في تقلُّبات الدَّهر

جلس رجلٌ في أواسط العمر، ومن حوله بضعة أصدقاء؛ ينصتون لأشعار مختارة يلقيها. كان يتمايل مندمجًا مع الكلمات، يحرك يديه ويؤمّن على المعاني بهزات خفيفة من رأسه؛ فيما يطلق السامعون آهات الاستحسان. سمعته يشدو بأبيات جاهين: "عجبي عليك يا زمن.. يا بو البدع يا مبكّي عيني دمًا.. إزاي أنا أختار لروحي طريق.. وأنا اللي داخل في الحياة مرغمًا.. عجبي!". انتهى من وصلته؛ فانطلق التصفيق وتصايح الجالسون معلنين إعجابهم؛ إذ لم يكن، والحال على ما هي عليه، ختامٌ أفضل.

الزمن رفيقٌ إجباريّ وخصمٌ أصيل؛ لا مفرَّ من صحبته ولا منجى من بصمته. يحذر مروره الجميع؛ إنما لا يجدون في غيره الحماية. يمضي فيترك أثره على البدن والروح، يعبث بالذاكرة، يبدد الأحلام والأمنيات؛ لكنه أيضًا يطبّب الجروح ويداوي الألم، ويُلقي بغلالة ثقيلة على مواطن الوجع، فيخفيها ولو إلى حين. خشية الناس منه ترتبط بحتمية التداعي والأفول، ولجوؤهم إليه طلبٌ للراحة من طول الشقاء.

***

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: “وإني رأيت الدهر من صحبته.. محاسنه مقرونةٌ ومعايبه.. إذا سرّني في أول الأمر لم أزل.. على حذرٍ من أن تذمَّ عواقبه“. التوجس من الآتي غريزة كامنة فينا، وعادة كثير من الناس حين يُغرقون في الضحك والسرور أن يتحسبوا لما يلي، فيقولون: “اللهم اجعله خيرًا“؛ وكأن الفرح لا محالة منقوص، يصعب أن يدوم أو يستمر فترة طويلة، وقد جرت العادة بأن يأتي ما يعكّر الصفو، ويذهب بالمزاج الطيب، ويستحضر محلّه النكد والهموم.

***

بعض المرات تتكأكأ العقبات بلا مبرر، فيصادف المرء ما يعطل خططه ويجمّدها؛ وإذ يعمد المحيطون به إلى مواساته وتهدئة خاطره والتخفيف عنه، فإنهم يذكّرونه بالأوقات الجميلة التي قضاها في حياته، ويشيرون إلى طبيعة الدنيا التي لا تستقر أبدًا على حال؛ مستعينين بالمقولة الحكيمة: “يوم لك ويوم عليك“. ولا عجب أن يكررها الواحد منا كلما تعقّدت الأمور، كي يشعر في ضوئها بشيء من الرضا، ويواصل السعي طمعًا في الوصول إلى اليوم المرغوب.

***

يحتفظ كثير من الناس بأملهم في التغيير وتحقيق مستقبل أفضل؛ يتمتعون فيه بحدود مقبولة من العيش الكريم. يمنّون أنفسهم بأن ثمة ما يخبئه القدر، ويدفعون عنهم شبح اليأس كلما ازدادت الأوضاع سوءًا؛ مؤكدين أن “دوام الحال من المحال“. الحكمة صادقة، لكنها مشروطة؛ فالحال تعتمد على ما مهّد الواحد بيديه، وما استوعب بعقله، وما أنجز بإرادته. والمحال الحقيقي أن يقبع في مكانه، معربًا عن أمله في تحسن الظروف وزوال الغيوم واستقامة المسار، متوقعًا الاستجابة لأمنياته دون أن يحرك ساكنًا.

***

حين يتعرض المرء لتقلبات شديدة تطيح باستقراره وطمأنينته وتهبط به فجأة من علٍ، يجد من المأثورات ما يوجز واقعه دون التطرق للتفصيلات، وفي المقدمة تلك الجملة الشهيرة: “الزمن غدّار“. يأتي وصف الزمن في صيغة مبالغة، مقرونة بأسلوب تقريري لا يترك مساحة لاحتمالات أخرى. إلقاء المسؤولية على الزمن لا يخضع لتساؤل علمي أو لنقاش موضوعي؛ إنما يطرحها بعيدًا عن كاهل صاحبها، فيرفع عنه عبء البحث عما ارتكب من أخطاء. على كل حال، يبدو أن الاعتراف بالتقصير والتخاذل صعب على أغلب الناس، والبحث عن مشجب يحمل عنهم اللوم أسهل وأقل تنغيصًا، لا سيما أن المَلام لا يملك عن نفسه دفاعًا.

***

في لوم الزمن، غنّى الراحل العظيم عبد المنعم مدبولي: “زمان وكان يا ما كان.. كان الزمان إنسان.. دلوقت ليه يا زمان ما بقيتش زي زمان.. طيب.. يا صبر طيب“. الكلمات لمرسي جميل عزيز، والألحان لكمال الطويل، والأغنية تحمل شجونًا عابرة للعمل الدرامي، وصالحة لإثارة المشاعر المؤسية مهما مرّت عليها الأعوام. وقد ظهرت في فيلم “مولد يا دنيا” الذي عُرض في منتصف السبعينيات، قصة يوسف السباعي وإخراج حسين كمال.

***

من الحكمة أن يحثّ الواحد نفسه على عدم الاطمئنان للحاضر مهما بدا رائقًا، وعدم الاستسلام لحال الاسترخاء مهما كانت لذيذة مسكرة؛ بل وأن يعمد إلى تنبيه الغافلين المفتونين بلحظة طيبة عامرة بما يُشتهى ويُستطاب. النصيحة الغالية الموجزة التي يمكن تقديمها في هذا السياق: “من ائتمن الزمن خانه“. وإذا كانت اليقظة مطلوبة على الدوام، فإن السهو وارد بالطبع، والقاعدة أن ينظر الواحد إلى احتمالات غده، وأن يعتبر مما يجري حوله، وأن يكف عن الاعتقاد بأن ما يقع للآخرين بعيد لا يمكن أن يطاله؛ فجميعنا معرّض للنوازل والخطوب، وجميعنا نفاجأ حين نصاب ونصبح طرفًا فيما نكره.

***

وضع الإمام الشافعي بيت الشعر الخالد: “نعيب زماننا والعيب فينا.. وما لزماننا عيب سوانا“. والحق أن هذا البيت ينطبق على الأزمنة والحقب قاطبة؛ فما الحوادث والوقائع إلا من صنع البشر العائشين فيها؛ طيبها من طيب أفعالهم، وقبيحها من سوء تدابيرهم وأعمالهم. لا يُعاتب الزمن عليها، ولا تُنسب بأي حال إليه. وبقية القصيدة تقول: “ونهجو ذا الزمان بغير ذنب.. ولو نطق الزمان لنا هجانا“. والبيتان على حالهما لون من التقريع، مستحق متى تكاسل الناس وتراخوا عن أداء واجباتهم.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الطاقة النووية VS حروب "كسر العظم"!
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  نتنياهو إلى أين يأخذ إسرائيل.. والعلاقة مع أميركا؟