فضيحة الفاخوري.. بالإدارة السياسية من جريصاتي إلى “الثنائي”

يمكن أن تحاكي قضية الإفراج عن العميل عامر الفاخوري، في إتجاهات متناقضة. البيت اللبناني "بمنازل كثيرة" يتيح لك أن تجعل البطل عميلاً.. والعميل بطلاً. هذا هو التاريخ البعيد والقريب. هذا هو الحاضر. في كتاب "جمعية المبرات" المدرسي مثلاً، يصبح فخر الدين "عميلاً للأستانة" وفي باقي الكتب هو "البطل اللبناني". ماذا نقول عن بشير الجميل وحبيب شرتوني؟ عن فرنسوا حلاّل وميشال عون، يوم قرر الشيوعيون "تصفية" أو "إعدام" الأخير!

غداة إغتيال الجنرال قاسم سليماني، ومع خطاب السيد حسن نصرالله الناري الأول من نوعه، ضد وجود القوات الأميركية في كل المنطقة، قيل إن “معركة تحرير كبرى” قد بدأت. راح البعض يرسم سيناريوهات الرد في ضوء الخطاب. لبنان ضمن “بنك الأهداف” أم خارجه (أي تم تحييده)؟ القاعدة العسكرية الأميركية في حامات (البترون) تسري عليها مندرجات الخطاب أم لا. القاعدة التي يشيّدها الأميركيون في عوكر (الســفارة الجديدة) وفيها مهابط للمروحيات، تسري عليها أم لا؟

لم يمض خمسة عشر يوماً، حتى وُلِدت حكومة حسان دياب. قيل في توصيفها إنها “حكومة حزب الله بأكثر من ثلث أميركي معطل” (يمكن أن تكون العكس أيضاً). مسار محلي بلا تعرجات كثيرة، أفضى خلال أقل من شهرين، إلى مشهد لا بل مشاهد سوريالية.

تلتئم المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت برئاسة العميد حسين العبدالله. الرجل مقرب جدا من “قياديين” يقال انهما وحدهما من يملكان مفاتيحه. كانت جلسة عامر الفاخوري مقررة في 15 نيسان/أبريل إلا أن رئيس المحكمة عدّل موعد الجلسة نظراً لظروف الموقوف الصحية (إصابته بالسرطان). لم يحضر المدعى عليه بسبب ظروفه الصحية، وهذه سابقة في المحكمة، إذ أنها لا تلتئم إلا بحضور المُدعى عليه. الجلسة مخصصة للنظر في الدفوع الشكلية المقدمة من وكيلي الدفاع عن الفاخوري بعد أن تركت النيابة العامة التقدير لهيئة المحكمة، ما يعني ضمناً موافقتها على الدفوع. جرت مراجعات بين رئيس المحكمة ومن يعنيهم الأمر في “الثنائي الشيعي”. هنا، تبدو الأجوبة والروايات متناقضة، لكن المعروف عن الرجل أنه لا “يقلي بيضة” إلا بعد عودته إلى “مرجعيته”. من المؤكد أنه سأل وأنه تلقى أجوبة. عادة هو من طبيعة لا تناقش ولا تجادل. “الأمر ليس لي”. ثم كان ما كان. صدر الحكم: براءة الفاخوري. للمحكمة مراحلها. أحرقت المراحل قبل أوانها. أطلق سراح العميل ونقل فوراً إلى السفارة الأميركية. كل ما قيل على مدى 48 ساعة كان بهدف ملء الوقت، إلى أن أزفت لحظة الذروة. لحظةَ حطّت مروحية عسكرية أميركية في حرم السفارة الأميركية في عوكر وسحبت الفاخوري. أخذت الطائرة إذناً لبنانياً أم لم تأخذه، هذا أمر آخر. المهم أن اللحظة ـ اللقطة، لن تُمحى من أذهان كثيرين.

الإدارة السياسية، هي المعنية الأولى بالمساءلة، وأي نقاش آخر، هو هروب إلى الأمام. هو تشجيع لآخرين أن يقتدوا بهذه الواقعة، ولاحقاً نعرف من “قبض الثمن” ومن لم يقبض

ماذا يمكن أن يقول حزب الله، أقله، لجمهور لم يصدق ما رأت عيناه؟

تشي المشهدية الكبرى بخلل ما. خلل في الإدارة السياسية للملف الإقليمي وخلل في الإدارة السياسية لملف الفاخوري (أوقف في 14 أيلول/ سبتمبر). عبثاً كل كلام يمكن أن يذهب في إتجاهات أخرى. الحلقة الأضعف هو رئيس المحكمة المستقيل حسين عبدالله، وهذا الكلام ليس دفاعاً عن رجل ضعيف لا يمتلك عدة الحد الأدنى من الحصانة، إنما هو للتاريخ. لم يعد حسين عبدالله رئيسا للمحكمة العسكرية ولن يكون مسموحاً له أن يتقاعد ملحقاً عسكرياً في الخارج. إنتهى أمر الرجل سياسياً ومهنياً. التضحية به ستعيد، أقله، نبش عداوات في قريته وبين عائلات الخيام. نعم، هو الحلقة الأضعف، لأنه أخطأ سواء بإلتزامه تعليمات من أمره أو لأنه رفض التمرد على من طلب منه أن يطأطىء رأسه. ليس بهذه الطريقة يدار ملف بهذه الخطورة والدقة والحساسية. نحن أمام ضابط مُجَرّب ورئيس محكمة مُدرّب، وكان يمكن ألا يكون فرق عملة لو إستدرك ودقّق. قيل عنه إنه “باع دينه لأجل دنياه”، لكن التحوط (القضائي) في حالته، كان مفيداً جداً له وللبيئة التي ينتمي إليها.. بيئة سترجمه ولن ترحمه. أما الإدارة السياسية، فهي المعنية الأولى بالمساءلة، وأي نقاش آخر، هو هروب إلى الأمام. هو تشجيع لآخرين أن يقتدوا بهذه الواقعة، ولاحقاً نعرف من “قبض الثمن” ومن لم يقبض!

هل يقتصر الأمر على العبدالله وإدارته السياسية؟ حتما لا. ثمة مسؤوليات أخرى، إذا أردنا وضع الأمور في نصابها.

***

الكل يعلم أنه منذ اللحظة الأولى لتوقيف الفاخوري ضغط الأميركيون. هدّدوا. قرروا مؤخراُ أن يترجموا تهديدهم. تبلغ لبنان بذلك عبر أكثر من قناة. صندوق البريد الأول هو سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى. قيادي في التيار الوطني الحر في الولايات المتحدة. ميني رجل أعمال. أدوار محدودة في السياسة إلى جانب صديقه طوني حداد. تقرّب من ميشال عون بعد “النفي الباريسي”. واكب قانون محاسبة سوريا في العام 2003، وقبل أن تحط طائرة ميشال عون في مطار بيروت، كان عيسى يغط في دمشق في مطلع العام 2005 موفداً وناقل رسالة من “الجنرال” إلى القيادة السورية. سجّلها له ميشال عون، كما سجّل له أنه كان سخياً في توفير التبرعات للتيار. لا بد من مكافأة الرجل. هو من فئة “رجالات الطابور”. ينتظر دوره قبل “تتويجه” سفيراً!

عيّنه باسيل سفيرا في واشنطن (مطلع 2018) من خارج السلك الدبلوماسي. كان عليه أن يفاضل بين جنسيتين: اللبنانية أو الأميركية، فكانت الأولى. لعيسى، اليوم، مرجعيتان. أولى، بالشكل هي وزير الخارجية ناصيف حتي، وثانية، “بالشاردة والواردة” هي جبران باسيل. حاله حال العديد من السفراء، ممن يوالون أولاً وأخيراً مرجعياتهم السياسية والحزبية والطائفية.

غابي عيسى كان مجرد ناقل رسائل. يقترب الرجل من موسم التقاعد ولا يريد أن يخسر جنسيته الأميركية عندما يطالب بإستعادتها. هذه هي حدود “قضيته”. أبلغه الأميركيون صراحة: المشروع المقدم من السيناتورة الديموقراطية جين شاهين (زوجها صديق الفاخوري شخصياً) والسيناتور الجمهوري تيد كروز لفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين “متهمين باحتجاز حرية مواطن اميركي” (تجميد اموالهم وفوائدها؛ رفض منحهم سمات الدخول الى الأراضي الاميركية والغاء السمات الممنوحة لهم سابقا وغيرها).

واشنطن: على كل مسؤول رسمي لبناني، أياً كان موقعه، “ان يقلق وعلى الحكومة ان تأخذ هذه المسألة على محمل الجد.. هذا القانون سيكون مثل قانون قيصر وقانون ماغنتيسكي. هم مجرد أدوات يمنحها الكونغرس عادة للادارة لمعاقبة من تعتقد أنه يجب معاقبته”

تكمن خطورة المشروع في ان جين شاهين التي تمثل ولاية نيو هامشير (الفاخوري يملك مطعما إسمه “لبنان الصغير” في مدينة دوفر في نيو هامشير)، تتمتع بنفوذ قوي جداً في مجلس الشيوخ، ولديها خبرتها في مسائل الامن القومي والشرق الاوسط ولها تأثير كبير على الديموقراطيين في مجلس الشيوخ، وإذا نجح جو بايدن، في إنتزاع ترشيحه الرئاسي باسم الديموقراطيين، يريد لشاهين أن تكون إلى جانبه في البيت الأبيض. وبالتالي، على كل مسؤول رسمي لبناني، أياً كان موقعه، “ان يقلق وعلى الحكومة ان تأخذ هذه المسألة على محمل الجد.. هذا القانون سيكون مثل قانون قيصر وقانون ماغنتيسكي. هم مجرد أدوات يمنحها الكونغرس عادة للادارة لمعاقبة من تعتقد أنه يجب معاقبته”. هذا ما تبلغته سفارة لبنان في واشنطن.

لم تتضمن المراسلات الأميركية اللبنانية أية أسماء. لكن واشنطن وعلى جاري عادتها، سرّبت لمن يعنيهم الأمر أن اللائحة ستتضمن حتما أسماء مثل جبران باسيل وسليم جريصاتي. أدار جريصاتي “محركاته”. شكّل الرجل قوة دفع للوبي أميركي لبناني ضاغط من أجل تحرير الفاخوري. سهّل بإندفاعته مهمة باسيل الذي كان لا يريد أن يكون في “بوز المدفع”، ربطاً بحساباته السياسية والرئاسية المستقبلية. وكعادته، جرّب جريصاتي أن يتذاكى على الجميع. على حزب الله والسفارة الأميركية والقضاء اللبناني. حتى أنه لم يُهمل الإعلام من حساباته. كان يسرّب المناخ الضاغط، إلى وسائل الإعلام، وخصوصاً الخليجية. طمأن الأميركيين بأن القضية في بدايتها و”ستسلك مجراها القانوني المناسب”. هم لا يطمئنون عادة إلى مواقفه. ضغطوا عليه أكثر. إستأذن جريصاتي مرجعيته بالسفر. قال إنه زار عاصمة أوروبية، وأن تلك الزيارة لا علاقة لها بقضية الفاخوري. ثمة معطيات تناقض روايته. زيارته كانت إلى واشنطن وثمة من يقول إن الإخراج النهائي لقضية الفاخوري تولاه هو شخصياً وباعه للأميركيين وجبران باسيل ورئيس الجمهورية، ربطاً بحرص الأخير على مستقبل صهره السياسي.

عندما أقلعت الطائرة من عوكر، يفترض بأربعة أن يشربوا نخب الفاخوري: في واشنطن، المسؤول عن ملفه أميركياً مستشار الامن القومي الأميركي روبرت اوبراين؛ غابي عيسى “صندوق البريد اللبناني ـ الأميركي”. في بيروت، سليم جريصاتي، وجبران باسيل. هناك من أراد لبنانياً دفع البلاء عن نفسه، أما رئيس المحكمة، فقد أتى بالبلاء لنفسه. شرب حسين عبدالله كأساً مُراً من نوع آخر. الأميركيون لم يمنحوه مجرد “فيزا”، عندما كان مدعواً، قبل سنة، بصورة رسمية إلى العاصمة الأميركية، وذلك قبيل توقيف الفاخوري. هم يعتبرونه محسوباً بالكامل على حزب الله. يقولون إن “شقيقه حزبي” و”إبن عمه مسؤول حزبي” وكذا… إذن، لماذا أقدم على فعلته، ثم لماذا قرر أن يستقيل طوعاً؟

“الخبر المفرح” لجريصاتي وباسيل أن المشروع الذي قدمته جين شاهين وتيد كروز، وكان مقرراً أن يقر في جلسة رسمية يوم الثلاثاء في 24 آذار/مارس، قد سُحِبَ من جدول الأعمال، ولم يعد مطروحاً نهائياً. الخبر الثاني، أن واشنطن قد تعلن عن مساعدات جديدة للبنان، وحتما سيمضي برنامج مساعدة الجيش اللبناني “في الإتجاه الإيجابي نفسه”، يقول الأميركيون..

ثمة من يربط أيضا بين الإفراج عن الفاخوري وبين حلقات أخرى ما زالت مجهولة أو مفقودة. هل شمل التهديد الأميركي بالعقوبات أحد أفراد عائلة رئيس مجلس النواب ومن هو تحديداً؟ وهل زال التهديد بزوال التوقيف؟

ثمة من يربط أيضا بين القرار القضائي وبين معادلة سياسية تكبل حزب الله في الكثير من المفاصل. “إحراج الحليفين”، فكان لا بد من ترجيح هذه الكفة لا تلك، لكن، هذه المرة، بممارسة التقية السياسية ثم القول إن الحزب فوجىء وأن قرار المحكمة العسكرية لم يكن متوقعاً وأن المطلوب ليس أقل من إستقالة أو إقالة رئيس وأعضاء المحكمة ومحاكمتهم ومحاسبتهم.

لنقل أن الحزب محق في ما يقوله، لكنه حتى الآن لم يقنع أحداً ولا سيما جمهوره. ثمة قطبة مخفية في القضية وتحتاج إلى فك خيوطها..

***

لمناسبة “عيد النوروز” (رأس السنة)، اليوم (الجمعة)، قررت طهران الإفراج عن الأميركي الموقوف لديها منذ 2018 مايكل وايت “لأسباب صحية وإنسانية”، وحسب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو فإن وايت بات حالياً في عهدة سفارة سويسرا التي تمثل المصالح الأميركية في طهران، في ظل إنقطاع العلاقات الديبلوماسية بين طهران وواشنطن.

قبل أقل من 24 ساعة من قرار تبرئة الفاخوري، تم تكليف عدنان الزرفي بتشكيل حكومة عراقية جديدة في العراق، خلفا لمحمد علاوي. حجة المعترضين على الزرفي، وخاصة بعض حلفاء طهران أنه “اميركي للعظم”. الأميركيون والبريطانيون قرروا إعادة التموضع عسكرياً في العراق..

هذه النقاط ـ ويمكن إلتقاط غيرها ـ من حق المراقب أن يرصدها.  أن يترك لنفسه وللآخرين أن يحاولوا إيجاد رابط بينها وبين الإفراج عن الفاخوري.

منطق السياسة يقول انه من حق حزب الله أن يعقد صفقة، لكن في حالة كهذه، لا بد من وجود طرفين.. ورابحين.. ولا بد من وسيط نزيه. حتى الآن، لا شيء يشي بذلك. إذا كان صحيحاً أننا أمام إفراج مجاني وإنتهاك خطير للسيادة اللبنانية، في آن معاً، ومقابل لا شيء ومع وسيط يتقن فقط “لعبة تركيب الطرابيش”.. عندها، لا بد من القول: ما جرى ويجري مهزلة. إدارتكم سيئة من بيروت إلى بغداد. أعيدوا النظر بها قبل فوات الأوان.

****

نعم، عامر الفاخوري سيبقى وصمة عار على جبيننا. جبين من أجاز عودته. من سهّلها. من إستقبله. إحتضنه. حَمَاهُ. من رفض توقيفه. دافع عنه. أوْهمَنا بِمَرضِه. تولى حراسته. زوّر ملفه. باع ضميره. برّأه. أفرج عنه مجاناً. سهّل تسفيره بطريقة مذلة.

أن يُفرج الأميركيون عن الفاخوري، فهذا هو الصواب بأمه وأبيه، من وجهة نظرهم. الرجل يحمل جنسية أميركية. عميل إسرائيلي. أدى وما زال يؤدي، على الأرجح، خدمات للأميركيين والإسرائيليين. يمتلك شبكة علاقات عامودية في كل من تل أبيب وواشنطن وبيروت، تجعله قادرا على أن يكون جزءاً من “الأمن القومي” لمنظومات متقاطعة أفقياً!

برغم ذلك، لم يعد الفاخوري هو القضية. أصبح الرجل حراً. لن يكون مفاجئاً لنا أن “يستثمره” ويستقبله الرئيس الأميركي في البيت الأبيض، برغم محاذير كورونا. أن تنتشر صورته في شتى أنحاء العالم. أن يجعله الجمهوريون والديموقراطيون “أيقونة” في أزمنة إنتخاباتهم.. أو تعويض إنتكاساتهم.

لم يعد الفاخوري هو القضية. صرنا نحن القضية. إذا أراد، من يريد، أو يستطيع، أو يقرر، أن يحفظ ذرة من كرامة وطنية مهدورة، فليبادر إلى محاكمة ومحاسبة كل المسؤولين سياسياً عن فضيحة الفاخوري، ولو أن لبنان بيت “بمنازل كثيرة”.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course