بدايةً، يحتل المنتخب الوطني الأميركي لكرة القدم المركز الـ16 في ترتيب «فيفا»، وقد تأهل الفريق إلى الدور الثاني في بطولة كأس العالم الأخيرة في قطر، ويُتوقع له أن يبلي بلاءً حسناً في كأس العالم الجارية. إلا أنه، برغم ذلك، لا تتمتع كرة القدم بشعبية مماثلة للشعبية التي تعرفها لعبة الفوتبول (كرة القدم الأميركية)، أو البيسبول، أو كرة السلة.
ووجد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «مورنينغ كونسلت» أن ثلث الأميركيين يعدّون أنفسهم من مشجعي كرة القدم، إلا أن هذه النسبة ترتفع كثيراً لتقترب من الثلثين بين الأميركيين من ذوي الأصول اللاتينية.
ويرتبط عدم ارتفاع شعبية كرة القدم بأسباب ثقافية ومجتمعية أميركية بالأساس، بما يمكن أن نطلق عليه «الاستثناء الأميركي»، في الوقت الذي تُعد فيه كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية على الإطلاق في أغلب دول العالم، بمختلف قاراته وأقاليمه.
وبدايةً، لا يطلق الأميركيون على كرة القدم اسم Football كما تسمى في سائر أنحاء العالم، بل يسمونها Soccer.
***
لدى الأميركيين هوس بأن يكونوا على القمة، حيث تعتقد الأغلبية العظمى منهم أن أميركا هي الدولة التي قاتلت طوال تاريخها لتكون القوة العظمى الأولى في العالم، والتي هي عليها الآن. وتؤمن المدرسة الفكرية الأميركية بأن «أميركا» الفكرة و«الحدوتة» عظيمة بطبيعتها.
يرى أغلب الأميركيين أنهم قاتلوا في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية للحصول على هيمنة عالمية كاملة. والنقطة المهمة هنا أن الثقافة الأميركية تريد دائماً السيطرة على كل شيء، والتأكد من أنها على قمة الهرم.
ومع الرياضة، لا يختلف الأمر كثيراً، فالرياضات الثلاث الأكثر شعبية في الولايات المتحدة هي الفوتبول والبيسبول وكرة السلة، وتُعد أميركا الأفضل عالمياً في كل منها. وقد شاركت الولايات المتحدة في 18 دورة ألعاب أولمبية، فازت خلالها 15 مرة بالميدالية الذهبية في كرة السلة. أما الرياضتان الأخريان فلا يعرفهما العالم جيداً، وربما يقتصر الاهتمام بهما على الأميركيين.
هكذا تدفع الثقافة الأميركية دائماً إلى أن تكون الأفضل في كل شيء، ولأنها لا تستطيع أن تكون الأفضل في كرة القدم، فمن المحتمل أن يكون هذا سبباً وجيهاً لانخفاض شعبية هذه الرياضة.
وثمة عامل آخر قد يبدو هامشياً، ويتضح من أحجام وأوزان لاعبي الرياضات الأكثر شعبية. فكثيرون لا يدركون أن كرة القدم لا تفرض محددات جسمانية صارمة، فوق المحددات المعتادة، تحدد كفاءة اللاعب وتسهم فيها.
فهناك لاعبون ممتازون من قصيري القامة مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي، وهناك طوال القامة مثل البولندي روبرت ليفاندوفسكي، في حين يتمتع لاعبو كرة السلة والفوتبول والبيسبول بأجسام تقترب من أجسام العمالقة مقارنة بالبشر العاديين.
سبب آخر لعدم شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة هو عمق جشع الرأسمالية الأميركية وتحكمها الكبير في الرياضة بصورة مختلفة. فالشركات تريد الظفر بأكبر قدر ممكن من المال من وراء الرياضة وممارستها ومشاهدتها، وتتحكم الإعلانات والرعاية التجارية في الفعاليات الرياضية بصورة كبيرة، ويُعد مصدر الدخل الرئيس عند بث الأحداث الرياضية هو الإعلانات.
وهذا يعني أنهم يفضلون الرياضات الأكثر ملاءمة لبث الإعلانات، وليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه الرياضات هي البيسبول والفوتبول وكرة السلة. وتسمح قوانين هذه الرياضات بتوقف اللعب لفترات تتيح عرض مئات الفواصل الإعلانية أثناء البث.
وعلى النقيض، فإن كرة القدم ليس لديها إلا فترة استراحة واحدة فقط بين الشوطين، وهذا يجعلها أقل ملاءمة للإعلانات الضخمة، ما يعني أن شبكات التلفزيون الكبرى لن تعطيها الأولوية عند تحديد اختيارات البث.
ولا يرحب كثير من الأميركيين بفكرة مشاهدة مباراة كرة قدم كاملة لينتهي بها الأمر بالتعادل السلبي. فبالنسبة إليهم يجب أن يكون هناك فائز. وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن مشاهدة المباراة لا تستحق كل هذا العناء وإهدار الوقت؛ إذ يبدو الأمر وكأن الفريقين قد خسرا.
ومن أهم العناصر الثقافية المؤثرة في شعبية كرة القدم بين الأميركيين نظرة كثيرين إليها على أنها رياضة نسائية. فأميركا إحدى القوى الكبرى في كرة القدم النسائية، وقد فازت بكأس العالم أربع مرات، ووصلت إلى المباراة النهائية مرات عديدة، وأسهم ذلك في جعل كرة القدم واحدة من الرياضات المفضلة لدى النساء الأميركيات.
***
ألعب كرة القدم مع أصدقاء أميركيين على مدى العقدين الماضيين، لذلك أؤكد، من تجربة شخصية مستمرة حتى اليوم، أن هناك تزايداً في الاهتمام بهذه الرياضة، بما يمكن معه أن تتضاعف شعبيتها ويتسع القبول الاجتماعي والثقافي لها.
ومن حسن الحظ أن الثقافة الأميركية تتغير باستمرار ومن دون توقف، ومن حسن الحظ أيضاً ضخامة أعداد المهاجرين إلى الولايات المتحدة من دول أميركا الجنوبية العاشقة لكرة القدم، ومن بقية دول العالم.
وقد شاهدنا جميعاً اللاعب تيموثي وياه، نجل الدولي السابق جورج وياه، رئيس ليبيريا الأسبق، يسجل أول أهداف أميركا في مونديال قطر الأخير. وأتصور أن أبناء مهاجري اليوم سيعطون كرة القدم حقها من الاهتمام والإجادة، بخاصة مع توافر الإمكانات المادية والدعم من ملاعب وأدوات تدريب وبرامج لياقة، ما يسمح لنا بتوقع مشاهدة المنتخب الأميركي في الأدوار النهائية لكأس العالم الجارية.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
