وبسبب أصوله الألمانية، وكونه مشجعاً أصيلاً لفريق «جرويتر فورث» (Greuther Fürth) الألماني في مسقط رأسه، عشق كيسنجر كرة القدم منذ طفولته. وعلى الرغم من أن الفريق الذي كان يحلم بالانضمام إليه كان يتشكل من هواة محليين، فإنه فاز، على نحو بدا استثنائياً، بالبطولة الألمانية ثلاث مرات خلال طفولة كيسنجر.
انزعج كيسنجر مبكراً، منذ وصوله لاجئاً إلى الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية، من أن الشعب الأميركي لا يطلق على لعبة كرة القدم اسم (Football)، كما تُسمى في سائر أنحاء العالم، بل يطلق عليها اسم «سوكر» (Soccer). ورغم تأهل الولايات المتحدة إلى نهائيات كأس العالم 11 مرة، ووصولها إلى الدور نصف النهائي عام 1930، وإلى ربع نهائي مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، فإن كرة القدم لا تتمتع في أميركا بالشعبية التي تحظى بها رياضات أخرى، مثل كرة السلة وكرة القدم الأميركية والبيسبول. ومن هنا قرر كيسنجر أن يبذل كل ما يستطيع لرفع شعبية اللعبة في الولايات المتحدة.
حضر كيسنجر عدداً من المباريات التاريخية، منها نهائي كأس العالم عامي 1970 و1994. وكان يتسبب بالكثير من التوتر لمساعديه بسبب حرصه على تنظيم جدول مواعيده بما لا يتعارض، قدر الإمكان، مع متابعة مباريات كأس العالم والتزاماته المهنية.
***
بعد اعتزال أسطورة كرة القدم العالمية بيليه اللعب مع منتخب بلاده البرازيل عقب الفوز التاريخي على إيطاليا في نهائي كأس العالم 1970، وبعد تجاوزه الثلاثين من العمر، انهالت عليه عروض الاحتراف من أندية إسبانية وإيطالية، إلا أنه فضّل الاستمرار مع فريقه البرازيلي المحبوب سانتوس.
وفي مطلع عام 1974، سافر كيسنجر إلى ساو باولو، وطلب لقاء بيليه للحديث معه في أحد المقاهي. وخلال اللقاء، أقنعه بأهمية الانتقال للاحتراف في نادي «كوزموس نيويورك»، معتبراً أن هذه الخطوة يمكن أن تغيّر خريطة كرة القدم العالمية، وأن تغرس بذرتها في الولايات المتحدة.
وأبرز كيسنجر الدور الذي يمكن أن يؤديه بيليه في إخراج كرة القدم من نطاق المدارس الثانوية الأميركية لتصبح إحدى الرياضات المهمة في الجامعات، وللمساهمة في تأسيس دوري للمحترفين. وقال له: «اسمع، أنت تعرفني كسياسي، لكنني، بوصفي عاشقاً لكرة القدم، أريد مساعدتك في الترويج للعبة في الولايات المتحدة».
وافق بيليه على الفكرة معتقداً أنه سيمضي عاماً واحداً هناك، لكنه لعب لفريق كوزموس ثلاثة أعوام، إلى جانب نجوم عالميين آنذاك، مثل فرانز بيكنباور ويوهان كرويف.
توقع كيسنجر أن يكون وجود هؤلاء اللاعبين كافياً لتغيير وجه كرة القدم داخل أميركا، إلا أن ذلك لم يحدث، وفشلت المحاولة الأولى.
***
عاد كيسنجر لاحقاً إلى مشروعه الكروي، متزعماً جهود الولايات المتحدة للحصول على حق استضافة كأس العالم عام 1994. ونجحت بلاده في مسعاها لأسباب كثيرة، من بينها شبكة علاقاته الدولية الواسعة، رغم حداثة عهد أميركا بكرة القدم.
وبعد نجاح دييغو مارادونا في قيادة الأرجنتين إلى الفوز بكأس العالم عام 1986، ثم خسارة المباراة النهائية عام 1990، أصبح هدفاً جديداً لكيسنجر، الذي أراد توظيف نجوميته لتطوير كرة القدم في الولايات المتحدة ورفع شعبيتها قبل استضافة مونديال 1994.
وكان جهل غالبية الأميركيين آنذاك بنجوم اللعبة في العالم، مثل الإيطالي روبيرتو باجيو، والروماني جورجي هاجي، والكولومبي كارلوس فالديراما، مصدر قلق كبير لكيسنجر.
لكن مارادونا كان معروفاً لدى الأميركيين منذ مونديال 1986، ولا سيما بعد هدفيه الشهيرين في مرمى إنجلترا. فقد سجل الهدف الأول بيده من دون أن يلاحظ الحكم ذلك، قبل أن يسجل هدفه الاستثنائي الذي اعتبره الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أعظم هدف في تاريخ كأس العالم، عندما استلم الكرة في نصف ملعبه، ولامسها 11 مرة، مراوغاً خمسة لاعبين إنجليز، قبل أن يخدع الحارس بيتر شيلتون ويضعها في الشباك.
غير أن جهود كيسنجر لاستقطاب مارادونا إلى الدوري الأميركي قبل مونديال 1994 لم تنجح، فقرر الانتظار إلى ما بعد البطولة، إلا أن مارادونا كان له رأي آخر. فقد لعب مباراتين فقط أمام اليونان ونيجيريا، ثم خضع، بعد المباراة الثانية، لاختبار منشطات أثبت تعاطيه مواد محظورة، فقرر «فيفا» إيقافه. وعاد بعدها إلى الأرجنتين ليختتم مسيرته لاعباً في صفوف بوكا جونيورز حتى عام 1997.
وهكذا، فشلت أحلام كيسنجر في جذب مارادونا إلى الدوري الأميركي الصاعد، سواء قبل استضافة بلاده لكأس العالم عام 1994 أو بعدها، بسبب فضيحة المنشطات.
***
شكّل انضمام أيقونة كرة القدم المعاصرة، ليونيل ميسي، إلى صفوف إنتر ميامي في ولاية فلوريدا خبراً مثيراً للكرة الأميركية، باعتباره فرصة جديدة ونادرة لتغيير خريطة اللعبة في الولايات المتحدة.
وميسي، الذي توّج بالكرة الذهبية ثماني مرات، وقاد الأرجنتين إلى الفوز بكأس العالم في قطر بعد نهائي مثير أمام فرنسا حُسم بركلات الترجيح، اختار إنهاء مسيرته الكروية في فلوريدا، بعدما كان موضع منافسة سعودية وإسبانية.
ويمثل اختياره الولايات المتحدة محطة أخيرة في مسيرته تحدياً له، كما يشكل اختباراً جديداً لمستقبل شعبية كرة القدم في أميركا.
لم يعش كيسنجر ليرى افتتاح مونديال 2026، ولم يعرف ما إذا كان تأثير ميسي سينعكس على أداء المنتخب الأميركي، الذي لا يتوقع كثيرون أن يحرز اللقب. وربما كان كيسنجر سيظل استثناءً في إيمانه بقدرة منتخب بلاده على الفوز بكأس العالم، إن لم يكن في حياته، فربما بعد رحيله.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
