ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
لم يكن اختيار القاهرة محطة للرئيس الصيني شي جين بينغ في مطلع أيلول/سبتمبر حدثاً بروتوكولياً عادياً، كما لم تكن أهميته مقتصرة على العلاقات الثنائية بين مصر والصين. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، وفي توقيت يسبق بأسابيع قليلة انتقال شي إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب في 24 أيلول/سبتمبر، وسط حرب مفتوحة مع إيران، واضطراب في مضيقي هرمز وباب المندب.
العالم يتغيَّرُ. الوتيرةُ بطيئة الآن. لكنَّه يتغيَّر فعلاً. الإرهاصات في ربع هذا القرن تماثل الإرهاصات في ربع القرن الماضي. آنذاك انتهت الحروب ببروز القطبية الثنائية، وبنظام بريتون وودز الذي جعل الدولار سلطاناً نقديَّاً عالميَّاً، ثم تحوَّل إلى الأحادية الأميركية بعد زوال الاتحاد السوفياتي. وراهناً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يدخل العالم تدريجياً لكن بثباتٍ، في مرحلة سقوط الإمبراطورية الأميركية.
عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".
لا تُقاس أهمية المضائق البحرية في الجيوبوليتيك بموقعها الجغرافي فحسب، بل بما تمنحه من قدرة على التأثير في حركة القوة الدولية، والتحكم بمسارات التجارة والطاقة والملاحة العسكرية. وفي هذا السياق، يتبوأ مضيق هرمز مكانة استثنائية بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ تجاوز وظيفته كممر يربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، ليغدو عقدة جيوبوليتيكية تتشابك عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتتقاطع فيها اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ العسكري.
العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى؛ هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون هامة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي في غرب آسيا، يتجاوز حدود الصراع المباشر إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن والردع والتحالف.
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً، ادعت الولايات المتحدة لنفسها حق احتكار إعادة تشكيل الخرائط السياسية والأمنية وفق مصالحها، ووجدت روسيا نفسها تُدفع تدريجياً نحو الانكماش داخل مجالها الجغرافي. ولم تكن الحرب في أوكرانيا، قبل أربع سنوات ونيف، هي السبب الحقيقي للأزمة بين روسيا والغرب، بل كانت إحدى نتائجها. فالصراع أعمق من مراجعة للحدود أوتنازع على إقليم، بل يندرج في سياق محاولة إعادة تحديد شكل العالم الجديد.
المُنحنى الإمبراطوري الأميركي ينحدر متدرِّجاً. لحظات الهبوط قد تمتدُّ بضعَ سنواتٍ في الحسابات الجيو- سياسيَّة قبل حصول الصدمة الارتطامية. يكاد العالم كلُّه يأخذ ذلك في الحُسبان إلا العرب.
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع الدخول في أوج الحرب الباردة، كانت النخبة الأمريكية ترى نفسها قائدةً للعالم الحر في صراعه مع المعسكر الشرقي. وعقب انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير مُعلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها ــ بل من واجبها ــ إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافةً إلى الإرهاق الداخلي من «الحروب الأبدية في الشرق الأوسط»، دفعت صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.