جاء هذا التحول الاستراتيجي نتيجة مواجهة دبلوماسية شرسة وتجاذبات حادة داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث تصادمت رؤى القوى الكبرى ومصالحها العميقة. فقد أجهضت روسيا، باستخدامها حق النقض (الفيتو)، مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة الأميركية، كان يسعى إلى إحداث هزة بنيوية في طبيعة البعثة ومسماها، عبر حذف حرف (R) الذي يرمز إلى «الاستفتاء»، وحصر أفق الحل في صيغة «مبادرة الحكم الذاتي» تحت السيادة المغربية.
في المقابل، رفضت واشنطن وحلفاؤها المقترح الروسي البديل، الداعي إلى التمديد التقليدي من دون تغيير. وقد أفرز هذا الانسداد الدبلوماسي فراغًا مؤسسيًا وأمنيًا غير مسبوق، إذ تفتقر المنطقة الممتدة عبر خطوط التماس والجدار الدفاعي، للمرة الأولى منذ عام 1991، إلى أي آلية مراقبة دولية مستقلة ومحايدة تسهر على تثبيت الهدنة وتطويق بؤر التوتر.
خلفيات الفيتو الروسي
يُعدّ لجوء روسيا إلى استخدام حق الفيتو في هذا الملف تحولًا استثنائيًا وغير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية الأممية، إذ لم يسبق لموسكو، أو للاتحاد السوفياتي سابقًا، اتخاذ مثل هذا الإجراء طوال عقود النزاع الماضية. فقد اعتمدت الدبلوماسية الروسية تاريخيًا استراتيجية النأي بالنفس، عبر الامتناع الدوري عن التصويت على قرارات تمديد ولاية «المينورسو»، ما أتاح لها الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية مع كل من الرباط والجزائر في آن واحد.
غير أن هذا الفيتو لم يكن مجرد موقف إجرائي عابر، بل جاء تتويجًا لتباين جيوسياسي عميق بين واشنطن وموسكو. فقد هدف النص الأميركي إلى كسر الجمود عبر ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي كأساس أوحد للتفاوض، وتقليص المكوّن العسكري للبعثة، في حين سعت موسكو، مدعومة بتنسيق إقليمي مع الجزائر، إلى إجهاض المساعي الأميركية الرافضة للصيغ التقليدية.
وقد أوضحت المداولات أن التحفظ الروسي ارتكز أساسًا على نقطتين مفصليتين:
الأولى؛ رفض فرض المرجعية الأحادية: إذ اعتبرت موسكو أن حصر المفاوضات في خيار الحكم الذاتي وتعديل هيكل البعثة يمثلان تهميشًا صريحًا للمرجعيات الأممية السابقة، ومحاولة لحسم الأطر النهائية للحل بشكل أحادي.
الثانية؛ مسألة إحصاء اللاجئين في تندوف: حيث تضمن المشروع الأميركي بندًا يطالب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال عملية تسجيل قاطني مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفق المعايير الدولية. وهو ما أثار تحفظات حادة، حذّرت معها بعثة الجزائر لدى الأمم المتحدة، من استغلال هذه المسارات الإدارية لفرض ترتيبات تضغط على اللاجئين وتصادر حقوقهم السياسية.
لكن القراءة المتعمقة للموقف الروسي تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية أو المحاباة للحليف الجزائري، إذ يذهب بعض المحللين إلى أن المبادرة الروسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراع المحتدم بين موسكو والاتحاد الأوروبي وحرب الطاقة العالمية. وتتضخم هذه الحسابات عند استحضار التنافس بين مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي، الذي يمر عبر موريتانيا والصحراء الغربية باتجاه أوروبا، والمشروع الموازي له عبر النيجر والجزائر؛ إذ تتقاطع المصالح الجيواقتصادية الروسية مع رغبتها في التأثير في خطوط إمدادات الغاز المستقبلية إلى مناطق نفوذ خصومها الأوروبيين.
القراءة المغربية
من منظور الرباط، يمثّل عدم التمديد منعطفًا حاسمًا وتتويجًا لمسار طويل يهدف إلى إزاحة إطار أممي عفا عليه الزمن وأسهم في إطالة أمد النزاع. وتنظر المملكة إلى إنهاء الولاية وفرض واقع جديد بوصفهما تطورًا مهمًا يتيح تسريع وتيرة الإدارة الميدانية الشاملة ومشاريع التنمية المستدامة تحت السيادة المغربية، مستندة إلى الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي من قوى كبرى، كواشنطن وباريس ومدريد.
ولم يقتصر صدى هذا التحول على الأجهزة الدبلوماسية الرسمية، بل امتد ليعيد تشكيل المشهد السياسي الداخلي، حيث سجّلت التفاعلات الوطنية اصطفافًا للقوى الحزبية والنقابية كافة الممثلة في البرلمان، بمختلف أطيافها ومواقعها، بين الأغلبية الحكومية والمعارضة، خلف مضمون البلاغ المغربي الصادر عن الديوان الملكي.
وقد أفرز هذا الالتفاف الشامل مشهدًا وطنيًا جامعًا يعيد إلى الأذهان اللحظات التأسيسية الأولى لملف الصحراء في أواسط السبعينيات، وتحديدًا الروح التعبوية التاريخية التي رافقت حدث «المسيرة الخضراء» سنة 1975، إذ تماهت الرؤى الحزبية والنقابية في التعبير عن التحام الجبهة الداخلية وتجديد التمسك بالثوابت الوطنية، معتبرةً أن إنهاء وجود «المينورسو» هو استكمال لسيادة المملكة غير القابلة للمساومة.
وفي حوار خاص أجرته القناة الثانية المغربية (2M) مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ليلة السبت-الأحد الماضي، كشف الأخير عن كواليس التواصل المباشر بين الرباط وموسكو، موضحًا أن نظيره الروسي سيرغي لافروف أبلغه مسبقًا بنيّة بلاده استخدام الفيتو ضد المشروع الأميركي. وأكد بوريطة أن المغرب، انطلاقًا من ثقته بعدالة قضيته وقوة موقفه الميداني والدبلوماسي، لم يسعَ إلى ثني الروس عن موقفهم أو إقناعهم بالتراجع عن الفيتو، مشددًا على أن غياب البعثة الأممية لن يغيّر شيئًا من واقع ممارسة المغرب سيادته على أرضه.
وفي مفارقة مُحمّلة بالدلالات الدبلوماسية، هبطت طائرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مطار الدار البيضاء، قادمةً من أتلانتا عقب انتهاء اجتماع مجموعة العشرين، حيث مكثت زهاء ساعتين قبل استكمال رحلتها إلى موسكو.
وقد شهد المشهد الإعلامي المغربي ومواقع التواصل الاجتماعي حملات رقمية ضد موقف موسكو، في توقيت تشهد فيه العلاقات بين البلدين جهودًا حثيثة لتعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والتعليمي، ما أثار تساؤلات جدية حول احتمال استغلال الحدث لتأجيج المشاعر المعادية لروسيا، وحول الجهات الخارجية و”المزارع الرقمية” التي قد تستفيد من إضعاف العلاقات بين الرباط وموسكو.
موقف الجزائر والبوليساريو
في الضفة المقابلة، أعربت الجزائر وجبهة البوليساريو عن بالغ أسفهما وقلقهما من إنهاء مهام “المينورسو”، محمّلتين الولايات المتحدة مسؤولية الجمود والانحياز. وعبّرت وزارة الخارجية الجزائرية عن رفضها القاطع لفرض الأمر الواقع، مؤكدةً أن غياب العين الأممية الرقابية لا يُسقط المرجعيات القانونية المعتمدة لدى الأمم المتحدة، ولا حق تقرير المصير المكرّس لدى لجنة تصفية الاستعمار.
غير أن هذا الانسداد كشف عن تكاليف سياسية باهظة للطرف الجزائري، الذي أضحى رهينًا للحماية الدبلوماسية الروسية في مواجهة مشروع أميركي متصلب. وفي المقابل، أظهر التفاعل الأميركي عقب سقوط القرار أن واشنطن ماضية في تضييق الخناق عبر استخدام أوراق ضغط استراتيجية واقتصادية وأمنية، محوّلةً المعركة الدبلوماسية إلى اختبار قاسٍ لصلابة التحالفات الإقليمية ومساعي الجزائر لمنع استبعاد خيار الاستفتاء من الأجندة الدولية.
رهانات ومخاوف
وبرغم تصفية الشق العسكري واللوجستي لبعثة حفظ السلام، فإن العملية السياسية لم تتوقف كليًا، إذ تواصل الأمم المتحدة مساعيها عبر المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا، لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بين الأطراف الأربعة (المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا)، بعيدًا عن الاحتكاك العسكري المباشر.
وقد أدّى غياب الآلية الأممية لمراقبة وقف إطلاق النار إلى ارتفاع احتمالات التصعيد الميداني، وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من مخاطره، إذ باتت القوى الإقليمية والدولية مجبرة على إدارة الملف عبر قنوات ثنائية ومباشرة. وبينما تسعى واشنطن إلى ترسيخ الواقع الجيوسياسي الجديد، وتتمسك الرباط بالسيادة والتنمية، وتحاول موسكو والجزائر كبح الأحادية الأميركية، تظل المنطقة المغاربية أمام ترتيبات أمنية جديدة تضع جميع الفاعلين أمام اختبار إدارة التوازن الحرج بين الدبلوماسية وشبح المواجهة.
وتتوارى بين ضجيج السجال بين موسكو وواشنطن تفاصيل جيوسياسية دقيقة تشكّل جوهر المشهد؛ فالعواصم الأوروبية المعنية بالملف، وفي مقدمتها باريس ومدريد، تجاوزت مرحلة إدارة التوازنات التقليدية لتصطف صراحةً خلف المقترحات المغربية، بالتوازي مع تحولات دراماتيكية في العلاقات الدولية للرباط، تمثّلت في «الاتفاق على الارتقاء بمستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى تبادل السفراء”، ما يضفي أبعادًا جديدة على معادلة التوازن الإقليمي.
أمام هذا المشهد المتوتر، يطرح السؤال الكبير نفسه: هل تشهد المنطقة صدامًا عسكريًا تُستخدم فيه ترسانات الأسلحة الضخمة التي راكمتها الدولتان الجارتان منذ عقود، والتي دفعت بالإنفاق على التسليح لديهما إلى مستويات تُعدّ من الأعلى إقليميًا، أم أن المحاذير الاستراتيجية والتكلفة الباهظة لأي مواجهة شاملة ستلجمان أي اندفاعة نحو الهاوية؟
إن الخشية الكبرى تكمن في أن تحول التجاذبات الدولية والإقليمية دون احتواء هذا الفراغ المؤسسي، فتنتقل نيران النزاعات من المشرق لتشتعل في الغرب الاستراتيجي للعالم العربي والإسلامي، مخلّفةً ترتيبات أمنية جديدة تضع المنطقة برمّتها أمام اختبار غير مسبوق لصلابة الاستقرار الإقليمي.
