من موسكو إلى طهران وبيروت.. هل يرسم الفاتيكان خريطة ما بعد الحروب؟

في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.

من هنا يمكن طرح فرضية أخرى، مع إبقائها في حدودها الافتراضية: ماذا لو طلب دونالد ترامب من الكرسي الرسولي القيام بدور في فتح قناة تفاوضية جديدة مع إيران؟

لا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن مثل هذا الطلب سيحدث، ولا يجوز التعامل معه باعتباره أمراً مقرراً. لكن الفكرة ليست مستحيلة، خصوصاً أن إيران أصبحت حاضرة في اتصالات الفاتيكان الدولية، وأن الكرسي الرسولي يمتلك علاقات دبلوماسية وقنوات دينية وإنسانية تسمح له بالتواصل مع طهران بطريقة تختلف عن القنوات العربية والإقليمية والدولية التقليدية.

وفي هذه الحالة، يصبح بقاء أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين في موقعه ذا دلالة مؤسسية مهمة، نظراً إلى  خبرته الواسعة في الملفات الدولية الحساسة، ومعرفته بتفاصيل العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وإيران، وقد يكون هذا الأمر مهماً جداً إذا انتقلت الدبلوماسية البابوية من مسار أوكرانيا إلى مسار أكثر تعقيداً في الشرق الأوسط.

وهنا يعود لبنان إلى الصورة. لبنان لا يستطيع أن يبقى متفرجاً على التحولات الدولية ثم ينتظر من الآخرين أن يقرروا مستقبله. فإذا كانت هناك حركة دبلوماسية فاتيكانية تمتد من موسكو إلى أوروبا، ومن أوروبا إلى الشرق الأوسط، وإذا كان احتمال فتح قنوات مع إيران قائماً في المستقبل، فإن لبنان يجب أن يقرأ هذه الحركة من موقع استراتيجي لا من موقع ردة الفعل. والأهم أن لبنان يمتلك تجربة مباشرة مع هذه الدبلوماسية.

عندما زار الكاردينال بيترو بارولين لبنان في صيف عام 2024، في مرحلة الفراغ الرئاسي، التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقال يومها عبارة شديدة الدلالة، مفادها أن الأزمة لها أبعاد داخلية وخارجية، لكن «الحل يبدأ من هنا وفي لبنان». ربما لم تُقرأ العبارة في وقتها بما يكفي من العمق، وربما غلب عليها الانشغال بالأزمة السياسية اليومية، لكنها اليوم تبدو أكثر أهمية إذا وُضعت في إطار فلسفة الفاتيكان تجاه الأزمات.

الحل يبدأ من هنا، أي إن الخارج يستطيع المساعدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل اللبنانيين. يستطيع أن يضغط ويساعد ويفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع بناء دولة إذا كان أصحاب الدولة غير مستعدين لبنائها. يستطيع أن يجمع الخصوم حول طاولة، لكنه لا يستطيع أن يفرض عليهم اتفاقاً وطنياً قابلاً للحياة. وهذه ربما هي الرسالة التي يحتاج لبنان إلى استيعابها في المرحلة المقبلة.

فلبنان لا يعاني فقط من أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية، بل يعاني من أزمة في القدرة على قراءة الزمن. العالم يتحرك بسرعة، بينما يبقى لبنان عالقاً في أزماته الداخلية، وكأن التسويات الدولية والإقليمية يمكن أن تنتظر حتى ينتهي اللبنانيون من خلافاتهم. لكن التسويات لا تنتظر.

إذا كانت القوى الكبرى تعيد رسم علاقاتها، وإذا كانت أوروبا تبحث عن مستقبلها الأمني، وإذا كانت روسيا تبحث عن موقعها المقبل، وإذا كانت الولايات المتحدة تفكر في قنوات جديدة، وإذا كان الفاتيكان يتحرك من موسكو إلى أوروبا، وربما لاحقاً إلى إيران، فإن لبنان أمام ضرورة إعادة تحديد موقعه قبل أن تُرسم التسويات التي ستؤثر فيه.

ومن هنا يصبح السؤال المتعلق بالكنيسة اللبنانية أكثر عمقاً من الخلافات الداخلية أو الحسابات الآنية. لماذا لم يتحول ما يصدر عن الفاتيكان من توجيهات وإرشادات ورسائل إلى رؤية لبنانية متكاملة؟ ولماذا يبدو أحياناً أن لبنان السياسي ولبنان الكنسي لا يقرآن التحولات الفاتيكانية بالسرعة نفسها التي تقرأ بها روما التحولات الدولية؟

هذه ليست مسألة مواجهة بين لبنان والفاتيكان، بل سؤال عن الفجوة بين الرؤية الاستراتيجية التي يمكن أن تكون لدى المرجعية الفاتيكانية وبين الأداء السياسي والكنسي المحلي.

فالفاتيكان ينظر إلى لبنان باعتباره جزءاً من منطقة عالية الخطورة والتعقيد، لكنه ينظر إليه أيضاً باعتباره نموذجاً للتنوع والحوار والتعايش. ولذلك، فإن أي تسوية إقليمية مقبلة ستضع لبنان أمام خيارين: إما أن يكون موضوعاً للتسوية، أو أن يكون طرفاً قادراً على حماية مصالحه داخلها. والفرق بين الاثنين هو الدولة.

إذا بقي لبنان دولة مأزومة، فإن الآخرين سيتعاملون معه باعتباره ساحة. وإذا أصبح دولة قادرة على اتخاذ القرار، فإنه يستطيع أن يتحول إلى مساحة للحوار والتواصل والاستقرار.

وهنا يمكن فهم أهمية الدور الفاتيكاني من زاوية لبنانية مختلفة. فالفاتيكان لا يملك جيشاً ولا نفطاً ولا عقوبات اقتصادية ولا تحالفات عسكرية، ومع ذلك يستطيع أن يدخل إلى عواصم لا تدخلها بعض الدول بسهولة، لأن قوته قائمة على شبكة علاقات عمرها قرون، وعلى صورة مختلفة للدبلوماسية تقوم على التواصل حتى مع الخصوم. ولبنان، بحكم تركيبته وعلاقاته وتاريخه، يستطيع أن يفهم هذه اللغة أكثر من غيره، لكن المشكلة أن لبنان لم يستثمر بما يكفي في هذه الميزة.

إقرأ على موقع 180  لبنان.. ماذا يبقى من الحزب إذا سُحبت منه الطائفة؟

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من عقلية انتظار الحل إلى عقلية صناعة الموقع. لا يكفي أن ينتظر لبنان ماذا ستفعل واشنطن أو موسكو أو باريس أو روما أو طهران. عليه أن يعرف ماذا يريد من كل هذه العواصم، وماذا يستطيع أن يقدم، وما المصالح التي يريد حمايتها، وما موقعه في أي منظومة إقليمية جديدة؟

في هذا السياق، على لبنان أن يفهم أن العالم الذي كان ينتظر فيه انتهاء الأزمات كي تبدأ التسويات لم يعد موجوداً. التسويات أصبحت تُبنى أثناء الأزمات، والقنوات تُفتح قبل انتهاء الحروب، واللاعبون الذين لا يمتلكون رؤية لمستقبلهم يتحولون بسهولة إلى أوراق في أيدي الآخرين.

وقد يكون هذا أكثر إلحاحاً إذا صحت فرضية انتقال الاهتمام الفاتيكاني، لاحقاً وتدريجياً، من الحرب الروسية ـ الأوكرانية إلى أزمات الشرق الأوسط.

فإذا أصبحت إيران، في مرحلة ما، موضوعاً لوساطة أو لمساعٍ حميدة فاتيكانية، فإن لبنان سيكون حكماً جزءاً من البيئة الجغرافية والسياسية لهذا المسار نتيجة الحرب والاحتلال الإسرائيليين، سواء أراد ذلك أم لم يرده. ومن هنا، فإن المطلوب ألا ينتظر لبنان اللحظة التي تبدأ فيها المفاوضات كي يسأل عن دوره، بل أن يبدأ منذ الآن في بناء رؤية لما يريده من أي مرحلة تفاوضية إقليمية مقبلة.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة لقاء غالاغير ولافروف في موسكو، كما يمكن قراءة الزيارة المرتقبة للبابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا غدا (الجمعة) ومحطتها في ميتز، كما يمكن قراءة استمرار بارولين في موقعه، والاهتمام الفاتيكاني المتزايد بملفات الشرق الأوسط. إنها ليست بالضرورة حلقات منفصلة، وإنما يمكن النظر إليها كجزء من فلسفة واحدة، وهي منع القطيعة من أن تصبح قدراً دائماً، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام اللحظة التي يصبح فيها الحوار ممكناً.

ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس فقط أن تُعقد تسوية إقليمية على حسابه، بل أن تبدأ التسويات وهو ما يزال يناقش الشروط التي تسمح له بأن يصبح دولة. فالطاولات الدولية لا تنتظر اكتمال المصالحات الداخلية، ومن لا يصل إليها حاملاً تصوراً لمصالحه قد يجد نفسه موضوعاً فوقها بدلاً من أن يكون جالساً حولها.

لهذا تكتسب عبارة بارولين معنى يتجاوز الاستحقاق الرئاسي الذي قيلت في سياقه: «الحل يبدأ من هنا وفي لبنان». فالكرسي الرسولي يستطيع أن يفتح باباً، وواشنطن أن تضغط، وباريس أن تقترح، وطهران أن تفاوض، وموسكو أن تساوم، لكن أياً من هذه العواصم لا يستطيع أن ينتج للبنانيين دولة إذا لم يقرروا هم أولاً بناءها.

ولعل هذه هي الوظيفة الأكثر واقعية للدبلوماسية الفاتيكانية أيضاً. فهي لا تصنع الانتصارات العسكرية، ولا تملك ضمانات القوى الكبرى، ولا تستطيع فرض اتفاق على المتحاربين. ما تستطيع فعله هو منع القطيعة من أن تصبح نهائية، والاحتفاظ بخيط بين خصمين عندما تنقطع الخيوط الأخرى.

قد يبدأ ذلك الخيط بطفل يُعاد إلى عائلته، أو بأسير يعود إلى بلاده، أو بمكالمة لا يُعلن عنها، أو بلقاء في موسكو، أو برسالة من ميتز، وربما ذات يوم بقناة تصل إلى طهران. ولا شيء من ذلك يعني أن السلام أصبح قريباً، لكنه يعني أن هناك من يفكر منذ الآن في اليوم الذي يلي الحرب.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: “الفاتيكان يبحث عن “تسوية المنتصرين” في الحرب الروسية الأوكرانية”!

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  ماكرون يحذر اللبنانيين: المبادرة الإصلاحية أو الحرب الأهلية!