ليبيا… “مبادرات” معلقة على صراع المصالح الكبرى

يوماً بعد يوم، يدخل الصراع الليبي في منعطفات جديدة، تتعدد معها السيناريوهات المستقبلية لهذا البلد الغارق في الفوضى الداخلية والصراعات الخارجية منذ الثورة على العقيد معمر القذافي في العام 2011. آخر تحولات المشهد الليبي اتخذت منحيين، أولهما ميداني، وتمثل في الانتكاسة العسكرية التي مني بها قائد "الجيش الوطني الليبي" المشير خليفة حفتر، بعد فقدانه السيطرة على الغرب، وانكفاء قواته مجدداً إلى الشرق والجنوب، والاندفاعة المقابلة التي باتت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، التي استحوذت مجدداً على زمام المبادرة، وباتت اليوم على مشارف مدينة سرت الاستراتيجية.

من الطبيعي أن تكون لانتكاسة حفتر واندفاعة السراج امتداداتها وخلفياتها الخارجية، لا سيما أن الصراع الداخلي الليبي هو انعكاس لصراعات خارجية متعددة الأطراف التي تتناقض وتتقاطع مصالحها على الأرض الليبية وفق أجندات استراتيجية، تتداخل فيها الطموحات الخارجية والمطامع الاقتصادية والهواجس الأمنية.
انطلاقاً مما سبق، ثمة ما يشي بأنّ المبادرة التي اعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم أمس، للتسوية في ليبيا، كانت استجابة سياسية للمتغيرات الميدانية، التي استطاعت فيها تركيا، الراعية الاقليمية لحكومة السراج، من تسجيل نقاط حساسة على الأطراف الأخرى المتنازعة على الساحة الليبية، ابتداءً من منافسيها العرب الذين بدأوا يفقدون رهانهم على حفتر، مروراً بشريكها الروسي اللدود الذي فضّل عدم وضع كل البيض في سلة ليبية واحدة، وصولاً إلى الأوروبيين المتهيبين من التأثيرات المترتبة على تكريس الحضور التركي عند حدودهم الجنوبية، والأميركيين المتوجسين من الطموحات الإقليمية لرجب طيب أردوغان.
في الظاهر، تبدو المبادرة المصرية انعكاساً لجهود خارجية تسارعت خلال الأيام الماضية، أي بعد الانتكاسة العسكرية لحفتر، بهدف اعادة دفع المسار السياسي بعد الانقلاب الذي احدثته تركيا في المسار العسكري، ومن أهم نتائجه، بعد تقدم القوات التابعة لحكومة السراج باتجاه سرت، هي نقل الصراع من الغرب إلى الشرق، أي من ملعب “حكومة الوفاق” إلى ملعب “الجيش الوطني”.
هذا التحوّل الميداني، اذا ما تم ربطه بحركة الاتصالات السياسية على أكثر مستوى، من شأنه أن يفتح الباب نظرياً أمام واحد من السيناريوهات المستقبلية التالية:
• الأول، هو تصعيد الأعمال العدائية من الجانبين، خصوصاً أن التحولات الميدانية قد تشكل قوة دافعة لمثل هذا السيناريو، وتؤكده المعارك الجارية حالياً على جبهتي سرت والجفرة.
• الثاني، هو تحقيق السلام بين المعسكرين بتوافق روسي – تركي، وهو أمر يبقى سابقاً لأوانه، بانتظار أن تستقر خطوط التماس الجديدة على الجبهات.
• الثالث، يعد امتداداً لما سبق، ويتمثل في تجميد الصراع، بما يمنح اللاعبين الخارجيين فرصة لتعزيز نفوذهم: تركيا في غرب ليبيا وروسيا ومصر ودول أخرى في الشرق.
بين السيناريوهات السابقة، يبقى الثالث هو الأكثر واقعية، ما يجعل من المبكر الحديث عن فرص نجاح المبادرة المصرية، لأسباب متعددة، أقلها أن مخرجاتها بدت “ليبية” صرف، وهو ما تبدّى في ما تضمنه “اعلان القاهرة” من مبادئ فضفاضة من قبيل “احترام كافة الجهود الأممية لحل الأزمة الليبية في إطارها السياسي”، و”وقف إطلاق النار بعد 48 ساعة في عموم الأراضي الليبية”، و”تفكيك المليشيات، وتسليم أسلحتها إلى الجيش الوطني الليبي”، و”طرد المرتزقة الأجانب إلى خارج البلاد، واستكمال أعمال مبادرة 5+5 برعاية الأمم المتحدة”، و”ضمان تمثيل عادل لكافة أقاليم ليبيا الثلاثة لإدارة الحكم في ليبيا”، و”إجراء انتخابات نزيهة”، و”عدم استحواذ أي مليشيات على أي من مقدرات الليبيين”، و”إطلاق إعلان دستوري ينظم العملية السياسية في البلاد”…. إلى آخر هذه الأهداف التي تبقي أيّ اتفاق بين الأطراف الليبية، حتى وإن حصل، مجرّد حبر على ورق، طالما أنه لم يترافق مع تسويات خارجية.
ما سبق، تبدّى سريعاً في الموقف السلبي الذي خرج من “حكومة الوفاق” – التي لم تحضر أصلاً اجتماعات القاهرة – تجاه المبادرة المصرية، والذي عبّر عنه رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا خالد المشري، حين شدد على أنّ “لا مكان لحفتر في أي مفاوضات قادمة”، مؤكداً رفض “التدخل المصري في كل ما يهم الليبيين” لأن ليبيا “دولة ذات سيادة”.
على المقلب الآخر، فإنّ تجربة خليفة حفتر مع المبادرات السياسية ليست مشجعة على الإطلاق، فقد أحبط في السابق أكثر محاولة متقدمة من قبل الروس – حلفائه ظاهرياً – لحل الأزمة الليبية يوم غادر اجتماعات موسكو للتسوية الليبية، وعاد الى ليبيا، بعد جولة اقليمية ليجدد مغامرته العسكرية، وهو ما كرره بعد مؤتمر برلين، الذي اعتبر المحاولة الدولية الأكثر جدية لتحقيق السلام في ليبيا.
ومع ذلك، فإنّ غير المُعلن في المبادرة المصرية قد يوفر لها ركيزة مهمة لكي تلقى تفاعلاً إيجابياً من قبل الأطراف الخارجية، والمقصود بهذا أنها إزالت حصرية استحواذ خليفة حفتر على مفاتيح القرار في الشرق الليبي، وذلك من خلال الحرص على تكريس دور أساسي لرئيس البرلمان عقيلة صالح في الحل السياسي.
بهذا المعنى، يمكن استشراف محاولة مصرية لدفع حفتر إلى الخلف، من خلال تعزيز دور صالح، لا سيما أن المشير بات منذ فترة يمثل صداعاً في رأس حلفائه، بالنظر إلى أن نزعته العسكرية باتت تشكل عائقاً أمام الحراك السياسي الذي يدرك الجميع أن لا حل للصراع الليبي من دونه، وهو ما يجعل عبارة “لا حل عسكرياً في ليبيا” أبعد من مجرّد حشو كلامي للبيانات ذات الصلة بالأزمة الليبية.
ولكن ما سبق لا يعني على الإطلاق أن ثمة نوايا مصرية أو إماراتية أو حتى روسية للتخلي عن حفتر، فالرجل، وبرغم انتكاساته الأخيرة وتفلّته السياسي، لا يزال يشكل رقماً صعباً في المعادلة الليبية، بحكم أن قواته لا تزال تسيطر على كامل الشرق ومناطق واسعة في الجنوب، بكل ما يترتب على ذلك من تأثيرات في الصراعات الخارجية على الأرض الليبية – لا سيما مع تركيا – وكذلك على الأمن القومي للدول الداعمة له، لا سيما مصر، المتوجسة دوماً من تسلل العناصر الارهابية عبر حدودها الغربية مع ليبيا (1200 كيلومتر)، وروسيا المتوجسة أيضاً من تمدد، ولو محدود، للمجموعات الإرهابية من ليبيا إلى مناطق نفوذها في إفريقيا، وهو ما ينسحب أيضاً على الأوروبيين الذين يرى الكثير منهم أن بإمكان حفتر القيام بدور الشرطي لحراسة الضفة الجنوبية من حدودهم.
في المبدأ، قد تكون المبادرة المصرية صالحة للتقدم بالحل السياسي، ومع ذلك، فإنّ الصراع المصري-التركي قد لا يتيح للقاهرة لعب دور الوسيط في التسوية السياسية، وهو ما ينسحب على تركيا، المنخرطة بشكل مباشر في الصراع الليبي.
على هذا الأساس، فإنّ تفعيل المبادرة المصرية لا بد أن يرتبط بدور ما يمكن أن تلعبه جهة تتمتع بقدر القبول للقيام بدور وسيط أو مساعد.
ربما ينظر البعض إلى الأمم المتحدة للقيام بهذا الدور، ولكن هذه النظرة تتسم بطوباوية سياسية، خصوصاً أن المنظمة الدولية، ومنذ فترة طويلة، باتت عاجزة عن القيام بدور فعال في حل الأزمات الدولية، بدليل الفشل في تعيين خلفٍ لغسان سلامة في منصب الممثل الخاص في ليبيا.
في ظل هذا الواقع، قد تكون روسيا مؤهلة أكثر من غيرها للقيام بهذا الدور الداعم للمبادرة المصرية، خصوصاً أنها، وبرغم دعمها العسكري لخليفة حفتر، تحافظ على علاقة وثيقة مع كافة الأطراف الليبية، بما في ذلك حكومة السراج، التي أرسلت قبل أيام نائب رئيسها إلى العاصمة الروسية للتباحث في التطورات، علاوة على أن ثمة علاقات جيدة تربطها بمصر والإمارات، وهي تستطيع أيضاً البناء على براغماتية الأوروبيين – برغم المعارضة الأميركية – للقيام بدور ما في التسوية الليبية.
يضاف إلى ما سبق، أن روسيا، وبخلاف ما تبدو الصورة، ما زالت قادرة على التوصل إلى تفاهمات مع تركيا في ما يخص الوضع في ليبيا. وليس المقصود بالتفاهمات هنا ما يتردد عن مقايضة بين سوريا وليبيا، وإنما التفاهمات على الأرض الليبية نفسها، ولا سيما في ما يتصل بتنفيذ الاتفاقات الاقتصادية المعطّلة بين روسيا وليبيا أو في الاستحواذ على حصة كبيرة في عملية اعادة الاعمار.
وقد يكون القاسم المشترك في هذه التفاهمات هو تقاطع المصالح الروسية – التركية في مجال الطاقة، إذ لم يعد خافياً أن الأسباب الرئيسية للتدخل التركي في ليبيا، تتجاوز سردية دعم رجب طيب أردوغان لجماعات “الإخوان المسلمين”، أو حتى استعادة الأمجاد العثمانية في الغرب الليبي، لتطال جوانب استراتيجية، تتصل على وجه الخصوص بسياسات الطاقة، خصوصاً أن تركيا، ومنذ سنوات طويلة، تطمح للقيام بدور نقطة الوصل بين الشرق وأوروبا في مجال امدادات النفط والغاز، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من بضرب مشروع خط انابيب غاز شرق المتوسط “ايست ميد” المدعوم أميركياً وأوروبياً، عبر استحداث ما يسمى “درع المتوسط” من خلال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينها وبين ليبيا، وهو أمر يصب بطبيعة الحال في خدمة المصالح الروسية.
ومع ذلك، فإنّ ما سبق يمثل عائقاً للقبول بروسيا وسيطاً مساعداً في تحقيق المبادرة المصرية، فتقاطع المصالح الروسية-التركية يتعارض مع الطموحات المصرية المنافسة للطموحات التركية في مجال امدادات الغاز، والتي تراهن فيها القاهرة بشكل أساسي على نجاح منتدى غاز شرق المتوسط، ومشروع “ايست ميد”.
يضاف إلى ذلك، أن روسيا نفسها ليست مطمئنة بما فيه الكفاية للتوجهات التركية، ففي موسكو ثمة من يتحدث عن فرضية خطيرة تتمثل في توصل تركيا إلى اتفاق مع اسرائيل لتصدير الغاز عبر الأراضي التركية، بما يشكل ضربة مزدوجة لروسيا ومصر على حد سواء. وبرغم أن فرضية كهذه تبقى مستبعدة في الوقت الحالي، بالنظر إلى التناقض الحاد بين تركيا وكل من قبرص واليونان، إلا أنها ليست مستحيلة في ظل حالة السيولة القائمة في المشهد الدولي.
كل ما سبق يجعل الصراع الليبي مرشحاً للكثير من التقلبات في المرحلة المقبلة، وإن كان الكل على قناعة بأنّ موازين القوى فيه ليست مقبلة على تغييرات دراماتيكية حاسمة، اقله على المدى المنظور، وهو ما يجعل كل المبادرات السياسية في الوقت الراهن لا تنتج طحيناً.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
online free course