ بلبنان داخليَّاً وخارجيَّاً، ولن يرحمها التاريخ.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  نصري مثل البوم.. فاجتنبوه!
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الترسيم البحري.. طائف إقتصادي بنتائج سياسية!