حرب أوكرانيا.. هل آن أوان إستراحة المحاربين؟

أكاد أجزم أن واحدا وواحدة في جبهة القراء ومثلهما في جبهة المتخصصين والعلماء الذين يكتبون في السياسة يستطيعون القول إنهم كانوا شهوداً خلال سنة واحدة، هي السنة الأخيرة، على عدد من القمم الدولية والإقليمية والمحدودة يساوي أو يزيد على عدد القمم التي انعقدت خلال سنوات كثيرة.

هذه الملاحظة إن صحّت ودلّت على أشياء فإنما على حال قلق وتوتر وصعوبة في تصور شكل المستقبل وأخطاء في التخطيط له وتخبط في مواجهة التحديات. تدلُ أيضاً على تكثيف أمريكي بريطاني ممنهج للضغط على دول حلف الناتو ودول آسيا وأفريقيا الرافضة الاحتكاك بالحرب. أتحدث هنا بخاصة عن قمم تدعو لها وتُنظمّها وتكتب نتائجها وبياناتها الولايات المتحدة وعن قمم إقليمية يتشابه بعضها مع القمم الدولية في الحيرة والشعور بعجز الإرادة وقلة الخيارات المتاحة وضغوط شعوب تعبت.

***

قرأت في لقاءات المعسكر الغربي وآخرها لقاء قمة الحلف الأطلسي في ليتوانيا وفي تطورات الأحداث داخل روسيا وآخرها التغيرات في القيادات العسكرية، قرأت ما يوحي بأن “المحارب” السياسي في الحرب “العالمية” الدائرة منذ أكثر من خمسمائة يوم تحت عنوان حرب أوكرانيا يريد، ولعله بالفعل في أشد الحاجة إلى، استراحة. لن أكون بين المتفاجئين إن صدر في أجل منظور إعلان من طرف ثالث عن التوصل إلى هدنة طويلة بين طرفي الحرب وأقصد بين واشنطن أو بروكسل من جهة وموسكو من جهة أخرى. يتلو هذا الإعلان مفاوضات قمة على أساس واقع مختلف كثيراً أو قليلاً عن الواقع الذي نشبت في ظله الحرب.

خمسمائة يوم أو أكثر من الحرب المكلفة مادياً وسياسياً كانت كافية لتفتح عيون الصين على حقائق جديدة، أهمها أن الحرب قد تكون فرصة للصين لتُجرّب عضلاتها وقواها الناعمة لتكسب بها أصدقاء في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وجزر في جنوب المحيط الهادي

***

عندما نكتب عن هدنة قريبة أو وقفة محارب أو مفاوضات فلا بد أن يكون وراء ما نقول مظاهر واضحة أو على الأقل خلاصات لاجتهادات وتفسيرات حول تغيرات واقعة أو متوقعة في سلوكيات الحرب والمتحاربين وسلوكيات الدبلوماسيين والمسئولين عن قطاعات الأمن القومي في الدول المتحاربة. بالفعل توفر من عناصر التغيير والضغط ومن التسريبات ما يسمح لنا، أو لي على الأقل، بالتهيؤ ولو نظرياً لمرحلة أخرى شديدة الاختلاف عن كثير من مراحل الانتقال السابقة من نظام قيادة عالمية إلى نظام قيادة جديد أو إلى نظام قيادة معدل. أعرض سريعاً لهذه العناصر كما أراها، علماً بأنها تظل خلاصة لاجتهادات لا أكثر.

أولاً؛ يوجد أكثر من دليل على أن عدداً متزايداً من دول الحلف الأطلسي أنهكه نزيف المعونات، أسلحة كانت أم أموالاً سائلة. تأتي الحرب في ظروف غير عادية، فآثار وتداعيات جائحة الكوفيد لم تغادر. كذلك الحال في مشكلات البطالة والهجرة والتضخم والتقاعد المبكر التي استمرت تتدفق في روافد الأزمة الاقتصادية مستنزفة اقتصادات معظم الدول الأوروبية ومتسببة في تصاعد أنشطة التيارات القومية المتطرفة. الحرب الأوكرانية رافد من هذه الروافد، وربما كان أهمها، لأنه يُجدّد في الوعي الأوروبي ذكريات تجارب سيئة مع حُكّام روسيا.

ثانياً؛ على العكس تماماً تعدّدت الشواهد على أن ما يسمى بالمجمع الصناعي العسكري أو ما يسمى بالدولة الأعمق في أمريكا اشتد ساعده لوقف اعتدال مجمع السياسة الخارجية المكون من وزارة الخارجية وبيوت العصف الفكري الليبرالية مثل مجلس الشئون الخارجية وجماعة العقول الخاصة المتقاعدة وفي مقدمها هنري كيسنجر بنفوذه الذهني الخارق للعادة ولحكم الزمن. أضف أنه صار يطل علينا بين الحين والآخر تيار في الكونجرس حريص على مسألة مختلفة وهي تجديد انتخاب جو بايدن رئيساً لولاية ثانية، المسألة التي تتطلب مراعاة مختلفة لجماعة ناخبة متقلبة الخيارات في شأن استمرار الدعم لأوكرانيا. لم ينس الناخب الأمريكي وعد دونالد ترامب أنه لو عاد إلى البيت الأبيض فسوف ينهي الحرب مع روسيا في 24 ساعة. هو الوعد ذاته الذي لن يتجاهله المهيمنون على شركات تصنيع السلاح والعسكريون المتقاعدون العاملون في خدمتها وفي خدمة جماعات الضغط.

ثالثاً؛ لا يبدو للشعوب الأوروبية أن هناك نهاية قريبة وسعيدة للحرب الدائرة بين حلف الأطلسي بقيادة أمريكا من ناحية وروسيا من ناحية أخرى. على العكس يبدو لهم ولغيرهم، مثل الصينيين وآسيويين آخرين، أن هناك قوى خفية تعمل على إطالة أمد الحرب وتضخيم صورة العدو الروسي وسد حاجة أمريكا المتطورة إلى حلف أوروبي موحد الصفوف، وحلف هندو أوروبي، يضمن كلاهما لأمريكا استعادة هيمنتها ويُقلّل فرص عودة روسيا إلى الصعود.

رابعاً؛ أدى التمديد المتعمد في عمر الحرب إلى نتائج لم يتوقعها الطرفان الأمريكي والروسي عند التخطيط لها وعند نشوبها. كعادتهم خطّط الأمريكيون للحرب كما خطّطوا لغيرها، نزهة قصيرة وتنتهي. لم ينتظروا هذا الدعم الطويل من جانب الحلفاء الأوروبيين، ولم يحلموا بعودة كل من اليابان وألمانيا إلى التسلح وربما إلى التعسكر. أقدر أنهم كانوا واثقين من أن الصين ما تزال بعيدة عسكرياً وسياسياً عن تهديد أمن أمريكا القومي وأمن حلفائها الآسيويين. إلا أن خمسمائة يوم أو أكثر من الحرب المكلفة مادياً وسياسياً كانت كافية لتفتح عيون الصين على حقائق جديدة، أهمها أن الحرب قد تكون فرصة للصين لتُجرّب عضلاتها وقواها الناعمة لتكسب بها أصدقاء في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وجزر في جنوب المحيط الهادي. في قول آخر كانت الحرب فرصة لتمتحن الصين مساحة نفوذها وتمارس أدواراً في مواقع صارت بفضل انشغال أمريكا وأوروبا في الحرب أكثر جاذبية ودعوة للتدخل ولم تعد وهماً أو خيالاً أو قراراً مؤجلاً.

إقرأ على موقع 180  مفاوضات إيرانية أمريكية جديدة.. "نعم"، لكن ما هي ملفاتها؟

خامساً؛ حلت ساعة الحساب. هل الهيمنة الأمريكية كما نشأت ومورست بعد انفراط الاتحاد السوفييتي في أواخر القرن العشرين استفادت من الصراع العسكري بين أوكرانيا وروسيا ولا دليل على ذلك، أم تضررت بدليل انحسارها المتدرج ولكن المتسارع؟ هل أخطأ الأمريكيون وهم يخططون لهذه الحرب حين افترضوا أمرين؟ افترضوا أن قوى في روسيا سوف تشتبك فيما بينها أو ضد قيادة الكرملين وأن الحرب بغياب الرئيس فلاديمير بوتين أو بثبوت ضعفه سوف تنتهي سريعاً. افترضوا أيضاً أن الصين عند أول استفزاز معد لها خلال الحرب، وأقصد زيارة السيدة نانسي بيلوسي لتايبيه، وأمام كفاءة أمريكا في تعبئة وحشد الحلفاء في أوروبا ضدها، ولسوء الإدارة الروسية للحرب وتميز الإدارة البريطانية الأمريكية سوف تُقرّر، أقصد الصين، التفكير في إزاحة خيار المواجهة والمنافسة الشاملة جانباً فتعود لأمريكا هيمنتها كاملة. أمام انكشاف خطأ الافتراضين شهدنا من ناحية دول الحلف تسريعاً وتضخيماً لآلة الحرب ومن ناحية أخرى التهويل في حملة علاقات عامة وإعلام دولي بقيادة الدبلوماسية الأمريكية ومن ناحية ثالثة هجمة دبلوماسية ناعمة تجاه الصين قد تتوج بلقاء مع الرئيس بايدن. الهدف على النواحي الثلاثة هو ببساطة، في رأيي، تقصير أمد الحرب أو وقفها بالسرعة الممكنة.

لن أكون بين المتفاجئين إن صدر في أجل منظور إعلان من طرف ثالث عن التوصل إلى هدنة طويلة بين طرفي الحرب وأقصد بين واشنطن أو بروكسل من جهة وموسكو من جهة أخرى. يتلو هذا الإعلان مفاوضات قمة على أساس واقع مختلف كثيراً أو قليلاً عن الواقع الذي نشبت في ظله الحرب

سادساً؛ أفرزت الحرب الأوكرانية منذ يومها الأول تياراً ثالثاً في ساحة العلاقات الدولية. تصورناه لفترة صيغة أخرى لمبدأ عدم الانحياز كما عرفناه في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. بعد قليل تيقنا أنه ليس صيغة أخرى لأي مبدأ معروف ولا تنطبق عليه قواعد وممارسات أي نمط مألوف في العلاقات الدولية كما عهدناها وعشناها أو قرأنا عنها. تيار بلا قيادة واضحة، الأمر الذي جعله خاضعاً لوعي أو إرادة الرأي العام في دول الجنوب وبالتالي غير قابل أو مستسلم لضغوط أي طرف من طرفي الصراع الدولي الناشب بين الغرب ممثلاً في دول حلف شمال الأطلسي والشرق ممثلاً في كل من روسيا والصين. نعيش ونراقب السباق المثير بين هذا الطرف وذاك على كسب ود حكومة أو أخرى من حكومات دول الجنوب المنضوية تحت راية هذا التيار الثالث وإن أمكن ضمها ضمن تحالفات نوعية وإقليمية مصممة خصيصاً لهذه الحرب. الرمز الأكثر تألقاً هو حكومة الحزب القومي الهندوسي المتطرف في الهند بعد أن صار رئيسها ناريندرا مودي الضيف الأشهر المتنقل بين عاصمة غربية وأخرى شرقية وثالثة ضمن التيار الثالث، بينما في واقع الأمر ما يزال شخصاً “غير مرغوب فيه” في الديموقراطيات الليبرالية الغربية وفي الصين وفي الوقت نفسه في داخل التيار الثالث الذي يضم دولاً الرأي العام فيها إسلامي العقيدة ومتعاطف مع معاناة الأقلية الإسلامية الضخمة في الهند. جدير بالذكر أن كثيرين في الغرب استهجنوا الاستقبال المبالغ فيه للزعيم الهندي في كل من واشنطن وباريس، باعتبار أنه عزّز اتهام الغرب، وبخاصة كل من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة بممارسة ازدواجية المعايير والنفاق السياسي إلى حد مهين للقيم التي نشبت حرب أوكرانيا للدفاع عنها.

***

الأسباب كثيرة ومتنوعة، تلك التي تدفعنا إلى أحضان أمل أن تتوقف قريباً الحرب التي نشبت في حقيقتها من أجل تمديد مرحلة انفراد أمريكا بالقيادة الدولية ومنع اختراق أسوار الهيمنة الأمريكية وإقامة نظام قيادة جديد. قد تتوقف الحرب ولكن السباق على تغيير نظام القمة مستمر، يمكن أن تتجدد الحرب نفسها، ويمكن أن تنشب حروب أخرى، ويمكن أن يبتكر المتسابقون أشكالاً جديدة.

 

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  يا للصاعقة: دراجة بايدن، كراي لونا وبروش نابيولينا!