السوريون التائهون على أبواب أوروبا: بيدق تركي يواجه الريح

ما ان وصلت أنباء عن مقتل أكثر من ثلاثين جندياً تركياً في غارة جوية سورية في إدلب، حتى أعلنت أنقرة فتح حدودها أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، بهدف الضغط على الاتحاد الأوروبي وأعضاء "الناتو" للتدخل ومؤازرة تركيا في حربها على الأراضي السورية، الأمر الذي دفع آلاف السوريين الذين ضاقوا ذرعاً من الحياة في تركيا إلى التوجه نحو الحدود مع اليونان أملاً بدخول "الجنة الأوروبية"... ولكن ذلك لم يحصل.

خلال أقل من 48 ساعة على إعلان تركيا فتح حدودها نحو أوروبا، وتجهيز سيارات لنقل السوريين الراغبين بالتوجه غرباً، وتوزيع خرائط توضح للسوريين الطرق التي يمكن أن يسلكونها بعد تجاوز اليونان، احتشد آلاف السوريين على أبواب اليونان، التي أحكمت إغلاق حدودها ودفعت بتعزيزات عسكرية لمنع دخول السوريين، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها في الوقت الحالي، ورفض أوروبا استقبال هذه الموجات الكبيرة دفعة واحدة، الأمر الذي وضع السوريين في مهب الريح.

أكثر من 76 ألف سوري غادروا تركيا من معبر مدينة أدرنة، باتجاه اليونان، وفق الأرقام التي ذكرها وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في تغريدة له على موقع “تويتر”، وهو رقم لا يمكن الاعتماد عليه، وقد يكون الهدف منه زيادة الضغط على أوروبا. رغم ذلك، أظهرت تسجيلات مصورة وصور نشرتها صفحات وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أوضاعاً مأساوية يعيشها السوريون المرميون في العراء.

بعض السوريين الذين حاولوا اختراق الحدود اليونانية، قوبلوا بردة فعل عنيفة من قوات حرس الحدود، حيث قامت السلطات اليونانية بمصادرة أمتعتهم وكل ما بحوزتهم، ورميهم مرة أخرى خارج حدودها.

في مقابل ذلك، حاول أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وفق ما أكد ناشطون سوريون، العودة إلى تركيا بعدما وجدوا الحدود اليونانية مغلقة، وفي ظل الظروف الجوية السيئة، إلا أن السلطات التركية منعتهم من العودة، وأجبرتهم على البقاء في العراء عند الحدود اليونانية.

لماذا يغادرون تركيا؟

تستقبل تركيا، وفق الأرقام التي تعلنها، نحو 3.7 ملايين لاجئ سوري، موزعون بين مخيمات أو داخل المدن بعد منحهم أوراق رسمية. الأرقام التركية المعلنة هي ذاتها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، حيث شددت تركيا إجراءاتها قرب الحدود السورية، وقامت ببناء جدار اسمنتي فاصل، وقمعت بالقوة محاولات عديدة، الأمر الذي أدى إلى مقتل مئات السوريين الذين حاولوا دخول تركيا.

تتفاوت طريقة تعامل الأتراك للسوريين نتيجة عوامل عدة، وفق ما أكد عدد من السوريين لـ “180”، حيث تختلف طبيعة الحياة بين المدن والبلدات القريبة من الحدود السورية، وأنقرة ومحيطها، إلا أنه ورغم ذلك ثمة عوامل مشتركة عديدة، كاستغلال السوريين وتشغيلهم بأجور زهيدة، أو المماطلة في تقديم الرعاية الصحية لهم، بالإضافة إلى الحملات الشعبية العنصرية المستمرة ضدهم، بين وقت وآخر.

مسعود، مواطن سوري يعيش في المانيا منذ نحو عامين، قال في حديث إلى “180” أن السبب الأبرز الذي دفعه للسفر إلى أوروبا هو “البحث عن حياة كريمة”، موضحاً أن الضغوط ازدادت بشكل كبير على السوريين بعد العام 2016، عندما أبرت انقرة اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي حصلت بموجبها على نحو 6 مليارات دولار مقابل إغلاق حدودها في وجه السوريين ومنعهم من دخول أوروبا.

بدوره، يذكر أحمد، الذي يعيش في ألمانيا أيضاً منذ نحو عام، خلال حديث إلى “180” مفارقات عديدة حول طريقة معاملة السوريين، حيث يعامل الذين يحملون السلاح ويقاتلون في صفوف الفصائل المسلحة التي تقودها تركيا في سوريا معاملة جيدة، وتقدم لهم الرعاية الصحية، كما منح بعضهم الجنسية التركية، التي منحت أيضاً لكثير من الأطباء والمهندسين والرياضيين، ورجال الأعمال، في حين يعامل من لا يملك المال معاملة سيئة جداً.

وبعد سيطرة تركيا على مناطق في شمال سوريا غداة شن عمليتي “غصن الزيتون” و “درع الفرات”، قامت السلطات التركية بعمليات فرز وانتقاء للاجئين السوريين، حيث بدأت عمليات توطين لبعض السوريين مضموني الولاء لتركيا في عفرين والمناطق الحدودية، بعد تهجير سكان المنطقة الاكراد، ضمن خطة تهدف إلى ضمان وجود مستقبلي لتركيا في تلك المنطقة، حتى وإن اضطرت القوات التركية إلى الخروج من سوريا نتيجة اية تطورات سياسية أو عسكرية دولية.

وبعد عمليات الفرز والانتقاء، وتجنيس قسم من السوريين، وتوطين قسم آخر، يبدو أن تركيا وجدت في القسم الثالث، غير مضمون الولاء، والذي لا يملك المال الكافي، أو لا يمكن استغلاله علمياً أو في العمليات القتالية، فائضاً بشرياً زائداً عن حاجتها، فبدأت تضيق الخناق عليه بشكل تدريجي.

وعلى الرغم من تعهدها إغلاق حدودها من أوروبا ومنع صول اللاجئين، شهدت تركيا خلال الأعوام الأربعة الماضية نشاطاً متزايداً لعصابات التهريب والاتجار بالبشر، دون أي تدخل من السلطات التركية، حيث عملت هذه العصابات على تهريب ونقل السوريين إلى أوروبا بشكل مستمر، مقابل مبالغ مالية تجاوزت في بعض الأوقات العشرة آلاف يورو، وفق شهادات لسوريين.

ومع إعلان تركيا فتح حدودها، ومعرفتها الدقيقة برغبة قسم كبير من السوريين الخروج من “الجحيم” الذي وضعتهم فيه، توافد آلاف السوريين إلى الحدود الأوروبية أملاً بالوصول إلى أوروبا، الأمر الذي استثمرته تركيا بشكل كبير، ومازالت تستثمره، للضغط على أوروبا ودول “الناتو” بهدف الحصول على مزيد من الدعم والمساعدة في مشروعها “العثماني” في الداخل السوري.

عواصف.. وانتظار

أمام الحدود اليونانية المغلقة، ينتظر آلاف السوريين الفرصة لدخول أوروبا، في ظل ظروف جوية صعبة، حيث اشتدت خلال اليومين الماضيين العواصف المطرية، وانخفضت درجات الحرارة.

وبينما حاول كثيرون تجاوز الحدود، ردت السلطات اليونانية على هذه المحاولات بالقنابل المسيلة للدموع، وقامت بتفريق المتجمعين وإبعادهم.

ولا تعتبر الظروف الحالية التي يعيشها السوريون أمام الحدود اليونانية جديدة، حيث بدأت اليونان خلال الأعوام الماضية في تشديد حراستها عند الحدود، وعمدت إلى قمع الذين حاولوا دخول أراضيها، خصوصاً أنها تعاني من أزمات اقتصادية، بالإضافة إلى وجود مشاكل لوجستية عالقة تتمثل بمخيمات للاجئين سوريين موجودين على أراضيها رفضت تركيا إعادتهم.

كذلك، لا يعتبر السلوك التركي جديداً، أو مفاجئاً، فقد هددت تركيا قبل نحو شهر دول الاتحاد الأوروبي بالتملص من الاتفاق المبرم معه، بحجة عدم دفع باقي المستحقات التي تضمنها، وذلك بعدما شهدت أوروبا موجات متزايدة من اللاجئين السوريين الذي تدفقوا إلى أراضيها، بتسهيلات من تركيا.

ومنذ توقيع الاتفاق، استعملت أنقرة “كارت” اللاجئين السوريين وهددت الاتحاد الأوروبي بفتح أبوابها والتملص من الاتفاق، لابتزاز أوروبا أكثر من مرة.

وتراهن تركيا على نجاح ضغوطها هذه المرة، بعد نجاح هذا “الكارت” في الأوقات السابقة، خصوصاً مع تنامي نفوذ التيارات اليمينية المعادية للاجئين في أوروبا، ووقوع أكثر من هجوم “إرهابي” في دول الاتحاد الأوروبي، الأمر لذي تخشى أوروبا تفاقمه في حال تسلل “إرهابيون” ضمن موجات اللجوء، الأمر الذي من شأنه أن يخلخل الأمن الداخلي في أوروبا.

وبينما تحاول تركيا ابتزاز أوروبا وجرها إلى الحرب في سوريا للمساعدة في مشروعها “العثماني” تحت قناع “الأزمة الإنسانية”، باستخدام السوريين كسلاح مباشر في هذه المعركة السياسية والاقتصادية، تغلق تركيا أبوباها بشكل محكم أمام موجات النزوح في الداخل السوري، وتمنع دخول أي سوري إلى أراضيها، خوفاً من تسلل الفصائل المسلحة التي تدعمها في سوريا، الأمر الذي من شأنه أن يوفر الأرض لتنامي “الإرهاب” داخل أراضيها.

ولا تخفي تركيا منذ اندلاع الحرب في سوريا مشاريعها الاستعمارية “العثمانية”، حيث صرح مسؤولون أتراك، بينهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان نفسه، برغبة تركيا استعادة أمجاد “العثمانيين”، والسيطرة على الشمال السوري، الذي يضم حلب وإدلب، بحجة إقامة “منطقة آمنة”، الأمر الذي لم يسر وفق ما خططت له تركيا، ما يفسر استعمال تركيا كل أسلحتها في الحرب الحالية، بما في ذلك السوريون أنفسهم المرميون على حدود أوروبا لابتزازها.

علاء حلبي

صحافي سوري

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course