معركة سراقب… صدمة تركية واهتمام اسرائيلي

على الرغم من تنفيذ الجيش السوري والفصائل المؤازرة له عشرات العمليات العسكرية في الشمال السوري، والسيطرة على مناطق واسعة خلال وقت قياسي، تضمنت السيطرة على طريق حلب – دمشق، وتأمينه، بالإضافة إلى تأمين مدينة حلب، شغلت معركة سراقب الأخيرة وسائل الإعلام، التي ناقشت تفاصيلها بشكل كبير، حتى أن وسائل إعلام إسرائيلية حللت المعركة بشكل دقيق، فلماذا كل ذلك؟

بعد أيام قليلة من إعلان الجيش السوي سيطرته على طريق حلب – دمشق (M5) وتأمينها، شنت الفصائل المسلحة بدعم تركي جوي ومدفعي مركز هجوماً على نقاط الجيش السوري في سراقب، الأمر الذي دفع قوات الجيش السوري إلى التراجع إلى أطراف المدينة الاستراتيجية لامتصاص الهجوم، ما تسبب بقطع طريق حلب – دمشق، كما وضع قدماً لتركيا في نقطة استراتيجية تشرف أيضاً على طريق حلب – اللاذقية (M4)، والذي يعمل الجيش السوري على استعادته وتأمينه تمهيداً لفتحه.

ما إن دخلت الفصائل المسلحة والقوات التركية مدينة سراقب، بدأت عمليات تحصين دفاعاتها، والتمركز ضمن نقاط محددة لضمان ديمومة السيطرة، الأمر الذي عولت عليه أنقرة بأن يلعب دوراً حاسماً خلال المفاوضات التركية – الروسية حول إدلب، وهو ما تعرفه دمشق وموسكو تماماً، ما دفع إلى تنفيذ عملية محكمة لاستعادة المدينة.


أسلوب جديد

خلال عملياته في الشمال السوري، اعتمد الجيش السوري على تكتيك محدد، تشكل الكثافة النارية عموده الفقري، حيث يقوم سلاحا المدفعية والطيران بتمهيد الأرض، قبل أن تتقدم وحدات المشاة الراجلة لتمشيط المناطق وتثبيت مواقع دفاعية فيها، تمهيداً لاستكمال العملية والسيطرة على مناطق جديدة، عن طريق توسيع مناطق المعركة وفتح أكثر من جبهة في وقت واحد، الأمر الذي ساهم في تشتيت قوات الفصائل المسلحة، ووضع بعضها في مواقع عديدة بين فكي كماشة لتجبر في النهاية على الانسحاب خوفاً من الحصار التام.

وعلى عكس المعارك السابقة، امتلكت الفصائل المسلحة هذه المرة أسلحة جديدة، أبرزها سلاح الطيران، بالإضافة إلى دعم عسكري مفتوح، وغطاء ناري كثيف، ومضادات طيران، وهي عوامل شكلت بمجملها صورة مختلفة لواقع المعركة، لتتحول إلى مزيج بين “حرب العصابات” و”الحرب النظامية”، وهو الشكل الهجين الذي قد تكون عوّلت عليه تركيا لضمان سيطرتها على سراقب، وتحصيل مكاسب ميدانية كبيرة يمكن استغلالها سياسياً خلال جولات المفاوضات.

وأمام أهمية سراقب، وضرورة استعادتها لضمان فتح الطرق نحو حلب من جهة، وتقزيم الطموح “العثماني” من جهة أخرى، بدأ الجيش السوري، والفصائل التي تؤازره في إعداد خطة جديدة بأسلوب جديد، يضمن تحييد سلاح الطيران التركي، والطائرات المسيّرة التي ترصد كل التحركات على الأرض من جهة، ويضمن أيضاً استعادة المدينة في أسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر الممكنة.

وبينما تعددت الروايات حول الأسلوب الذي اتبعه الجيش السوري لاستعادة السيطرة على المدينة خلال وقت قياسي، على الرغم من كل هذه المعوقات، شرح القيادي الميداني سليمان شاهين في منشور له على موقع “فيسبوك” بعض الحقائق حول هذه المعركة التي وصفها بـ “معركة كسر العظام”، والتي شارك فيها “حزب الله”.

سليمان شاهين، ذكر أن أفضل خيار كان متاحاً لتنفيذ العملية تمثل في عملية “تسلل ليلية”، الأمر الذي يضمن عنصر المفاجأة من جهة، وتحييد أسلحة الفصائل وتركيا من جهة أخرى. وشرح أن “عناصر من حزب الله دخلوا المدينة من الجهة الشمالية والأوتوستراد، في حين دخلت قوات من الجيش السوري المدينة من الجهة الجنوبية، فكانت عملية مباغته تكللت بالنجاح وتحررت سراقب”. وأضاف “تابع الجيش السوري تحرير محيط سراقب الجنوبي (داديخ وجوباس) لتأمين الطريق الدولي، فكانت المعارك قاسية جداً بسبب كثافة الطيران التركي المسيّر وتسببت بخسائر كبيرة”.

وبعد سيطرة الجيش السوري على سراقب وتأمينها، أعلنت روسيا تسيير دوريات من الشرطة العسكرية في المدينة، الأمر الذي قطع الطريق بشكل نهائي أمام الفصائل المسلحة وتركيا لشن هجمات جديدة عليها واسترجاعها، أو حتى تحويلها إلى “معركة استنزاف” طويلة الأمد.

صدمة تركية… واسرائيلية

مثلت استعادة الجيش السوري مدينة سراقب صدمة لتركيا التي وجدت نفسها فجأة وقد خسرت أحد أبرز “كروتها” التفاوضية مع روسيا، على الرغم من الزخم العسكري الكبير الذي وفرته لقواتها على الأرض، وللفصائل المسلحة التي تقدم لها الغطاء الجوي والناري.

وحاولت تركيا شن ثلاث هجمات على محاور في محيط سراقب، دون احتكاك مع القوات الروسية، إلا أن قوات الجيش السوري تمكنت من التصدي لهذه الهجمات، وتدمير المفخخات، والعربات العسكرية قبل وصولها إلى مواقع الصدام المباشر، وفق ما ذكر مصدر ميداني لـ “180”.

وذكرت وسائل إعلام سورية معارضة أن تركيا ناقشت إمكانية فتح محاور جديدة للمعارك، ومحاولة السيطرة على الطريق الدولي من نقطة أخرى في ريف حلب الغربي، الأمر الذي يفسر الهجمات المتتالية التي تحاول الفصائل المسلحة شنها على بعض المواقع في ريف حلب الغربي، إلا أن المشكلة الكبرى التي تواجهها الفصائل على هذه المحاور تتمثل بعدم وجود مبان أو كتل اسمنتية يمكن للمسلحين التمركز والتحصن فيها، الأمر الذي يجعل هذه المعارك والهجمات “عبثية” لا طائل منها.

واهتمت وسائل الإعلام الإسرائيلية بمعركة سراقب بشكل خاص، كون المعركة تمت على الرغم من وجود الطائرات المسيّرة التركية الحديثة، وهو السلاح الذي تطوره وتعوّل عليه إسرائيل بشكل كبير في عملياتها العسكرية، ما جعل استعادة المدينة يشكل “صدمة” بالنسبة لها أيضاً.

وترجم “الإعلام الحربي” عن موقع Netsiv الاسرائيلي إشارته إلى أن “معركة سراقب الليلية يجب أن تلفت انتباه إسرائيل”، وفق الموقع، الذي حلل المعركة وركز على مجموعة من النقاط أبرزها أن “السيطرة على سراقب جاءت على الرغم من المراقبة الجوية الكاملة لجميع الطائرات التركية من دون طيار”، الأمر الذي اعتبر الموقع أن له “تأثيراً مباشراً على إسرائيل أيضاً”، كون العملية تمت بمشاركة عناصر من “حزب الله”.

كذلك، أشار الموقع إلى أن مهمة “التسلل ليلاً وتنفيذ العملية، والوصول إلى مواقع المسلحين، وقتالهم تحت جنح الظلام، يدل على مستوى هذا الجندي وقدرته على القتال”، وفق ما ذكر “الإعلام الحربي”.

وأشار الموقع أيضاً إلى أن “هذه هي المرة الأولى التي يشن فيها حزب الله، حملة واسعة النطاق نسبياً في الليل، وقد يكون لديه قانون يهدف إلى مفاجأة إسرائيل في حالة اندلاع أعمال القتال، على وجه التحديد في خرق ليلي والاستيلاء على موقع على الأراضي الإسرائيلية قبل الفجر”، الأمر الذي أظهر قوة كبيرة في الحرب الليلية وتكتيكاتها الهجومية.

انتصار سوري قلب المعادلة

يدرك الجيش السوري أهمية سراقب على وجه الخصوص في قلب المعادلة الميدانية والسياسية، الأمر الذي يفسر إصراره على المواجهة مع تركيا، في وقت أفسحت فيه روسيا المجال العسكري لتشتغل على إحاكة موازين جديدة، تضمن تحصين هذا الإنجاز سياسياً، من دون الخوض في مواجهة مباشرة مع تركيا، الحليف اللدود لها في المنطقة.

الانتصار الذي حققه الجيش السوري، والفصائل التي آزرته، ظهرت أولى نتائجه في الخطاب التركي، الذي تحوّل من “صاحب الفعل” عن طريق التهديد، وإعلان تنفيذ عملية عسكرية أطلق عليها اسم “درع الربيع” إلى “رد الفعل” وتبرير الهجمات المتتالية التي تنفذها القوات التركية بين وقت وآخر على مواقع للجيش السوري، حيث تظهر التصريحات العسكرية التركية منذ استعادة الجيش السوري سراقب ذلك، عن طريق التأكيد على فكرة “بعد اعتداء النظام السوري نفذت قواتنا ضربات”..

بالإضافة إلى ذلك، ساهم سلاح الدفاع الجوي السوري، وإسقاط الطائرات التركية بشكل متكرر في تغيير المعادلة الميدانية، والسياسية، خصوصاً بعدما أصرت الطائرات السورية على متابعة عملها فوق إدلب، على الرغم من استهداف تركيا ثلاث طائرات سورية، بالإضافة إلى الرد المباشر على مصادر النيران التركية واستمرار سقوط قتلى وجرحى في الجيش التركي، الأمر الذي شكل بمجمله رداً عسكرياً سورياً حازماً مفاده بأن “الفاتورة التركية” ستكون مرتفعة جداً في حال أصرت أنقرة على الاستمرار في رهانها على الخيار العسكري، الذي ظهر فشله جلياً في معركة سراقب.

علاء حلبي

صحافي سوري

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course