سوريا الجديدة وإرث الجهادية المسلحة.. “حراس الدين” واختبار السلاح

لا تنتهي الحروب بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في إعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة، وفي الدول الخارجة من النزاعات يصبح السؤال الحاسم: من يمتلك حق استخدام القوة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد أو تقديم الخدمات، وإنما أيضاً بامتلاكها الحق الحصري في استخدام السلاح. وفي الحالة السورية، يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية بعد حرب طويلة أنتجت آلاف التشكيلات المسلحة.

لم يعد التحدي السوري يقتصر على إعادة إعمار المدن أو إنعاش الاقتصاد المنهك، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء مفهوم الدولة الذي تآكل خلال سنوات الصراع. فقد أدت الحرب إلى نشوء جماعات تمتلك قيادات مستقلة، ومصادر تمويل خاصة، وشبكات نفوذ عسكرية واقتصادية، فلم يعد السلاح مجرد أداة قتال، بل أصبح وسيلة لإدارة النفوذ والسيطرة على الموارد، ومع استمرار هذا الواقع، أصبحت عملية استعادة احتكار الدولة للقوة الشرط الأساسي للانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاستقرار.

في هذا السياق، يبرز تنظيم “حراس الدين” بوصفه نموذجاً يتجاوز حجمه العسكري الفعلي. فالتنظيم، برغم تعرضه لضربات متكررة وانحسار نشاطه خلال السنوات الأخيرة، يمثل آخر الامتدادات التنظيمية والفكرية لتنظيم “القاعدة” داخل سوريا. لذلك فإن دراسة مساره لا تتعلق فقط بمصير تنظيم محدد، وإنما تساعد على فهم الإرث الذي تركته الجهادية المسلحة، والتحديات التي تواجه الدولة السورية في إنهاء مرحلة تعدد مراكز القوة.

انقسام الجهادية

تعود جذور “حراس الدين” إلى التحولات التي شهدتها الحركة الجهادية السورية خلال الحرب. فقد كانت “جبهة النصرة” القوة الأكثر نفوذاً داخل هذا التيار، قبل أن تعلن عام 2016 فك ارتباطها بتنظيم “القاعدة” وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، قبل أن تتحول لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”. وقدمت القيادة هذا التحول باعتباره انتقالاً من مشروع جهادي عابر للحدود إلى مشروع محلي يركز على إدارة الساحة السورية، إلا أن هذه الخطوة أثارت اعتراض عدد من القيادات التي رأت فيها تخلياً عن المرجعية الفكرية والتنظيمية لـ”القاعدة”.

ومن رحم هذا الخلاف وُلد تنظيم “حراس الدين” عام 2018، ليعبر عن التيار الرافض للتحول نحو المشروع المحلي. لم يكن الانقسام مجرد خلاف تنظيمي أو شخصي، بل كشف عن اختلاف عميق حول طبيعة المشروع السياسي والعسكري. ففي حين فضلت “هيئة تحرير الشام” التركيز على إدارة مناطق النفوذ داخل سوريا، تمسك “حراس الدين” بفكرة الجهاد العابر للحدود والارتباط المباشر بتنظيم “القاعدة”. ومن هنا اكتسب التنظيم أهميته، باعتباره آخر ممثل لهذا الاتجاه في الساحة السورية.

وبرغم أن التنظيم أعلن حل نفسه عام 2024، فإن هذا الإعلان لا يعني بالضرورة اختفاء الظاهرة التي يمثلها. فخبرات التنظيمات الجهادية خلال العقود الماضية تشير إلى أن الضغوط العسكرية قد تدفعها إلى الانتقال من العمل العلني إلى النشاط السري. لذلك فإن نهاية التنظيم من الناحية التنظيمية لا تعني بالضرورة نهاية المشروع الذي قام عليه أو اختفاء إمكانات إعادة تشكله مستقبلاً.

وقد أسهمت عوامل عدة في تراجع “حراس الدين”. فقد تعرضت قياداته لسلسلة من الضربات العسكرية، كما واجه تضييقاً متزايداً داخل مناطق نفوذ “هيئة تحرير الشام”، إلى جانب العمليات الأميركية التي استهدفت عدداً من قادته وعناصره. وأدت هذه الضغوط مجتمعة إلى إضعاف بنيته التنظيمية، لكنها لم تؤد بصورة حاسمة إلى القضاء على الشبكات الفكرية أو البشرية التي تشكل بيئة التنظيم.

أي سوريا؟

من هنا ينتقل النقاش من مصير تنظيم بعينه إلى قضية أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة الدولة السورية المقبلة. ففي سنوات الصراع كان التنافس يدور بين الفصائل المسلحة حول النفوذ والشرعية والسيطرة على الأرض، أما اليوم فقد أصبح معيار النجاح مختلفاً، إذ يتمثل في قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة وإنهاء وجود أي مراكز عسكرية مستقلة خارج مؤسساتها الرسمية.

ولا يقتصر هذا التحدي على الجماعات الجهادية وحدها، بل يشمل جميع التشكيلات المسلحة التي نشأت خلال سنوات الحرب، مهما كانت انتماءاتها السياسية أو الأيديولوجية. فقد أنتج الصراع شبكات عسكرية واقتصادية واسعة ارتبطت مصالحها باستمرار النفوذ المسلح، الأمر الذي يجعل إعادة بناء الدولة عملية أكثر تعقيداً من مجرد إنهاء نشاط التنظيمات المتشددة.

ولا تكفي المقاربات الأمنية وحدها لإعادة بناء الدولة. فالمطلوب هو إنشاء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، ووضع آليات قانونية لدمج العناصر التي يمكن استيعابها داخل مؤسسات الدولة، مع تفكيك شبكات اقتصاد الحرب التي وفرت مصادر التمويل للجماعات المسلحة، إلى جانب معالجة المظالم المحلية التي استغلتها التنظيمات في عمليات التجنيد، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.

ويبرز اقتصاد الحرب باعتباره أحد أهم العوامل التي ساعدت على استمرار الجماعات المسلحة. فخلال سنوات الصراع تشكلت أنماط اقتصادية جديدة ارتبطت بالسيطرة على المعابر والطرق التجارية والموارد الطبيعية والأنشطة غير الرسمية. وأصبحت القوة العسكرية وسيلة للحصول على الموارد المالية وترسيخ النفوذ، وهو ما جعل استمرار بعض الجماعات مرتبطاً بالمصالح الاقتصادية بقدر ارتباطه بالأيديولوجيا.

مرحلة بناء الدولة

أما اليوم، فيُقاس نجاح الدولة السورية بقدرتها على إعادة بناء مؤسسات تمتلك الشرعية والكفاءة معاً. فالدولة التي تستطيع فرض سيادة القانون، وإخضاع جميع أشكال العمل العسكري لسلطتها، ستكون أكثر قدرة على منع عودة العنف من أي حملة أمنية مؤقتة.

إقرأ على موقع 180  جاء رئيسُ لبنان، بدأ العهد.. ماذا بعد؟ 

في الخلاصة، على الدولة السورية الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء الدولة. يستوجب ذلك ليس انهاء آخر امتدادات “القاعدة” في سوريا، بل بناء نظام سياسي ومؤسساتي يمنع ظهور امتدادات “قاعدية” جديدة، ويتطلب ذلك تفكيك البنية العسكرية غير النظامية، وقطع مصادر التمويل وانهاء مراكز النفوذ الاقتصادي، ومنع إعادة تشكيل شبكات التجنيد، ومعالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي راكمتها سنوات الحرب.

بناء عليه، قد يختفي “حراس الدين” كتنظيم، لكن نجاح الدولة لن يقاس بزوال اسمه، بل بقدرتها على استعادة وظائفها الأساسية وتحويل السلاح من أداة تنافس بين القوى إلى قوة وطنية خاضعة للقانون. وعندما تصبح المؤسسات أقوى من الفصائل، والقانون أقوى من السلاح، يمكن عندها الحديث عن نهاية فعلية لإرث الجهادية المسلحة، وبداية مرحلة جديدة تستند إلى دولة موحدة تحتكر القوة وتستند إلى شرعية المؤسسات، لا إلى موازين القوة التي فرضتها سنوات الحرب السورية.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  جاء رئيسُ لبنان، بدأ العهد.. ماذا بعد؟