كل ما يشُقُّ على المرء هو من قبيل النار، والغاية التي يطمح إليها هي التي تحرضه على المُضي في طريقه واحتمال الصعاب؛ فإن لم يكن الإغراء قويًا وكافيًا؛ دار على أعقابه وتخلى عن المراد. الأذى نسبيٌّ، يختلف الناس في تعيينه وتعريفه، وعلى سبيل المثال فإن إرغام شخص على الالتزام بمواعيد محددة قد يكون مؤذيًا، وقد يمثل أمرًا طبيعيًا ومحبَّبًا لآخر.
***
كثيرًا ما نردد المثل الشعبيّ الذي يقول: “ابعد عن الشَّر وغَني له“. النصيحة الأولى أمر مفهوم وطبيعي؛ لكن الثانية التي تأمر بالغناء للشر؛ تبدو عجيبة بعض الشيء، وقد تنوَّعت التفسيرات بشأنها فثمَّة اعتقاد بأن النأي غير كافٍ، وأن المرء قد يضطر إلى شيء من المداهنة والنفاق كي يتَّقي الإيذاء. ثمَّة اعتقاد آخر بأن الغناء إنما يعكس راحة البال التي ينعم الواحد بها؛ ما إن يتخذ مسافة من عدوه. وأخيرًا هناك تفسير يعتمد على كون الكلمة هي “قني له” أي اصنع بينك وبينه قناة تفصله عنك. سواء كان هذا التفسير صحيحًا أو ذاك فالسؤال المهم الذي يبقى مطروحًا دون إجابة قاطعة؛ هو ما إذا كان الشرُّ سيقنع بالبقاء بعيدًا، أم سيقترب من تلقاء نفسه ويهدد فريسته، ويسعى لمطاردتها إن حاولت الفرار.
***
سمعت من أصدقاء ومَعارف كِبار، قولةً تعدَّدت مناسبتُها وتباينت ظروفُها؛ لكنها صمدت على الألسنة، وبقيت حاضرة إلى يومنا هذا في الأذهان: “اصبر على جار السَّوّْ يرحل أو تيجي مصيبة تاخده“. تحمل هذه القولة قاعدةً ذهبيةً خالدة، طبَّقها المصريون على مرّ القرون؛ وهي تفضيل الانحناء والصَّمت أمام النواكب، ومن ثمّ تجنُّب مواجهتها واتقاء أذاها، وتركها للزمن كي يتعاملَ معها؛ فيخفف من وطأتها أو يذهب بها ويمحوها من الوجود. الصَّبر سِمة مجتمعنا، والمأثورات التي تنتصر له؛ تتفوَّق ولا شك على كافة الحِكم والأمثلة تنقضه والتي تدعو إلى نفضِ السُّكون والانتفاض من السُبات، ومن ثم تغيير الواقع وفرض آخر أفضل. لا بأس بالتروي عند اتخاذ القرارات الحاسمة، ولا بأس بالتفكير مليًا قبل الإقدام على أيّ فعل؛ لكن التعامل بشيء من الحكمة والاتزان لا يعني التجمُّد في وضع سلبيّ والتأقلم على ما يسوء، ولا يجب أن يُمهدَ للتفريط في حقٍ من الحقوق.
***
العادة أن تكون الطريق إلى المَغانِم الكبرى وَعرة، مَحفوفةً بالمخاطر، يختبر سالكُها الشيءَ اليَسير من المعاناة والقسوة، ويملك ما يكفي من الجرأة والإصرار لمغالبتها؛ فمتى كان طبعه المُسالمة والرغبة في البقاء آمنًا، مُحصَّنًا مما تحمل الحياةُ من اهتزازات وتقلبات، ومتى استطاب مقام الدِعة وزهد في المجهول، واختار الاطمئنان وقدَّمه على أحوال القلق والترقُّب واحتمالات التأذي؛ صَدَقت في وَصفِه الأمثولة: “يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز عسلك“. الحصول على الشهد مصحوب في العادة بلدغات مؤلمة؛ مهمًا اتخذ الواحد من احتياطات للوقاية ومهما جعل الحذر رفيقه، وحلاوة المذاق لها ولا جدال ثمن؛ لا ينالها إلا القادر على دفعه.
***
في توبيخ البكَّاءِ وتحميله مسئولية ما يسوؤه، يقال: “من جاور الحدَّاد ينكوي بناره“، والمعنى أن الشكوى غير مقبولة طالما كان المرءُ سببًا مباشرًا في تسويم ذاته الأذى، وطالما اختار بإرادته موقفًا له تبعات معروفة ومتوقعة، والحقيقة أن المعرفة المُستبصِرة تنزع عن الشاكي حقَّ الشكوى وتحرمه أداء دور الضحية؛ بل وتجعله موضع اتهام وشراكة فيما آل إليه مصيره، وفي هذا السياق يمكن العثور على أمثلة عدة، أفدحها مخاطبة ود سلطة قمعية مُجرَّبة، رغم التبعات التي يمكن التنبؤ بها.
***
نحسم تردُّدَنا بعض المرات بالالتجاء إلى الحِكمة الأثيرة: “درءُ الضَّرر مُقدَّمٌ على جَلْبِ المَنفَعة“. الضَّرر هو كل ما يؤذي الإنسان، والحماية من الأذى تأتي أولًا وقبل التفكير في أيّ مكسب. الاستدانة التي تفوق المقدرة على السَّداد وتُثقِل الكواهل، وتضيفُ إلى الأعباء الأصلية أخرى جديدة؛ ضررٌ لا جدال فيه وأذى يصعب تداركه، وعادة ما يؤدي إلى انهيار مشهود، والمثل يقول: “السَّلف تلف والردُّ خسارة“، أما عن المنفعة المرتقبة فليست إلا انفراجة قصيرة عابرة؛ هدفها إطالة الوقت الذي يسبق الانفجار، والحقُّ أن الدائنَ دومًا مستفيد، قادر على فرض شروطه المُجحِفة، والمَدين مُضطرٌ مَجبور؛ مهمًا ادعى امتلاكَ أمرِه وأسهَب في وَصف مآثره.
***
في محاولة لعَقد صَفقة عادلة يُقال: “لا تؤذني ولا أؤذيك“. المُحصّلة النهائية المنشودة تُرضي الأطرافَ جميعها؛ مَوقِف يُعرَف في الثقافة الغربية بأنه فوزٌ مُتبادَل لا يوجد خاسر ولا يوجد مظلوم؛ لكن الأمور لا تسير دائمًا على هذا المِنوال، فالحياة غالبٌ ومَغلوب، ومحاولات اتقاء الأذى وتلافيه؛ لا تصلح بالبقاء على الهامش ولا تتأتى بإغماض الأعيُن عما يدور.
