لا يمكن لسلطة أبو مازن أن تواصل هذا التوازن المثير للسخرية

Avatar18018/02/2020
كتب الزميل رمزي بارود مقالة في "فورين بوليسي" بعنوان "الأزمة والفرص: "صفقة القرن".. تحدي أمام الفلسطينيين"، أخذ فيها على القيادة الفلسطينية أنها فشلت في تطوير إستراتيجية وطنية شاملة أبعد من مجرد رد الفعل التقليدي على ما تسمى "خطة" الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترامب، وهي، في الأصل، خطة إسرائيلية تبعا للوثائق التي تسلمها الفلسطينيون من الإسرائيليين في العامين 2011 و2012.

“على الرغم من احتجاجاتها المتكررة وإداناتها الغاضبة، تبدو المشكلة مع القيادة الفلسطينية في أنها لم تتخذ بعد مبادرات مستقلة أو تعمل خارج النمط  الأميركي-الإسرائيلي.

بعد عدة تأجيلات، أخيرًا كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن تفاصيل خطته للشرق الأوسط، التي أطلق عليها اسم “صفقة القرن”، في مؤتمر صحافي في واشنطن في ٢٨ كانون الثاني/ يناير 2020.

يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منتصراً إلى جانب ترامب، وهو مدرك تماماً أن توقيت الإعلان، قبل أسابيع قليلة فقط من الانتخابات العامة الإسرائيلية الثالثة في غضون عام واحد، تم تصميمه خصيصًا ليناسب أجندته الداخلية.

تتألف الوثيقة من ٨٠  صفحة، ٥٠ صفحة منها مخصصة بالكامل للجزء الاقتصادي للخطة، وكانت عبارة عن إعادة صياغة المقترحات الإسرائيلية السابقة التي رفضها الفلسطينيون والحكومات العربية بسبب فشلها في تلبية الحد الأدنى من معايير العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.

أكد المفاوض الفلسطيني السابق، صائب عريقات، في مقابلة له أن الخطة ليست أميركية، بل إسرائيلية. وقال عريقات “ما سمعته الليلة الماضية من ترامب هو ما سمعته من نتنياهو وفريق التفاوض في ٢٠١١-٢٠١٢”. “يمكنني أن أؤكد لكم أن الفريق الأميركي لم يكتب  كلمة واحدة أو فاصلة في هذا البرنامج. لديّ البروتوكولات وأنا على استعداد لكشف ما قدم لنا. هذه هي خطة نتنياهو ومجلس المستوطنين”.

لم يكن مفاجئًا إذن رد فعل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)، الذي وصف خطة ترامب بـ”مزبلة التاريخ”.

كما هو متوقع، منح ترامب نتنياهو كل ما يريده هو وإسرائيل. الرؤية الأميركية لـ”السلام” في الشرق الأوسط لا تتضمن اقتلاع مستوطنة يهودية غير شرعية واحدة وتعترف بالقدس كعاصمة “غير مقسمة” لإسرائيل. انها تتحدث عن دولة فلسطينية مشروطة ومشوهة لا يمكن تحقيقها إلا بناءً على توقعات مبهمة؛ إنها ترفض كلياً حق العودة للاجئين الفلسطينيين ولا تذكر كلمة “الاحتلال” ولو مرة واحدة.

من الواضح أن إسرائيل هي المستفيدة الوحيدة من الخطة الأميركية. الخطاب الصهيوني، القائم على أقصى قدر من المكاسب الإقليمية، قد ساد في النهاية. تمت تلبية كل المطالب الاسرائيلية. في هذه الأثناء، لم يحصل الفلسطينيون على شيء، باستثناء وعد بمطاردة سراب آخر لدولة فلسطينية ليس لها استمرارية إقليمية ولا سيادة حقيقية.

يستمر تجاهل المخاوف الفلسطينية، بعد أن تم تجاهل الحقوق الفلسطينية لسنوات عديدة، حتى خلال ذروة “عملية السلام”، في أوائل ومنتصف تسعينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، تم تحويل جميع القضايا الأساسية إلى “مفاوضات الوضع النهائي”، والتي لم تنعقد مطلقًا.

لقد أثبتت “صفقة القرن” صحة الوضع القائم كما يتوخاه ويفرضه الإحتلال الاسرائيلي. لذلك، ستفشل خطة ترامب في حل النزاع. والأسوأ من ذلك أنها ستفاقم الأمر أكثر فأكثر، لأن لدى إسرائيل الآن شيكاً فارغاً لتسريع مشروعها الاستعماري، وترسيخ احتلالها العسكري وقمع الفلسطينيين، الذين سيستمرون بالتأكيد في مقاومتهم.

لا ينبغي أبدًا استخدام الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين كورقة مساومة أو كتكتيك للتخويف أو كخيار أخير يهدف إلى تحسين صورة محمود عباس بنظر شعبه

أما بالنسبة للمكون الاقتصادي للخطة، فقد أثبت التاريخ أنه لا يمكن أن يكون هناك ازدهار اقتصادي تحت الاحتلال العسكري.

لقد جرب نتنياهو وآخرون من قبله هذه الأساليب المشبوهة، مثل “السلام الاقتصادي” وكلهم فشلوا فشلاً ذريعًا.

لقد أوضحت الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا أنها تتبع مسارًا سياسيًا مختلفًا عن المسار الذي اتبعته واشنطن، وأن جميع القرارات الأميركية المتعلقة بوضع القدس والمستوطنات غير الشرعية وهضبة الجولان “لاغية” و”باطلة”.

القانون الدولي وحده هو المهم، حيث لم ينجح أي من أعمال ترامب في السنوات الأخيرة في تغيير الإجماع العربي والدولي الكبير على حقوق الفلسطينيين.

بالنسبة لوضع الفلسطينيين – وحقوقهم في مدينتهم المحتلة – القدس الشرقية، وإعادة تسمية بعض الأحياء – كفر عقاب، الجزء الشرقي من شعفاط وأبو ديس – القدس، أو القدس الشرقية، هي خطة إسرائيلية قديمة فشلت في الماضي. كان لدى الزعيم الفلسطيني الراحل ياسرعرفات، ما يكفي من الحنكة السياسية  لرفضها، ولن يجرؤ محمود عباس ولا أي مسؤول فلسطيني آخر على التنازل عن الحقوق الفلسطينية التاريخية والقانونية في المدينة.

لا يمكن إعفاء القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني، وفشلها المطلق في تطوير استراتيجية وطنية شاملة.

فور إعلان ترامب عن خطته، دعا عباس جميع الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك خصومه في حركة حماس، إلى الوحدة ووضع استراتيجية مشتركة لمواجهة “صفقة القرن”. مع العلم أن المؤامرة الأميركية الإسرائيلية كانت وشيكة، لماذا انتظر عباس كل هذا الوقت للدعوة إلى استراتيجية مشتركة؟

لا ينبغي أبدًا استخدام الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين كورقة مساومة أو كتكتيك للتخويف أو كخيار أخير يهدف إلى تحسين صورة عباس في نظر شعبه.

تواجه السلطة الفلسطينية الآن أزمة وجودية. كان الهدف من تشكيلها في عام ١٩٩٤ تهميش منظمة التحرير الفلسطينية. وفقًا للإملاءات الأميركية الجديدة، تجاوزت السلطة الفلسطينية بالفعل فائدتها.

بالنسبة لإسرائيل، فإن السلطة الفلسطينية ضرورية فقط للحفاظ على “التنسيق الأمني” مع الجيش الإسرائيلي، ما  يعني ضمان سلامة المستوطنين اليهود غير الشرعيين والمسلحين في فلسطين المحتلة. في حين أن الوحدة بين الأحزاب الفلسطينية مطلب أساسي، لا يمكن لسلطة عباس أن تواصل هذا التوازن المثير للسخرية: تتوقع وحدة وطنية حقيقية ودائمة بينما هي مستمرة في تأدية الدورالمطلوب منها من قبل إسرائيل وحلفائها.

في حين أن “خطة” ترامب الوهمية لا تغير جذريًا السياسة الخارجية الأميركية في إسرائيل وفلسطين – كما كان التحيز الأميركي تجاه إسرائيل يسبق ترامب لعقود – فقد أنهى بالتأكيد ما تسمى بـمهزلة “عملية السلام”، التي قسمت الفلسطينيين إلى معسكرين “معتدل” و”متطرف”.

الآن، أصبح جميع الفلسطينيين “متطرفين” من وجهة نظر واشنطن، وكلهم منبوذون ومهمشون على حد سواء.

سيكون عباس مخطئًا بشكل رهيب إذا اعتقد أنه يمكن إنقاذ الخطاب السياسي القديم، والذي كان مكتوبًا في واشنطن.

على الرغم من احتجاجاتها المتكررة وإداناتها الغاضبة، المشكلة مع القيادة الفلسطينية هي أنها لم تتخذ بعد مبادرات مستقلة أو تعمل خارج النمط الأميركي-الإسرائيلي.

هذا هو أكبر تحد للقيادة الفلسطينية في هذه المرحلة. هل ستمضي قدماً باستراتيجية تتمحور حول فلسطين أم تستمر بالمراوحة، وتجتر اللغة القديمة وتتذكر الأيام الخوالي”؟

(ترجمة ساره سنو)

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download