ضربة سليماني تحرق مراحل “النووي”.. والنعي ليس من طهران

عملياً، سقط الإتفاق النووي، لكن طهران لا تريد أن تصدر ورقة نعيه من عندها. بمجرد إعلانها أنها مستمرة بالتعاون مع مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تكون قد رمت الكرة عند الآخرين.

في التفاصيل، أعلنت الحكومة الإيرانية أنها ستخصّب اليورانيوم، من الآن فصاعداً، بلا قيود وفقاً لاحتياجاتها التقنية ولا حدود لعدد أجهزة الطرد التي ستقوم بتشغيلها. هذه الخطوة الخامسة في تراجع إيران عن تنفيذ إلتزاماتها، شكلت صدمة للأوروبيين، خصوصاً وأنهم كانوا ينتظرون تقليصاً جديدا في إلتزامات إيران ربطا بتعهداتها من ضمن الإتفاق النووي، غير أن الضربة التي تلقتها طهران بإستهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، على يد الأميركيين، في بغداد، ليل الخميس الجمعة الماضي، جعلهم يبادرون إلى حرق المراحل، وهذه واحدة من نقاط الرد التي ناقشها مجلس الأمن القومي الإيراني في جلستها المطولة يوم الجمعة الماضي، كما كانت قضية الإلتزامات في صلب إجتماع مطول عقدته اليوم الأحد منظمة الطاقة الإيرانية وخلص إلى سلسلة قرارات، تشكل عمليا خروج إيران من الإتفاق النووي، بإستثناء ترك نافذة مفتوحة من خلال الإلتزام بإستمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في السابق، لم يكن هناك من إطار زمني محدد للخطوات الإيرانية. كل خطوة كانت ربطاً بتنفيذ الإلتزامات الأوروبية، برغم أن فريق المحافظين في طهران كان ينادي منذ أشهر بخروج إيران كلياً من الإتفاق بسبب عدم تنفيذ الأوروربيين إلتزاماتهم، لكن الفريق الداعي إلى عدم قطع شعرة معاوية مع الوكالة الدولية، طلب تنسيق كل الخطوات الإيرانية مع الروس والصينيين حتى يتم تحميل الولايات المتحدة والأوروبيين مسؤولية سقوط الإتفاق النووي بسبب عدم إلتزامهم بموجباتهم، بدل أن تتحمل طهران المسؤولية، بما في ذلك أمام الحليفين الروسي والصيني.

ثمة إعتقاد شبه راسخ في طهران بأن اغتيال سليماني هو بمثابة المسمار الأخير في نعش الإتفاق النووي

وتزامن الموقف الإيراني مع إعلان الناطق باسم الخارجية الايرانية عباس موسوي أن هناك كلاما بشأن قيام وزير الخارجية محمد جواد ظريف بزيارة الى بروكسيل ولكن لم يتأكد الامر ولم يتخذ القرار بعد، موضحا أن هدف الدعوة “هو عدم التصعيد مع الاميركيين، وعدم الخروج من الاتفاق النووي بعد اغتيال سليماني”.

وكان ظريف قد حل قبل أيام قليلة ضيفا على موسكو ومن ثم بكين. هاتان الزيارتان جاءتا بعد مناورة بحرية مشتركة بين ايران وروسيا والصين في بحر عمان وشمال المحيط الهندي، وناقش خلالهما الوزير الإيراني مع نظيريه الصيني والروسي طبيعة الخطوة الخامسة التي سوف تتبناها طهران وطلب دعم موسكو وبيجينغ للخطوات الإيرانية المقبلة.

وكان لافتاً للإنتباه أيضا أن القائد السابق للحرس الثوري وأمين سر مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي طالب الحكومة بأن تسارع بإعلان الخطوة الخامسة على صعيد خفض ايران التزاماتها النووية.

تلقت طهران إشارات من بريطانيا وفرنسا وألمانيا بأن الدول الأوروبية الثلاث سوف تلجأ إلى تفعيل آلية فض النزاع

ويعتقد خبراء في طهران أن الولايات المتحدة وباغتيالها الجنرال سليماني “قضت على جميع فرص ترميم الإتفاق النووي، لا بل ثمة إعتقاد شبه راسخ بأن اغتيال سليماني هو بمثابة المسمار الأخير في نعش الإتفاق النووي”.

وقد تلقت طهران هذه الليلة إشارات من بريطانيا وفرنسا وألمانيا بأن الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في مجموعة 5+1 سوف تلجأ إلى تفعيل آلية فض النزاع المنصوص عليها في الإتفاق النووي.

وحسب آلية فض النزاع، إذا خرقت إيران التعهدات التي قطعتها على نفسها في الإتفاق النووي، فإن العقوبات السداسية التي أقرت ضد ايران في مجلس الأمن، وألغيت عام 2015 بموجب الإتفاق النووي، سوف تُستأنف من جديد، وهذه المرة بقوة دفع أوروبية، وليس أميركية.

وكانت إيران قد لوّحت للدول الأوروبية الثلاث بأنها إذا لم تف بإلتزاماتها، ستعلن الخطوة الخامسة التي تعتبر جرس إنذار أخير، قبيل إنهيار الإتفاق النووي، بمجرد أن تعلن طهران وقف تعاونها مع الوكالة الدولية.

ما هي آلية فض النزاع؟

تنص آلية فض النزاع في الإتفاق النووي على أنه في حال اعتقد أحد الأطراف في الإتفاق النووي بأن الطرف الآخر لا يلتزم بتعهداته في الإتفاق النووي، يمكنه أن يتقدم بشكوى إلى اللجنة المشتركة المشرفة على تنفيذ الإتفاق النووي، وإذا لم يتم التوصل إلى حل مقنع بالنسبة للشاكي خلال فترة أقصاها خمسة وثلاثين يوماً، يمكن للشاكي أن يعتبر عدم حل الخلاف مبرراً يتوقف بموجبه عن تنفيذ التعهدات التي قطعها على نفسه في الإتفاق النووي، ويبلغ مجلس الأمن بأن الخلاف لم يُحل، وفي الحقيقة، يتم تعطيل الإتفاق النووي بشكل كامل، بعد ذلك، سوف يكون أمام مجلس الأمن فرصة لا تزيد عن ثلاثين يوماً لكي يتخذ قراره، فإما أن يمدد قرار تجميد العقوبات (العقوبات السداسية المفروضة على ايران في مجلس الأمن والتي تم تجميدها بموجب الإتفاق النووي) أو أن يتبنى قراراً جديداً يُعيد بموجبه العقوبات الدولية ضد ايران ويُدخلها حيز التنفيذ.

إقرأ على موقع 180  تحولات أفغانستان.. في ميزان الحسابات الإسلامية واللبنانية

وإذا لم يتمكن مجلس الأمن من تبني قرار في هذا المجال خلال الفترة المذكورة، تعود جميع العقوبات المفروضة ضد ايران في مجلس الأمن بشكل اوتوماتيكي. هذه الآلية في الإتفاق النووي يُطلق عليها آلية فض النزاع (Snapback) أو إعادة فرض العقوبات (ضد ايران) بشكل سريع، والجدير بالإهتمام في هذه الآلية هو أن إعادة العقوبات لا تخضع لحق النقض (الفيتو).

وتقول طهران إن روسيا والصين بذلتا كل ما بوسعهما من أجل الالتزام بالوعود التي تعهدتا بها في الإتفاق النووي، وهاتان الدولتان هما من الأعضاء الأساسيين في الإتفاق النووي ومفاوضات 5+1 السابقة وبإمكانهما التصدي لأي خطوة مشتركة تعتزم الدول الأوروبية وأميركا اتخاذها ضد طهران، في ضوء الخطوة الخامسة، كما أنه بمقدور الصين وروسيا، إذا أرادتا، تقديم أدلة وافرة وكافية إلى اللجنة المشتركة المشرفة على الإتفاق النووي تحمّل الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي مسؤولية التراجع، لا سيما أن موسكو وبكين تجمعان على أن خروج أميركا من الإتفاق النووي وفرضها عقوبات إقتصادية أحادية الجانب بشكل غير قانوني ضد ايران وعدم التزام الدول الأوروبية بتعهداتها في الإتفاق النووي هي الأسباب التي تقف وراء إضعاف الإتفاق النووي الذي أصبح أيضاً عرضة للإنهيار مع الخطوة الإيرانية الخامسة.

يذكر أن الصين وروسيا بإمكانهما من خلال اللجنة المشتركة، إجبار الدول الأوروبية على عدم اتخاذ خطوة تفعيل آلية فض النزاع المنصوص عليها في الإتفاق النووي أو منع إعادة ملف العقوبات النووية المفروضة على ايران إلى مجلس الأمن الدولي.

 

Print Friendly, PDF & Email
طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الجيش الإسرائيلي يجهّز نفسه لهجوم ضد المستوطنات الشمالية