لأنه الميلاد، لأنه أيقونة فلسطين، لأنه الشرق الحزين

لو أجرينا استفتاء عالمياً اليوم وسألنا الأطفال:"هل تعرفون من هو السيد المسيح، ومن هو بابا نويل"؟ على الأرجح، سيتبين لنا أن هؤلاء الأطفال يعرفون صاحب الثوب الأحمر واللحية البيضاء أكثر. لو أحصينا مجموع ما يأكله المسلمون في رمضان الصوم، لاكتشفنا أنهم ينفقون في شهر الزهد أكثر مما ينفقونه في أي شهر آخر، برغم ان الصوم يفترض قليلا من الطعام وكثيرا من العبادة والإحسان.

إبتعدت مجتمعاتنا كثيراً عن جوهر العبادة العميقة والأصيلة، فصارت التقاليد والاحتفالات والبهرجات أهم من المضمون الحقيقي للمناسبات. جاءت الكتب السماوية لإرشاد الناس الى الخالق-الرب، فنسوا الله واختلفوا على الكتب، لا بل حتى أن أتباع الكتاب الواحد تصارعوا باسمه، وهو منهم براء.

ولد يسوع في مغارة فقيرة، وعاش حياة زهد وتبشير وفي ظروف صعبة وقاهرة. فهل هو نفسه الذي نرى تجسيداته وقد انتقلت من الغرب إلى بلادنا، بينما نحن في أصل الحكاية؟ هل الاحتفالات الباذخة والموائد العارمة والهدايا التي تثقل كاهل الناس، هي ما أراده سيد المحبة والتسامح والحوار والإنسانية؟

يسوع ولد في فلسطين، فكم بقي من أهلنا واخوتنا واحبائنا من المسيحيين في بيت لحم والقدس وحول المغارة التي قدّمت للإنسانية رسول المحبة؟ لم يبق أكثر من 2 في المئة. وحين ينتفض رجل دين مسيحي صادق وشريف وشجاع مثل الأب المناضل عطالله حنا، تحاول آلة القمع اذلاله عند الحواجز، واسكات صوته المدوّي ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد بعض ممارسات الكنيسة نفسها، ويصل الأمر الى حد تسميمه. الحمد لله ان ايقونة فلسطين نجا من مخالب العنصرية.

يسوع ولد في هذا الشرق الممزق المتصارع والمفتون بالفتن، بينما ضباع الليل يسرقون ثرواته ويخترقون مجتمعاته، فاين نسلُ السيد المسيح في سوريا والعراق ولبنان والأردن وغيرها؟ كم بقي منهم بعد ان تشرّد أكثر من نصفهم بسبب الحروب والهمجية والإرهاب؟. لو ذهبنا الى مدينة في السويد اسمها سوديتللي والتي تحوّلت بكاملها الى ملجأ المسيحيين العراقيين والسوريين، نفهم حجم الكارثة المحدقة بهذا الشرق.

لا بأس بالحفلات إن شئتم، وبالموائد العامرة إن رغبتم، وبتزيين كل شيء باللون الأحمر، لكن كان يكفينا تزيين أرزة في لبنان، وشجرة زيتون في سوريا، ونخلة في العراق، وشجرة تين في الأردن

قادتني الصدف الجميلة في العامين الماضيين الى مناطق وادي النصارى في سوريا. زرتُ مارماريتا ومصياف وغيرها، وتمتعت بالقلاع العتيقة والبيوت القديمة وأصالة الشعب هناك. وجدتُ أناساً طيبين محبين لوطنهم، حريصين على البقاء في أرضهم، تحمّلوا كل جور الحرب والإرهاب، فقدوا مجموعة من خيرة شبابهم في الدفاع عن أرضهم، لكني أيقنت أيضا ان الكثير منهم هاجر، وقد لا يعود أبداً.

نحن أبناء السيد المسيح واحفاد النبي محمد، هذه الأرض لنا، وهذه المقدسات لنا، وكل الشعائر يجب ان تنتشر من أوطاننا الى الخارج وليس العكس. علينا أن نحافظ على الأرض ونحفظ أهلها، وعلينا بناء مجتمعات مدنية حقيقية تحمي الجميع ولا تفرض شروطا دينية على أحد. وعلينا أن نفهم للمرة المليون أنه لو ضاعت فلسطين في غياهب صفقات القرن، فان كل تراث السيد المسيح والنبي الكريم، سيتلاشى في مهب الريح. ولو هاجر المسيحيون سيفقد الشرق جزءاً كبيراً من روحه.

بعد تشويه صورة الإسلام في الخارج (وبعض المسلمين ساهموا كثيراً جداً في تشويهه)، وبعد شق الكنيسة الارثوذوكسية الروسية، وتشويه الكنيسة الكاثوليكية اثر تحرشات جنسية قام بها رهبان مقززون (ادانتهم الكنيسة نفسها وقال عنهم الحبر الاعظم انهم ارتبكوا ابشع جريمة انسانية)، يصار اليوم الى ترويج مسيحية انجيلية جديدة تقول ان السيد المسيح لا يعود الا بعد قيام الهيكل، وهي فكرة جمعت اكثر من 100 مليون شخص في اميركا وعبر العالم، وتريد دعم إسرائيل للقضاء على ما بقي من فلسطين المهد المسيحي والمسجد الأقصى.

لا بأس بالحفلات إن شئتم، وبالموائد العامرة إن رغبتم، وبتزيين كل شيء باللون الأحمر، لكن كان يكفينا تزيين أرزة في لبنان، وشجرة زيتون في سوريا، ونخلة في العراق، وشجرة تين في الأردن، كي نخصص جزءا من هذا البذخ الميلادي وقبله البذخ الرمضاني لفقراء شرقنا، ولوضع استراتيجية حقيقية لحماية ما بقي من فلسطين، ولتثبيت أهلنا المسيحيين على أرض السيد المسيح. كل عام وانتم بألف خير.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course