نصف سنة على حرب غزة.. الإسرائيليون في سفينة “التيتانيك”!

تميّزت إفتتاحيات معظم الصحف الإسرائيلية ومقالات كُتّاب الأعمدة بلغة إنتقادية للحكومة الإسرائيلية، في سياق تقييم أداء المستويين السياسي والعسكري في قطاع غزة، لمناسبة مرور ستة أشهر على الحرب التي أطلق شراراتها "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

يفتتح بن كسبيت، المحلل السياسي في صحيفة “معاريف” مقالته بقوله “خلال نصف السنة الكابوسية التي مرّت علينا، هناك صعود وهبوط، وقد كان هذا وقتاً صعباً إذا لم نقل بائساً بالنسبة إلى القيادة السياسية والعسكرية”، ويصف الكاتب تلك القيادة بالعصابة، ويستغرب استمرارها إلى الآن، ويقول “لو كان هناك شخص وطني حقيقي على رأس هذه الدولة، لكان حدّد موعداً متفَقاً عليه للانتخابات (المبكرة) منذ وقت طويل، ومنع بذلك أي سبب للاحتجاج، وكان وحّد بهذه الطريقة الشعب وكان قادراً على تشكيل حكومة طوارئ من دون متطرفين حتى بعد الانتخابات”.

ويختم بن كسبيت مقالته بأنه “ليست هناك دولة ديموقراطية في العالم تبقى فيها الحكومة على حالها أكثر من أسبوع بعد “مذبحة” 7 تشرين الأول/أكتوبر، أمّا عندنا، فالمجرمون لا يبقون فقط في ساحة الجريمة، بل أيضاً يواصلون إيذاءهم للدولة التي انتخبتهم في مناصبهم، وبعض هؤلاء يستخدمون آلة بث للسموم متطورة ضد العائلات التي جرى التخلي عنها في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وبدلاً من الوقوف إلى جانب عائلات المخطوفين برأس ذليل وخجل، فإن جزءاً من “زعمائنا” يتهم المواطنين الذين تعرضوا “للذبح” بالمسؤولية عن “المذبحة” كلها”.

في السياق ذاته، يُمكن التوقف عند رأي العميد المتقاعد يتسحاق بريك، المعروف بمواقفه المعارضة للحرب على غزة من اليوم الأول، وهو الملقب بـ”نبي الغضب” في إسرائيل، لأنه تنبأ بهجوم يشنه آلاف المسلحين الفلسطينيين على مستوطنات “غلاف غزة” على غرار عملية “طوفان الأقصى”، كما أنه يتنبأ بهجوم فلسطيني عارم في المستقبل القريب على المستوطنين في الضفة الغربية. في صحيفة “معاريف“، ينتقد بريك الجمهور الإسرائيلي لأنه “يواصل العيش بلامبالاة، ويدفن رأسه في الرمال، ويفضّل أن يقف موقف المتفرج ويستمع إلى الأكاذيب التي تكررها القيادة السياسية والعسكرية المتهالكة بدلاً من الاستماع إلى الحقيقة والاستعداد لمواجهتها، تماماً كالمسافرين على سفينة “التيتانيك” وهي في طريقها إلى التحطم”.

ويضيف العميد المتقاعد “هؤلاء “الزعماء” هم سبب الكارثة الكبرى التي حدثت لنا منذ المحرقة، ومنذ السنوات التأسيسية للدولة، وَهُم يقودوننا الآن إلى كارثة أكبر بمئات المرات من تلك التي حدثت في غلاف غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023″.

حتى يوآف زيتون، المراسل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرنوت“، القريبة من الحكومة، يقول “إن إسرائيل فشلت حتى الآن في تحقيق هدفين من أهداف الحرب، بعد مرور نصف عام على اندلاعها: 1-معظم كبار مسؤولي حماس والآلاف من مقاتليها ما زالوا على قيد الحياة. 2- معظم الأسرى الإسرائيليين ما زالوا أسرى لدى حماس في اليوم الذي انسحبت فيه الفرقة الأخيرة المتبقية من قطاع غزة”.

ويشير عاموس هرئيل، المراسل العسكري في “هآرتس“، إلى أنه “بعد نصف سنة على بداية الحرب، ميزان إسرائيل مقابل “حماس” بعيد عن أن يكون مُرضياً. إسرائيل وجدت نفسها في حرب كانت فيها من البداية في موقع متدن فظيع: غزو كثيف من حدود قطاع غزة، سيطرة فلسطينية على بلدات ومناطق، تقريباً 1200 قتيل معظمهم من المدنيين وأكثر من 250 مخطوفاً. لا توجد في الحقيقة أي طريقة لقلب هذه النتيجة”، ويضيف الكاتب “نسبة التوقعات لتدمير نظام “حماس” وتفكيك كل قدراتها العسكرية كانت مرتفعة جداً، وبالتأكيد في إطار زمني محدد، بضعة أشهر. الحرب حكم عليها أن تطول، ويصعب التصديق بأنه سيكون بالإمكان تفكيك المنظمة بالكامل حتى في المستقبل”.

من جهته، يقول جدعون ليفي، المحلل السياسي في “هآرتس” إنه “ليست لدى أحد في إسرائيل فكرة بشأن الكيفية التي ستكون عليها نهاية إحدى أبشع الحروب في تاريخنا، والتي تتراكم أضرارها بسرعة مذهلة بينما إنجازاتها توازي الصفر، وهي فعلياً غير موجودة. لذلك، علينا أن نستجمع شجاعتنا، ونقول في ذكرى مرور نصف سنة على الحرب: كان من الأفضل لو لم تنشب“. ويرى الكاتب، أنه كان من الممكن تجنب تلك الحرب، و”كان من الأفضل لو أن إسرائيل تصرفت بضبط للنفس وعاقبت من كان يجب أن تُعاقب على “فظائع” 7 تشرين الأول/أكتوبر، وتمضي قُدُماً، حينها، كان الجميع سيربحون باستثناء الأنا الذكورية والعسكرية لإسرائيل، والتي دائماً تفرض العقاب والانتقام من دون حدود، ومهما يكن الثمن. هذه سياسة صبيانية وحمقاء بصورة لا يمكن تصوُرها، والمخيف أن إسرائيل ستتصرف بهذه الطريقة إزاء إيران أيضاً”.

ويختم ليفي مقالته ” لن يكون في إمكان أي مجهر إلكتروني دقيق ومتطور ينقّب في أنقاض غزة أن يعثر على إنجاز واحد حققته إسرائيل في الحرب، ويمكن بالعين المجردة رؤية جبال من الركام غير المسبوق”.

أما عوفر شيلح، مراسل القناة “N12“، فيقول إن الإعلان الإسرائيلي عن خروج الفرقة 98 من منطقة خان يونس “هو التوقيع الرسمي لِما كان معروفاً من الجميع منذ فترة، فمنذ أكثر من شهر، لا يخوض الجيش الإسرائيلي عملية “حسم” في القطاع، ولا “تقويض”، ولا كل الكلمات الأُخرى التي ليس لها مغزى عسكرياً. لقد شعر الجيش باليأس من المستوى السياسي مرتين: الأولى، عندما رفض نتنياهو وحكومته إقامة “غلاف سياسي”، من دونه، يصبح العمل العسكري بلا معنى حقيقي؛ والمرة الثانية، عندما رفض المستوى السياسي، لأسباب سياسية، أن يأمر بالانتقال إلى ما سمِّي “المرحلة ج”، أي إقامة خطوط دفاعية، والانطلاق منها للقيام بعمليات استخباراتية لضرب عودة تنظيم “حماس” من جديد”، وأضاف “ما تزال هناك فرصة للانتصار في الحرب الكبرى، لكن الأمر مرتبط بعملية سياسية بعيدة الأمد: بلورة ائتلاف يجمع بين إسرائيل ودول تتطلع إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة، بتأييد أميركي. هذه هي الطريق لبلورة بديل حقيقي من “حماس” في غزة، يضمن عدم عودة التهديد الأمني من هناك، ويعيد سكان الشمال إلى منازلهم، لأن التحرك الإقليمي وحده يشكل ضمانة لردع حقيقي لإيران وحزب الله”. ويختم بالقول “ثمة شك كبير فيما إذا كان نتنياهو، الذي واصل في الأمس كلامه الفارغ عن “النصر المطلق” والحديث عن تفكيك كتائب “حماس” في رفح، قادراً على القيام بذلك. ومع الأسف، لم يظهر حتى الآن بديل فعلي في المنظومة السياسية”.

إقرأ على موقع 180  ولاية ماكرون الثانية تنتهي قبل أن تبدأ!

بدوره، الكاتب ناحوم برنياع، المعروف بانتقاداته للمستوى السياسي منذ الأيام الأولى للحرب، كتب في “يديعوت أحرونوت” مقالة قال فيها “إنه بخلاف الانطباع الناشئ لدى الجمهور منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، تخوض إسرائيل حربا متدحرجة. توجد بعض الأماني؛ لكن لا توجد استراتيجية”. أضاف “الانتصار المطلق ليس موجودا إلا في الخطابية الكاذبة لنتنياهو. عندما كتبت هذه الأمور هنا في الأسابيع الأولى للحرب اتهمني القراء بالانهزامية، بالخيانة”، وأكمل “مرت منذئذ ستة اشهر، ولا توجد بشائر طيبة. الصفقة لإعادة المخطوفين عالقة بين القاهرة والدوحة؛ (يحيى) السنوار ناج ومسيطر، محاط برهائن؛ 100 ألف ممن أخلوا بيوتهم منقطعون عن حياتهم؛ الدولة انكمشت، في الشمال وفي الجنوب، تنتظر بقلق الضربة التالية. حتى لو تغلبنا على كل هذه الضربات، وليتنا نتغلب، فإن الخطر الأكبر في المدى البعيد هو فقدان أميركا. توجد سياقات تاريخية ليست قابلة للإصلاح: حلف بني على مدى 100 سنة، يمكنه أن ينهار ويتفكك أمام عيوننا. بمفاهيم عديدة هذا يحصل منذ الآن”. (المصادر: مؤسسة الدراسات الإسرائيلية، موقع “عبري لايف”، مركز الناطور، صحيفة “الأيام” الفلسطينية).

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  كنيسة المهد في بيت لحم.. أقدم كنائس فلسطين