الصين واليابان.. تنافس استراتيجي متصاعد على الممرات والمعادن والتكنولوجيا

وسّعت الصين في الثلاثين من حزيران/يونيو 2026 استخدام أدواتها الاقتصادية في مواجهة اليابان بإضافة عشرين كيان ياباني جديد إلى قائمتها للكيانات الخاضعة لقيود التصدير، بدعوى حماية الأمن القومي ومنع انتشار التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.

لم يكن القرار الصيني حدثاً معزولاً؛ إذ جاء امتداداً لإجراءات مماثلة اتُخذت في شباط/فبراير من العام نفسه، ليرتفع عدد الكيانات اليابانية المدرجة على قائمتي الحظر والمراقبة الصينيتين منذ مطلع العام إلى ثمانين كياناً. ويكشف هذا التصعيد أن التنافس بين بكين وطوكيو تجاوز كونه خلافاً تجارياً أو دبلوماسياً عابراً، ليغدو جزءاً من صراع أوسع على موازين القوة في شرق آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، حيث أصبحت التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والممرات التجارية أدوات ردع لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية.

وتعود جذور الأزمة إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عندما صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية سانائي تاكاييتشي بأن اليابان قد ترد عسكرياً إذا تعرضت تايوان لهجوم صيني. رأت بكين في هذا الموقف تجاوزاً للخطوط الحمر، لتبدأ منذ ذلك الحين سلسلة من الإجراءات التصعيدية شملت فرض قيود على تصدير المعادن النادرة، وإدراج شركات ومؤسسات يابانية على قوائم الحظر، إلى جانب دعوات رسمية للمواطنين الصينيين لتجنب السفر إلى اليابان. ومع فوز تاكاييتشي في الانتخابات المبكرة وتجديدها مواقفها، بدا للصين أن طوكيو ماضية في إعادة تعريف دورها الأمني والإقليمي، بما يتجاوز القيود التي فرضها عليها دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن توقيت الخطوات الصينية لا يرتبط فقط بالتصريحات اليابانية، بل يعكس أيضاً محاولة لاستباق التحولات الجارية في البيئة الاستراتيجية للمنطقة. فاليابان تعمل منذ سنوات على تنويع سلاسل إمدادها، وتعزيز تعاونها الدفاعي مع شركائها الإقليميين، وتقليص اعتمادها على السوق الصينية في القطاعات الحساسة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم القيود الصينية بوصفها رسالة استباقية تهدف إلى رفع كلفة هذا المسار قبل أن يترسخ، وإظهار أن إعادة هيكلة سلاسل الإمداد لن تتم من دون أثمان اقتصادية وسياسية.

السلاح الاقتصادي

الكيانات العشرون التي أدرجتها بكين في قائمتها الأخيرة لا تمثل شركات تجارية عادية، بل تضم مؤسسات بحثية ودفاعية تشكل ركائز أساسية في الصناعة العسكرية اليابانية، من بينها معهد الدراسات الدفاعية الوطني، ومراكز متخصصة في الأنظمة البحرية والبرية والجوية، إضافة إلى وحدات تابعة لمجموعتي ميتسوبيشي للإلكترونيات وميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، فضلاً عن منشآت إنتاج دفاعية مثل مجمع كاواجو غيفو للتصنيع. ويعني إدراج هذه الجهات عملياً منع الشركات الصينية من تزويدها بأي مواد أو تقنيات ذات استخدام مزدوج، مع توسيع القيود لتشمل أطرافاً ثالثة قد تعيد تصدير منتجات صينية المنشأ إليها.

غير أن الأداة الأكثر تأثيراً كانت قد استُخدمت قبل ذلك بأشهر، عندما فرضت الصين في كانون الثاني/يناير 2026 قيوداً على تصدير المعادن النادرة والمغناطيسات الدائمة والمكونات الأساسية اللازمة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية اليابانية. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من المكانة التي تحتلها الصين في سلاسل إنتاج هذه المعادن، ما يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في الصناعات المتقدمة لدى منافسيها. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن توقف الإمدادات الصينية لمدة عام كامل قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي الياباني بنحو 1.3 %، أي ما يقارب سبع تريليونات ين.

بهذا المعنى، لم تعد القيود التجارية مجرد وسيلة للضغط الاقتصادي أو الرد السياسي، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية ردع تستخدم الترابط الاقتصادي لإعادة تشكيل خيارات الخصوم. فكما كانت القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية تمثل في السابق أدوات النفوذ الرئيسية، بات التحكم بالتقنيات الحساسة والمواد الخام وسلاسل الإمداد يشكل ركيزة أساسية في موازين القوة الدولية.

وجاء الرد الياباني على لسان المتحدث باسم الحكومة مينورو كيهارا، الذي وصف الإجراءات الصينية بأنها “غير مقبولة ومؤسفة للغاية”، معلناً تقديم احتجاج دبلوماسي رسمي والمطالبة بإلغائها. غير أن طوكيو تدرك أن الاعتراض السياسي وحده لن يغير حسابات بكين، لذلك اتجهت بالتوازي إلى تسريع بناء شبكة أوسع من الشراكات الاقتصادية والأمنية لتقليل اعتمادها على الصين في القطاعات الحيوية.

حرب الممرات وإعادة رسم التحالفات

تعكس هذه المقاربة ما يمكن وصفه باستراتيجية “الأمن الشبكي“، أي توزيع الاعتماد الاقتصادي والدفاعي على عدد أكبر من الشركاء، بما يقلل قدرة أي طرف منفرد على استخدام مركزه الاقتصادي وسيلةً للإكراه السياسي. ومن هذا المنطلق جاءت جولة رئيسة الوزراء سانائي تاكاييتشي في مطلع أيار/مايو 2026 إلى فيتنام وأستراليا، بعد أسابيع قليلة من تشديد الصين ضغوطها الاقتصادية.

ومن خلال توسيع شبكة شركائها، تسعى طوكيو إلى تقليص قدرتها على التأثر بالضغوط الصينية، وتأمين بدائل مستقرة للمواد الخام والتكنولوجيا والأسواق. ويبرز في هذا السياق الدور الأسترالي بوصفه مورداً رئيسياً لليثيوم والنيكل والمعادن الحرجة الأخرى، بما يمنح اليابان هامشاً أوسع لتخفيف اعتمادها على الإمدادات الصينية.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن المنافسة الأوسع على هندسة الممرات الاقتصادية والاستراتيجية في آسيا. فالصين تعمل منذ سنوات على بناء شبكة ربط برية وبحرية واسعة عبر مبادرة “الحزام والطريق“، بما يتيح لها تقليل اعتمادها على مضيق ملقا والممرات الخاضعة للتفوق البحري الأمريكي، وربط الأسواق الآسيوية بأوروبا وأفريقيا عبر بنية تحتية تخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل بين فيينا وأوكرانيا.. أولوية التحالف الإستراتيجي مع أميركا

في المقابل، تطرح اليابان رؤية “المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح” باعتبارها إطاراً بديلاً يقوم على حرية الملاحة، واحترام القانون الدولي، وتمويل مشاريع بنية تحتية عالية الجودة. وبينما تقدم طوكيو هذه الرؤية بوصفها نموذجاً للتنمية المستدامة والشفافية، تنظر إليها بكين باعتبارها محاولة لاحتواء نفوذها وإيجاد بديل سياسي واستراتيجي لمبادرة “الحزام والطريق”.

ويظهر هذا التنافس بوضوح في بحر الصين الجنوبي، حيث تواصل الصين تعزيز وجودها العسكري على الجزر الاصطناعية وتكثيف دورياتها البحرية، في وقت تعتمد فيه اليابان بصورة كبيرة على هذه الممرات لاستيراد الطاقة والمواد الأولية. أما في بحر الصين الشرقي، فلا تزال الخلافات حول جزر سينكاكو/دياويو تشكل أحد أبرز بؤر التوتر بين البلدين، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الإقليمي.

غير أن المنافسة لم تعد تقتصر على البحار المتنازع عليها، بل امتدت إلى جنوب شرق آسيا، حيث تتنافس بكين وطوكيو على تمويل الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الاتصال والبنية التحتية الرقمية في دول رابطة “آسيان“. فالممرات لا تقتصر على حركة البضائع، بل تحدد أيضاً اتجاهات الاستثمار والتكنولوجيا والنفوذ السياسي لعقود مقبلة، ومن يمتلك القدرة على تصميمها وتمويلها يمتلك في الوقت نفسه تأثيراً كبيراً في قواعد استخدامها.

وفي هذا الإطار، يمنح الحلف الرباعي “كواد“، الذي يضم اليابان والولايات المتحدة وأستراليا والهند، طوكيو منصة لتعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي مع شركائها. إلا أن هذا الرصيد لا يلغي حقيقة أن الصين لا تزال من أكبر الشركاء التجاريين لليابان، وأن التشابك العميق بين اقتصادي البلدين يجعل أي قطيعة شاملة خياراً بالغ الكلفة للطرفين.

ولهذا تتبنى اليابان سياسة “إزالة المخاطر” بدلاً من “فك الارتباط”، فتسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين في القطاعات الحساسة، مع الإبقاء على العلاقات التجارية في المجالات الأخرى. لكن بكين، من خلال توسيع قوائمها السوداء لتشمل وحدات صناعية وبحثية تابعة لمجموعات كبرى مثل ميتسوبيشي وكوماتسو وفوجيتسو، تؤكد أنها لا تفصل بين ما تصفه طوكيو بالقطاعين المدني والدفاعي، وأنها مستعدة لاستخدام أدواتها الاقتصادية لفرض كلفة متزايدة على هذا المسار.

في الخلاصة، ما يجري بين الصين واليابان لم يعد خلافاً يمكن احتواؤه عبر جولة مفاوضات تجارية أو تسوية قانونية لنزاع حدودي، بل أصبح منافسة على شكل النظام الإقليمي الذي يتبلور في شرق آسيا. ولم تعد أدوات هذه المنافسة تقتصر على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، بل امتدت إلى التكنولوجيا والمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد والممرات التجارية، وهي أدوات تمنح الدول قدرة على التأثير في خصومها من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.

وتراهن اليابان على أن تنويع شراكاتها ومصادر إمدادها سيحد من قدرة الصين على استخدام الاقتصاد أداةً للضغط، بينما تراهن بكين على أن ثقلها الاقتصادي سيجعل كثيراً من دول المنطقة حريصة على تجنب الانخراط في ترتيبات أمنية تستهدفها بصورة مباشرة. وبين هذين الرهانين تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، لا يكون فيها الصراع بالسيطرة على الأراضي بقدر ما يكون على التحكم بالتقنيات، وسلاسل الإمداد، وشبكات التجارة، والممرات التي ستحدد موازين القوة في آسيا والعالم خلال العقود المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  الصورة، النقصان والزمن.. الهارب