“الكسُوف” في معاجم اللغة العربية زوالٌ مؤقت واحتجاب، هو أيضًا غيابُ ضَوء الشمسِ حال وقوع القمر بينها وبين الأرض. نستخدم الكلمةَ كمرادفٍ لخجلِ المَرء أو استحيائه على حد سواء، والحقيقةُ أن فارقًا أصيلًا يكمُن بين الفعلين. الخَجلُ صِفةٌ ذات جوانب سَلبية ومُعطلة؛ فقد يخجلُ المرءُ مِمَا لا يستدعي الخَجل، ويَعجز من هذا المنطلق عن التعامُل مع الناس، كما ينكُص عن المُطالبة بحقوقه، وربما يتحوَّل خجلُه إلى صِيغة مَرَضِيَّة مُستدامَة، تعرقله وتُقعِده عن مُمارسة حياته الطبيعية. الحياءُ على الجِهة المقابلة صِفةٌ صِحيَّة ترتبط بإحجام المَرءِ عن الإتيان بكل قبيح؛ وذاك خلقٌ رفيع يعكس سلامةَ النفس ونقاءَ الضمير، ورهافةَ الحسّ الإنساني.
***
تقول الحِكمةُ العربيةُ الأصيلة: “إذا لم تَستَحِ فاصنع ما شئت” والمعنى أن العائقَ الوحيد الذي قد يُعطل المرءَ عن الانخراط في عمل مُشين هو حياؤه؛ وليس ما يَرى في الأفقِ من عقاب أو ما يَخشى من نتائج. الرادع الداخليُّ مُحركٌ رئيس في حيواتنا وما دونه عوامل هامشية وفرعية، إذا فقدناه؛ فقدنا بوصلة الطريق، وإذا حافظنا على وجوده؛ ما خابت في النهاية مَساعينا.
***
لم أفهم في صِغري المأثورَ الشهير الذي يقول: “اللي اختشوا ماتوا“. سمعته عشرات وربما مئات المرات، وكنت أفسره تفسيرًا حرفيًا مضحكًا؛ مفاده أن هؤلاءَ الذين “يختشون” عاقبتهم سيئة وهي “الموت”. كبرت وفهمت وضحكت من تصوُّراتي الأولى، وفطنت إلى أن العبارةَ تحمل الأسى على حال الدنيا التي خَوَت إلا من المُتبجِّحين، ومِمَن فقدوا نوازعَهم الأخلاقية ولم يعد الاستحياءُ على قائمة مشاعرهم القريبة الحاضرة.
***
إذا قيل عن شَخص إن “وِشُّه مكشوف“؛ كان القصد أنه لا يَستحي ولا يهتمُّ لما يظنُّ به الآخرون، وضِمن الإطار ذاته يأتي التعبير الفريد: “قلَع بُرقُع الحَيا“، أيّ أظهر عمدًا ما كان حريصًا من قبل على إخفائه، والبُرقُع هو قِطعة النَّسيج التي تتدلى أمام وُجوه النِساء؛ فلا يظهر منها سوى أعينهن، وبعضُ المرَّات تختفي العينان كذلك. كان البُرقُع تقليدًا اجتماعيًا قديمًا ثم تحوَّل إلى مُمَارسة دينية تعكس قدرًا موفورًا من التشدُّد والمُغالاة، وعلى كل حال ما أكثر ما انكشفت الوُجوه، وعرَّت ما تحملُ الضمائر من سُوء، بلا مُحاولة من صاحبها للتستُّر أو التجميل. في أداءِ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب نموذجٌ دالٌ وفريد؛ يستحي منه أيُّ قائد ذو شأنٍ وهَيبة، والحقُّ أن من تصريحاتِه وحواراتِه وتدويناتِه ما يشي بغياب نتفةِ حَياء، وعلى سبيل المثال فإن الجَّهر بالرغبة المُستَعِرة في السَّطوِ على بلدان الأرض، والاستيلاءِ على ثروات الشُّعوب باستخدام القوة؛ أدهش المجتمعَ الدوليَّ وأربك توازنَه وشوَّه صورة الدولة العظمى المتشدقة بحماية الحقوق والحريات؛ لكن المرءَ متى كان مُتبجحًا؛ لم يهتم للأوصاف التي تلحق به، ولا لنظرة الآخرين إليه، ولا لصورته أمام المرآة.
***
محاسبةُ الذات واجِبةٌ، وفي كثير الأحيان تغدو أقسى وأشدّ وطأة من تلقّي توبيخِ فلان أو علان. قد يستحي الواحد من نفسِه ما ارتكب أمرًا يسوء؛ حتى لو لم يعرفْ به أحدٌ، والمأثور الدينيّ يقول: “الحياءُ شُعبةٌ من شُعَب الإيمان“، ويضيف أيضًا أن: “ما أُخِذَ بسَيفِ الحَياءِ حرام“؛ والمعنى أن التعويلَ على رقةِ مشاعر الآخر، وإجباره على القيام بأمرٍ يكرهه ولا يتمكَّن من رفضه؛ عمل غير مقبول.
***
إذا قيل عن امرأةٍ إن “عينها قوية“، كان الوصفُ كنايةً عن قُدرتها الأكيدة والملحوظة على المواجهة؛ بغير أن تخجلَ من الأطراف الأخرى، وبغير خِشية أو تهيُّب. الصورةُ الذهنية المُفضَّلة لدى قسم من الرجال تحبذُّ وجود المرأة في مَوضِع ضَعف؛ تحمرُّ وجنتاها وتنكسِر عيناها وتتلعثم في الكلام؛ حال أن تتعرضَ لموقف غير مألوف أو معتاد؛ لكن هذه الصورة سقطت وتحطمت بمرور الوقت في أكثر من مَوضِع، ولم تعد النساءُ خجولات أو مُدربات على اصطناع الخجل كما كن من قبل.
***
في حقابٍ سابقة كان الفاسدون يُخفون فسادَهم ويرسمون صورةً بريئةً ناصعة أمام الناس، كذلك كان السَّاسةُ ناجحين في مواراة أهدافهم الخبيثة، والتجمُّل أمام نظرائهم وأمام العالم أجمع، وكان مقياسُ النجاح براعةَ الإخفاء والخداع. تدريجيًا فَقَدَ هذا الفريقُ وذاك الدوافعَ التي تحرضهما على التأنُّق، وراحا يعلنان في صراحة مُفجِعة ما أبطنت النفوس، لا يهتمان بتزيينه ولا حتى بتهذيبه، وقد دفعت النمذجة كثير المواطنين العاديين لأن يحذوا حذو المُتبجحين أصحاب السُّلطة والقوة والنفوذ؛ فيمارسون سلوكيات قبيحة على الملأ، بل ويدافعون عن حقوقهم فيها ويعتدون على من يحاول إيقافهم أو ردَّهم عن الخطأ. يأتي سائق في الاتجاه المعاكس ويعطل الطريق ثم يَسُب القادمين في الاتجاه الصحيح. يغشُّ التلاميذُ في المدارس ثم يعتدي أولياءُ أمورهم على المعلمات والمعلمين الذين عرقلوا عملية الغش. تستولي المقاهي على الأرصفة وتقتطع من حرم الشوارع ثم تمنع السيارات من الوقوف بقربها وتضع أحجارًا وأوتادًا وأقماعًا وبعض الأحيان حواجز بل وتتشاجر مع السائقين. الأمثلة عديدة ومتنوعة وأسوأها من يعد ولا يستحي أن ينكص بوعوده ويتراجع عنها؛ بل وينظر في أعين الناس مُتحديًا قدرتهم على ردعه وإلزامه بها.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
