نقد المقاربة الثقافوية للفاشية عند عزمي بشارة!

في عرضه لما يسميه «عوارض الفاشية»، يسعى عزمي بشارة إلى بناء نموذج تفسيري يعرّف الفاشية من خلال جملة من السمات الفكرية والثقافية والسلوكية، مثل تقديس الجماعة والقائد، وتحويل الأفكار والرموز إلى موضوعات للإيمان، وتبرير العنف باسم قضية عليا، وإنتاج الأساطير المؤسسة للهوية الجماعية، وقمع التفكير النقدي الحر. ووفق هذه المقاربة، لا تُفهم الفاشية بوصفها تجربة تاريخية محددة ارتبطت بأوروبا في مرحلة معينة فحسب، بل باعتبارها قابلية كامنة يمكن أن تظهر في حركات وأيديولوجيات مختلفة، دينية كانت أم علمانية، متى اجتمعت فيها هذه العناصر.

لا شك في أن هذه المقاربة تضيء جانباً مهماً من الظاهرة الفاشية، يتمثل في آلياتها الأيديولوجية والثقافية وطرائق اشتغالها على الوعي الجمعي. غير أنها تثير إشكالية منهجية أساسية، لأنها تنقل التحليل من مستوى البنية المادية الاجتماعية والاقتصادية والصراع الطبقي إلى مستوى الوعي والرموز والخطاب السياسي. فبدلاً من البحث في الشروط التاريخية والمادية التي أنتجت الفاشية وصعدت بها إلى السلطة، يصبح التركيز منصباً على أعراضها الفكرية والنفسية. وبهذا المعنى، تغدو الفاشية نموذجاً ثقافياً عاماً أكثر منها ظاهرة تاريخية محددة ارتبطت بأزمة الرأسمالية الأوروبية وبمصالح طبقية بعينها.

ولعل المشكلة الأساسية في هذا النوع من المقاربات ليست فيما تذكره عن الفاشية، بل فيما تغفله. فهي تقدم وصفاً دقيقاً نسبياً لبعض تجلياتها الثقافية والأيديولوجية، لكنها تفصل هذه التجليات عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها ومنحتها فعاليتها السياسية.

أولاً: تحويل الفاشية من ظاهرة تاريخية طبقية إلى ظاهرة ثقافية عامة

في التحليل الذي قدّمه جورجي ديميتروف، لا تُعرّف الفاشية أساساً من خلال الأساطير والطقوس وعبادة الزعيم، بل بوصفها:

“الديكتاتورية الإرهابية السافرة لأكثر عناصر رأس المال المالي احتكاراً ورجعية وإمبريالية”.

لم يكن هذا التعريف مجرد بناء نظري مجرد، بل خلاصة تجربة تاريخية ملموسة عاشتها أوروبا بين الحربين العالميتين.

ففي إيطاليا، أعقبت الحرب العالمية الأولى أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، رافقها تصاعد غير مسبوق للحركة العمالية والاشتراكية، واحتلال المصانع، واتساع الإضرابات الجماهيرية فيما عرف بـ«السنتين الحمراوين» (1919-1920). وقد أثارت هذه التطورات مخاوف عميقة لدى كبار الصناعيين والملاكين العقاريين والدوائر المحافظة، الذين رأوا في صعود الحركة العمالية تهديداً مباشراً للنظام الاجتماعي القائم. وفي هذا السياق، تلقت الميليشيات الفاشية بقيادة موسوليني دعماً مالياً وسياسياً متزايداً من قطاعات نافذة في البرجوازية الإيطالية، باعتبارها أداة فعالة لسحق التنظيمات العمالية والنقابية واستعادة الاستقرار بالقوة.

أما في ألمانيا، فقد جاء صعود النازية في ظروف أكثر دراماتيكية. إذ أدت أزمة 1929 إلى انهيار اقتصادي واسع النطاق، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتفكك قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى. وفي الوقت نفسه، ازداد نفوذ الأحزاب العمالية واليسارية، الأمر الذي دفع قطاعات مهمة من الرأسمال الصناعي والمالي ومن النخب البيروقراطية والعسكرية إلى النظر إلى هتلر بوصفه حاجزاً في مواجهة احتمال التحول الثوري. وعندما وصل الحزب النازي إلى السلطة لم يُلغِ الملكية الرأسمالية الكبرى، بل حافظ عليها وعزّز مواقعها، في الوقت الذي شن فيه حملة قمع شاملة ضد النقابات والحركة الشيوعية والاشتراكية وسائر القوى المعارضة.

ولا يعني ذلك أن الفاشية كانت مجرد أداة ميكانيكية بيد رأس المال الكبير. فقد امتلكت قاعدة اجتماعية حقيقية، خاصة في أوساط البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى المأزومة والمحاربين القدامى والشرائح التي شعرت بالتهديد من التحولات الاقتصادية والاجتماعية. كما لعبت القومية المتطرفة والأساطير الجماعية وعبادة الزعيم دوراً حاسماً في تعبئة هذه الكتلة الاجتماعية وتوحيدها. غير أن هذه العناصر لا تفسر وحدها نشأة الفاشية، بل تكتسب معناها ضمن السياق التاريخي والاجتماعي الذي أفرزها.

ومن هذه الوقائع استخلص ديميتروف أن الفاشية ليست مجرد منظومة أفكار أو رموز أو طقوس سياسية، بل شكل محدد من أشكال السلطة تلجأ إليه الطبقات المهيمنة عندما تدخل الرأسمالية في أزمة عميقة وتعجز الأشكال الليبرالية التقليدية للدولة عن احتواء التناقضات الاجتماعية وضمان استمرار الهيمنة الطبقية.

ومن هنا فإن السؤال الأول في التحليل التاريخي للفاشية ليس: ما هي رموزها وأساطيرها؟ بل: ما هي القوى الاجتماعية التي أوصلتها إلى السلطة؟ ولصالح أي مصالح طبقية تمارس حكمها؟

أما في نص بشارة، فيغيب هذا البعد بصورة شبه كاملة. فلا يكاد يظهر رأس المال الاحتكاري، ولا أزمة الرأسمالية، ولا الصراع الطبقي بوصفه خلفية لصعود الفاشية. ونتيجة لذلك تبدو الفاشية أقرب إلى نمط من الوعي أو نموذج ثقافي يمكن أن يظهر في أي جماعة تقريباً متى توافرت له شروطه النفسية والرمزية.

ثانياً: اختزال أسباب الفاشية في مظاهرها الأيديولوجية

لا يترتب على ما سبق إنكار أهمية الخطاب القومي والأسطورة الجماعية وعبادة الزعيم في التجربة الفاشية. فهذه العناصر كانت جزءاً أساسياً من بنيتها السياسية. غير أن تحويلها إلى تفسير كافٍ للفاشية يؤدي إلى قلب العلاقة بين الأسباب والنتائج.

فالأيديولوجيا الفاشية لم تظهر في فراغ، ولم تكتسب قوتها التعبوية بسبب خصائصها الفكرية وحدها، بل لأنها استجابت لأزمة اجتماعية وسياسية عميقة عاشتها مجتمعات رأسمالية محددة. ولهذا فإن التركيز على الخطاب والأسطورة بمعزل عن الشروط التاريخية التي جعلتهما ممكنين يقود إلى تفسير الفاشية من خلال نتائجها الظاهرة بدلاً من تفسيرها من خلال أسبابها البنيوية.

إقرأ على موقع 180  اليمين الزاحف إلى أوروبّا.. عودة الفاشيّة!

ثالثاً: التوسع المفرط في مفهوم الفاشية والمساواة بين الضحية والجلاد

النقطة الأكثر إشكالية في هذا النوع من المقاربات هي أنها توسع مفهوم الفاشية إلى درجة يفقد معها خصوصيته التاريخية والسياسية.

فعندما تصبح مؤشرات الفاشية هي:

  • وجود قضية كبرى أو رسالة تاريخية.
  • وجود قائد كاريزمي.
  • حضور الرموز والشعارات.
  • الانضباط التنظيمي.
  • التعبئة الجماهيرية.

فإن نطاق المفهوم يتسع ليشمل الأحزاب القومية والأحزاب الدينية والحركات الثورية وحركات التحرر الوطني وأحزاب المقاومة والأحزاب الشيوعية وجماعات أخرى متباينة جذرياً في أهدافها وموقعها الاجتماعي.

وعند هذه النقطة يضيع الفارق الجوهري بين حركة تحرر تقاوم احتلالاً استعمارياً وتسعى إلى التحرر الوطني، وبين حركة فاشية تسعى إلى الهيمنة والتوسع وإخضاع الآخرين. فوجود قضية جماعية أو زعامة سياسية أو رموز تعبئة لا يكفي بذاته لتعريف الفاشية، وإلا لتحولت غالبية الحركات السياسية الكبرى في التاريخ الحديث إلى ظواهر فاشية بدرجات متفاوتة.

رابعاً: المساواة الضمنية بين الشيوعية والفاشية

حين يضع عزمي بشارة ضمن مؤشرات الفاشية ما يسميه «تقديس الطبقة» أو «تحويل إنتاج مثقف إلى نص مقدس»، فإنه يقترب من أطروحة شائعة في الفكر الليبرالي الحديث تحت مفهوم «الشمولية»، حيث تُوضع الشيوعية والفاشية والقومية الراديكالية والحركات الدينية ضمن خانة واحدة بوصفها تجليات مختلفة للبنية السياسية ذاتها. غير أن هذا التماثل يظل ناقصاً من منظور تاريخي واجتماعي، لأنه يتجاهل السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة السلطة والطبقات التي تخدمها.

فالنازية حافظت على البنية الأساسية للملكية الرأسمالية وعززت مواقع الرأسمال الكبير داخل المجتمع والدولة، بينما انطلقت الشيوعية، على الأقل نظرياً وتاريخياً، من مشروع يستهدف إلغاء هيمنة رأس المال وإعادة تنظيم المجتمع على أسس مختلفة. ومن ثم فإن وضع الظاهرتين في سلة واحدة انطلاقاً من بعض التشابهات الشكلية أو التنظيمية يؤدي إلى طمس الفوارق الجوهرية بينهما.

خامساً: تغييب البعد الإمبريالي للفاشية

ومن اللافت للانتباه أيضاً أن المقاربة الثقافوية للفاشية كثيراً ما تفصلها عن بعدها الإمبريالي والتوسعي. فالفاشية التاريخية لم تكن مجرد نظام قمع داخلي، بل ارتبطت عضوياً بمشاريع استعمارية وتوسعية وعنصرية. فقد سعت إيطاليا الفاشية إلى بناء إمبراطورية استعمارية جديدة، فيما جعلت النازية من التوسع العسكري والعنصرية البيولوجية وإخضاع الشعوب الأخرى ركائز أساسية لمشروعها السياسي.

ولذلك فإن اختزال الفاشية في مسألة الرموز والأساطير والطقوس يحجب أحد أهم أبعادها التاريخية، أي ارتباطها بمشروع عدواني يتجاوز حدود الدولة والمجتمع نحو السيطرة على شعوب ومجتمعات أخرى.

سادساً: هيمنة المقاربة الثقافوية

يدور النص في معظمه حول مفاهيم الوعي واللغة والرموز والأساطير والطقوس. وهي موضوعات مهمة بلا شك، لكنها تُعالج بمعزل عن البنية الاجتماعية التي تنتجها. وهذا ما يُعرف بالنزعة الثقافوية، أي الميل إلى تفسير الظواهر السياسية انطلاقاً من الأفكار والرموز والخطابات أكثر مما تُفسَّر انطلاقاً من علاقات الهيمنة الطبقية والمصالح المادية والبنى الاجتماعية. فالأيديولوجيا الفاشية ليست سبباً أولياً قائماً بذاته، بل أداة تعبئة سياسية واجتماعية تكتسب فعاليتها من واقع تاريخي محدد ومن مصالح اجتماعية واقتصادية ملموسة.

الخلاصة

في تحليله يُسلط عزمي بشارة الضوء على عدد من الآليات الثقافية والأيديولوجية التي رافقت التجارب الفاشية التاريخية وأسهمت في تشكيل وعيها الجماعي. غير أن تحويل هذه الآليات إلى تعريف للفاشية يفصل الظاهرة عن شروط نشأتها التاريخية والاجتماعية. فالخلاف الحقيقي ليس حول وجود الأساطير والرموز والقادة والخطابات التعبوية في الفاشية، وإنما حول ما إذا كانت هذه العناصر تفسر الفاشية أم أنها نفسها تحتاج إلى تفسير.

فبينما ينطلق التحليل المادي التاريخي من أزمة الرأسمالية والصراع الطبقي وتحالفات السلطة لفهم ظهور الفاشية وصعودها، تنطلق المقاربة الثقافوية من مظاهرها الفكرية والرمزية. وفي هذا الانتقال من الأسباب التاريخية إلى الأعراض الأيديولوجية تكمن الثغرة الأساسية في النص. فهو يصف الفاشية بدقة من حيث مظهرها الثقافي، لكنه يكاد يتجاهل الشروط التاريخية والاجتماعية التي جعلت هذا المظهر ممكناً، أي أزمة الرأسمالية وتحالف القوى المهيمنة للدفاع عن نظامها في مواجهة التحديات التي تهدد استمرار هيمنتها.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إسرائيل الطفل المُدلّل عند الغرب.. لماذا؟