عبء الذاكرة والجار المتغيّر: قراءة في العلاقة اللبنانية–السورية

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

منذ استقلال لبنان عام 1943، تشكّلت بين لبنان وسوريا معادلة غير متكافئة؛ بين دولة صغيرة تسعى إلى تثبيت كيانها وهويتها، مقابل دولة أكبر تعتبر الساحل اللبناني عمقًا طبيعيًا لأمنها ودورها الإقليمي. زاد من تعقيد هذه المعادلة أنّ الحدود نفسها لم تنشأ من تفاوض متوازن، بل من رسمٍ فرنسيّ واجه رفضًا سوريًا مبكرًا. فجزء واسع من النخب السورية رأى في لبنان امتدادًا لا يجوز فصله، فيما دفعت نخب لبنانية، خصوصًا المارونية، نحو سردية «الكيان المميّز» ذي الهوية الخاصة. بهذا المعنى، وُلد التوتر من لحظة التأسيس: لبنان كـ«وطن–دولة» في مقابل سوريا كـ«وطن–إقليم».

في الداخل اللبناني، لم يكن التعريف بالذات أكثر حسمًا. فقد خرج البلد من الانتداب بلا رؤيةٍ جامعة؛ الموارنة رأوا فيه كيانًا مستقلًا له امتدادات غربية وثقافية خاصّة، والسنّة حملوا حلم الوحدة العربية، بينما تأرجحت مقاربة الشيعة والدروز بين المشاركة في الكيان والاحتجاج على شروطه. هذه الهشاشة البنيوية انعكست مباشرةً على قدرة الدولة على بلورة سياسةٍ واضحة تجاه سوريا. على الجانب الآخر، كانت سوريا تعيش بين عامَي 1946 و1970 سلسلةً من الانقلابات والاضطرابات وصعودَ البعث، وهي تحوّلات غذّت سرديّةً تعتبر لبنان «مجال نفوذ طبيعيًا» يؤدي أدوارًا اقتصاديةً وسياسيةً تخدم توازنات دمشق وحساباتها أكثر مما تعكس مصالح لبنان الوطنية.

ضمن هذا السياق، دخلت القوات السورية إلى لبنان عام 1976 تحت مظلّة «قوات الردع العربية». كان الهدف المعلن وقف الحرب الأهلية، إلا أنّ هذا الدور تطوّر تدريجيًا إلى إدارة شاملة للملف اللبناني: ضبط الميليشيات، إدارة الأمن، الإمساك بتوازنات الطوائف، والتحكّم بالقرارين السياسي والاقتصادي. ومع اتفاق الطائف، تحوّلت سوريا إلى «الضامن الفعلي» للنظام اللبناني، بمباركة أميركية سعودية، حتى خروج جيشها عام 2005. لكن هذه المرحلة الطويلة لم تُنتِج ذاكرةً واحدة، بل ذاكراتٍ متصارعة: ذاكرةَ خوفٍ ووصايةٍ لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وذاكرةَ امتنانٍ لدى حلفاء دمشق، وذاكرةً انتقائيةً تحاول إنكار بعض الحقائق أو تبريرها من الطرفين. هكذا تحوّلت الذاكرة نفسها إلى فاعل سياسي، يُستدعى عند كل أزمة لترسيم حدود القبول والرفض في العلاقة مع دمشق.

لا يبدو أنّ الخيار الواقعيَّ للبنان وسوريا هو بين قطيعةٍ مستحيلة ووصايةٍ مرفوضة، بل بين إعادة إنتاج أنماط الهيمنة القديمة أو محاولة بناء شراكةٍ واقعيةٍ بشروطٍ جديدة. هذه الشراكة لا يمكن أن تقوم من دون اعترافٍ متبادلٍ بسيادةٍ متوازنة، يضع حدًّا لأيّ إغراءٍ بالتدخّل المباشر في الشؤون الداخلية، ومن دون ضبطٍ جدّيّ للحدود يكبح الاقتصاد الرماديّ ويعيدُه إلى إطارٍ قانونيّ يخدم مصلحتَي الدولتين بدل أن يغذّي شبكات التهريب

تداعيات الإنهيار السوري

بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، تبدّل شكل النفوذ ولم يختفِ. فقد استمرّت شبكات الحلفاء والعلاقات الأمنية والسياسية في ربط الساحتين بطرقٍ غير رسمية. لكن الانعطافة الكبرى جاءت مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حيث انقلب المشهد: تحوّل لبنان من ساحةٍ متلقّيةٍ للنفوذ السوري إلى ساحةٍ مستقبِلةٍ لتداعيات الانهيار السوري. موجات النزوح الواسعة أعادت تعريف العلاقة اليومية بين المجتمعين؛ إذ رأى جزءٌ من اللبنانيين في اللاجئين تهديدًا ديموغرافيًا واقتصاديًا، فيما رأى كثيرٌ من السوريين في لبنان محطةَ لجوءٍ اضطرارية تُستغلّ دوليًا للحصول على المساعدات. في المقابل، ظهرت الدولة اللبنانية عاجزةً عن إدارة الملف، بينما ربط المجتمع الدولي عودةَ اللاجئين السوريين بضماناتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ معقّدة.

لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي العام 2012، قرّر حزب الله التدخّل عسكريًا في الحرب السورية، فانتقل «المعبر» بين البلدين من السياسي إلى العسكري. هذا التدخّل نقل جزءًا من المواجهة من الجنوب اللبناني إلى العمق السوري، ووطّد الارتباطَ الاستراتيجي بين الحزب وإيران، وساهم في تغيير موازين القوى داخل سوريا، كما أعاد تشكيل التوازنات الدقيقة في الداخل اللبناني نفسه. بالتوازي، نشأ على الحدود اقتصادٌ رماديّ واسع: تهريبٌ منظّم للسلع والوقود، وتداخلٌ في شبكات المصالح بين مجموعاتٍ محليةٍ وأطرافٍ سياسية، ما أضعف أكثر ما تبقّى من قدرة الدولتين على ضبط حدودهما لمصلحة القانون، لا لمصلحة الفاعلين المسلّحين.

هنا تحديدًا تظهر قوة «الذاكرة السياسية» كعامل حاسم؛ فكلُّ طرفٍ قرأ الحرب السورية وأدوار الفاعلين من خلال رواياتٍ سابقة. بعضُ اللبنانيين رأى في الحرب فرصةً «للتخلّص من نفوذ تاريخي» أو لـ«تصحيح ميزان القوى»، فيما رآها آخرون تحصينًا لـ«محور مقاومة» يتجاوز الحدود وينقطع “أوكسيجنه” بلا البوابة الدمشقية. في المقابل، استعاد خطابٌ سوريٌّ رسميّ، وشعبيّ أحيانًا، سرديّاتٍ عن دور دمشق في «منع تقسيم لبنان» أو «حماية استقراره»، ليبرّر حاجتَه إلى حلفاء لبنانيين وإلى عمقٍ اقتصادي خلال سنوات الحرب والعقوبات.

الجار السوري المتغير

إقرأ على موقع 180  جبهةُ لبنان.. دعوةٌ إلى تصويب النّقاش الاستراتيجيّ

منذ تسلُّم أحمد الشرع الرئاسةَ المؤقتة في سوريا، عقب سقوط نظام بشار الأسد في نهياة العام 2024، لم تعد التحوّلات في دمشق مجرّد فرضيات أو سيناريوهات، بل واقعًا سياسيًا قائمًا يعيد رسم خرائط الجوار. فـ«الجار المتغيّر» بات حقيقة لا عنوان تحليلٍ فقط؛ والرئاسة الانتقالية في سوريا تسعى إلى إعادة بناء شرعية الدولة في الداخل، وترتيب مؤسساتها، وفتح قنواتٍ أوسع مع العواصم العربية والدولية، تمهيدًا لمسار إعادة إعمارٍ تدريجي وتخفيفٍ للعقوبات. في هذا الإطار، بدأ اعتمادُ دمشق على لبنان كممرٍّ ماليٍّ ومصرفي يتراجع، ومعه تزداد المؤشرات إلى عودةٍ تدريجيةٍ لليد العاملة السورية إلى الداخل، وإلى انخفاض حاجة النظام السوري إلى الساحة اللبنانية بوصفها ورقةَ تفاوضٍ إقليميةً أو أداةَ ضغطٍ كما كانت في العقود السابقة.

غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ هذا التحوّل السوريّ الفعلي يتزامن مع انهيارٍ لبنانيّ غير مسبوق. فالدولة اللبنانية التي كانت تعاني أصلًا من هشاشةٍ بنيوية باتت اليوم أقلَّ قدرةً على إنتاج سياسةٍ خارجيةٍ متماسكة، وأضعفَ في التفاوض مع جارٍ أكبرَ يحاول إعادة ترتيب بيتِه الداخلي وموقعه الإقليمي. يضاف إلى ذلك تبدّلُ الأجيال؛ فجيلٌ واسع من اللبنانيين لم يعش تجربةَ الوجود العسكري السوري المباشر، كما أنّ جيلًا سوريًا كاملًا تشكّل وعيُه على وقع الحرب والمرحلة الانتقالية، لا على زمن الوصاية في لبنان. هذه المسافة مع الماضي قد تفتح نظريًا هامشًا لعلاقةٍ أكثرَ طبيعية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الذاكرةَ ساحةَ نزاعٍ بين سرديّاتٍ متوارثةٍ وأجيالٍ تطمح إلى تجاوزها من دون إنكارها.

أمام هذا المشهد، لا يبدو أنّ الخيار الواقعيَّ للبنان وسوريا هو بين قطيعةٍ مستحيلة ووصايةٍ مرفوضة، بل بين إعادة إنتاج أنماط الهيمنة القديمة أو محاولة بناء شراكةٍ واقعيةٍ بشروطٍ جديدة. هذه الشراكة لا يمكن أن تقوم من دون اعترافٍ متبادلٍ بسيادةٍ متوازنة، يضع حدًّا لأيّ إغراءٍ بالتدخّل المباشر في الشؤون الداخلية، ومن دون ضبطٍ جدّيّ للحدود يكبح الاقتصاد الرماديّ ويعيدُه إلى إطارٍ قانونيّ يخدم مصلحتَي الدولتين بدل أن يغذّي شبكات التهريب. كما أنّها تفترض معالجةَ ملفّ النزوح بعيدًا عن خطاب التخويف أو الاستثمار السياسي، عبر خطةٍ لبنانيةٍ واضحة، وتفاهمٍ لبناني – سوريّ على عودةٍ تدريجيةٍ آمنةٍ بضماناتٍ دوليةٍ قابلةٍ للتطبيق، لا بشعاراتٍ قصوى لا تجد من يترجمها.

إلى جانب ذلك، يحتاج الطرفان إلى إعادة تعريف التعاون الاقتصادي بحيث ينتقل من ارتهانٍ متبادلٍ هشّ إلى مصالحَ مشتركةٍ متوازنة، في مجالات النقل والطاقة وإعادة الإعمار، من دون أن يتحوّل لبنان مجدّدًا إلى «ممرٍّ ماليّ» هشٍّ لسوريا، أو تتحوّل سوريا إلى منفذٍ وحيدٍ لإنقاذ الانهيار اللبناني. وقبل هذا كلّه وبعده، تبقى «إدارة الذاكرة» شرطًا لا غنى عنه، مواجهةً صريحةً مع فصول الوصاية والحرب والانتهاكات، ومع دور النخب المحلية في البلدين، بدل ترك هذه الذاكرة خامًا جاهزًا للتحريض عند اندلاع كل أزمة بين البلدين.

الجغرافيا لا تتغيّر، لكنّ معنى الجوار يمكن أن يتبدّل. إمّا أن يبقى اللبنانيون والسوريون أسرى ماضٍ يعيد إنتاج نفسه عند كلّ منعطف، وإمّا أن ينجحوا في تحويل إرث الجوار من عبءٍ إلى فرصة. ما سيحسم الاتجاه ليس فقط ما يجري في دمشق أو بيروت، بل أيضًا القرارُ المشترك: هل تُستخدم الذاكرةُ سلاحًا في صراعٍ جديد، أم تُستثمَر أساسًا لتعاقدٍ مختلفٍ بين جارَين محكومين بالتشارك في المصير، مهما بدت الطرق متباعدةً مؤقّتًا؟

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "المحور" والمراجعة المطلوبة.. رسم استراتيجية مقاومة جديدة (2 من 2)