كنا ونحن صغاراً نفضل أن نذاكر دروسنا ونستعد للامتحانات ضمن مجموعة أصدقاء أو زملاء. أذكر أننا كنا نستبعد، وبخاصة في وقت الأزمة، الكسول والمشاغب وغير الراغب في التحسين والتحصيل. كنا، كجماعة مختارة، نحقق نتائج أفضل، حتى وإن اختلفت مشاربنا الأكاديمية.
كانت أمي خبيرة تعرف كيف تميز بين أعضاء جماعات اللعب والتنزه وأعضاء جماعات الدرس و«المذاكرة». ترحب بهم جميعاً طالما التقوا خارج دائرة الأزمات، أي خارج مواسم الامتحان، ولا تشجع حضور «الأشقياء» ومن كانت تطلق عليهم «عيال لعبية وبطيئي التفكير» في اجتماعات نهاية العام الدراسي.
***
على ذكر أمي، لا أريد المرور مرور الكرام على إحدى فضائلها المتعلقة بموضوع حديثنا، ألا وهي قوة الذاكرة أو الذاكرة القوية. كانت تحكم على تصرفاتي وفقاً لتجارب خاضتها، بخاصة شقيقتها الكبرى سناً أو أمها أو إحدى الشقيقات الأخريات.
كنت أعرف أن الشقيقات لا يتزاورن، إنما يلتقين كل نهاية أسبوع في بيت العائلة بالجمالية لقاءً مطولاً. وبدقة أكبر، كان اللقاء الأهم هو ذلك الذي ينعقد أسبوعياً حول «السبرتاية» وصينية إعداد القهوة وسلسلة من أحاديث الذكريات والتجارب. هناك، في هذا اللقاء، تتعمق الذكريات وتتقوى الذاكرة الجمعية والمفردة حتى تصير منهجاً «مشروعاً» للسلوك؛ سلوكهن كزوجات وشقيقات وأمهات ومربيات و«صانعات رجال» بلغة ذلك الزمن.
***
من حسن حظي وحظ آخرين من زملائي في السنوات النهائية لدراستنا الجامعية أن عاد من الخارج اثنان من شباب الخريجين الموفدين للحصول على الدكتوراه، عادا ليتوليا تدريس مادة أو أخرى من المواد الضرورية لحصولنا على شهادة التخرج.
أشهد أن لكليهما الفضل، بدرجة أو أخرى، في تكوين أفضل لعقولنا وفي تدريبنا على التعامل مع تحديات التخرج واستقبال المستقبل.
أذكر أن فتح الله الخطيب، أحد الاثنين العائدين لتوهما من الخارج، كان على امتداد آخر سنة دراسية لنا يعقد لعدد مختار من الطلبة اجتماعاً أسبوعياً في بيته الكائن بحي الدقي بالقاهرة، يتنافسون فيه على تطبيق ما تعلموه عن تفاصيل التاريخ الدبلوماسي ونظريات العلاقات الدولية على سياستنا الخارجية، وعلى كيفية تجاوز عراقيل الحياة العملية باستخدام ما تراكم لدينا من ذكريات.
كنا نطرح هذه الذكريات ثم ننغمس في إجراء تجارب لتقويمها وتجديدها. ولعلها المرحلة التي تستحق الإشادة لما فعلته بأسس مخزون الذكريات، وبخاصة تقوية محتواه وجعله جاهزاً للاستفادة منه في كل الأوقات.
***
مرت السنين، تخرجت وسافرت لأعمل في الهند ثم في الصين. كنت أتابع أخباره وأخبار زميله إبراهيم صقر.
أذكر أنني دعوت الدكتور فتح الله مع عروسه ليقضيا بعض أيام شهر العسل في بيتنا في روما؛ المدينة الساحرة التي نُقلت إليها بعد قضاء مدة في بكين.
وكان للدكتور صقر، هو الآخر، نصيب من روما عندما نزل علينا ضيفاً خلال إقامته في إيطاليا ضمن وفد برلماني مصري.
***
عدت إلى الجامعة بعد عشر سنوات أو أكثر من العمل في الدبلوماسية، عدت مدفوعاً بروح التمرد وساعياً إلى التحسين والتجديد والتغيير.
هناك قابلت علي الدين هلال يستعد لتقديم رسالة الدكتوراه. كان حاضراً، والسيدة العظيمة إجلال، في كل مرة احتجنا فيها إلى مشورة أكاديمية أو إلى ربّتة على كتفينا.
أذكر أنني وصفته في رسالة لزميل من دبلوماسيي مصر في نيويورك بأنه أشبه بنسمة دافئة في مدينة لا تعرف إلا برد الصقيع وهبات الجليد.
كنا نقضي الساعات نتجول في أنحاء الجامعة التي كنا ندرس فيها أو في الحي الذي كنا نسكنه، فيذكرني بأهم ما نُشر حديثاً في موضوعات أدرسها، فأعود في نزهتنا التالية لأناقشه في بعض ما قرأت، وأستمع إلى خلاصات ما توصل إليه أو ما ينوي فعله.
كان علي الدين هلال، وما يزال، نعم الزميل والصديق والأستاذ.
أذكر بعض أسعد الأيام والأمسيات التي قضيناها معاً في بيتنا بتونس، المدينة الهادئة والودودة في آن، ونحن نكتب «النظام الإقليمي العربي».
***
أذكر أنني كنت في جامعة ماكغيل بمونتريال ضمن عشرة طلاب من جنسيات متعددة ندرس العلاقات الدولية ونظريات صنع قرار السياسة الخارجية على يد أحد أكفأ علماء السياسة في الغرب.
كان يطرح علينا في نهاية الحلقة الدراسية (السيمينار) عنوان موضوع نفكر فيه ونعود بعد أسبوع لنتناقش حوله، أو كان يعرض علينا نقطة خلافية توقف عندها خلال إعداده أحد فصول مخطوطة كتاب عن صنع السياسة الخارجية، ويطلب منا مساعدته في التوصل إلى صيغة مناسبة لتسوية الخلاف الفكري الدائر في ذهنه حول هذه النقطة المحورية.
صدر الكتاب بعد أعوام، وأذكر أن نسخة منه وصلتني إلى عنواني في القاهرة مع إهداء وشكر منه.
وأذكر أيضاً أنه طلب مني في نهاية فصل دراسي تقديم عرض موجز لمشروع رسالة الماجستير الذي أنوي التقدم به لمناقشته مع الزملاء ومعه. وبالفعل استفدت كثيراً من مشاركة الزملاء.
***
ظل هذا النوع من العمل الجماعي يحظى بتفضيلي إلى يومنا هذا باعتباره الأسلوب الأمثل لشحذ قريحة المشاركين وزيادة أو تحسين محتوى الذاكرة لدى كل منا.
سعدت أيّما سعادة يوم استدعاني رئيس تحرير “الأهرام” إلى مكتبه بالطابق الرابع وسط انشغالنا بتأسيس مركز للدراسات الاستراتيجية.
استقبلني محمد حسنين هيكل، كعادته، بالاستفسار عن آخر فكرة «براقة» سمعتها أو قرأت عنها أو أتداولها مع أصدقائي، لينتقل بعدها إلى سبب الاستدعاء.
قال إنه يفكر في تنظيم لقاء دوري يضم من نعتقد أنه يمكن أن يفيدنا في مشروعنا، مشروع إقامة مركز للبحوث لا تختلف فكرته كثيراً عن المركز الشهير المقام في لندن.
عاد يؤكد، وهو يودعني، أهمية أن نبقي الأمر بيننا إلى أن نقرر نهائياً.
انتظم اللقاء ليُعقد كل ثلاثاء في الخامسة مساء. لا جدول أعمال، ولا ورقة عمل إلا في حالات استثنائية، ولا تصوير، ولا مكالمات هاتفية حتى لرئيس التحرير. بمعنى آخر، لا مؤثرات خارجية من أي نوع. حتى المشروبات الساخنة والمرطبات كانت موجودة في أحد أركان غرفة الاجتماع، وهي إحدى الغرف التي يتكون منها ما كان يعرف بمكتب رئيس التحرير.
***
حضر بانتظام هذه اللقاءات، على ما أذكر، كل من عبد الحليم بدوي، وهشام عامر، وأسامة الباز من وزارة الخارجية، وسميح صادق، وحاتم صادق، ومحمد سيد أحمد، ورئيس التحرير، وكاتب هذه السطور من “الأهرام”.
وحضر، على ما أذكر، بصورة غير منتظمة وبدعوات خاصة، عبد الوهاب المسيري، والعقيد القذافي، واللواء حسن البدري.
أذكر، من دون صعوبة كبيرة، كيف كانت ثمار هذه الاجتماعات مفيدة للجميع، وبخاصة لعمل المركز في سنواته الأولى.
أذكر مثلاً الرحلة التي تقررت باسم المركز لزيارة عدد من دول آسيا على ضوء اقتناع المجلس بفكرة «القرن الآسيوي» وتبعاتها بعيدة المدى على النظام الدولي وعلى نظامنا الإقليمي.
وأذكر جيداً احتلال أحوال الخليج العربي مكانة بارزة في تفكير معظم أعضاء المجلس، وقد جاءت ترجمتها في رحلة أخرى قادتنا نحن الاثنين إلى معظم العواصم العربية، باستثناء عاصمتين أو ثلاث، قمنا بها خارج إطار المركز.
كان المجلس فرصة رائعة لشحذ قدراتنا الفكرية بعيداً عن قيود الحساسية الزائدة، وإضافة ثمينة إلى مخزون الذاكرة.
كم تمنيت أن تتكرر تلك الأيام والشهور في مستقبل حياتي!
***
حضر هذا المستقبل.
حضر محملاً بأحمال ثقيلة، أثقل كثيراً من كل توقعاتنا.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
