عبد الحليم خدّام.. سيرة هزائم ودم

لم يُعرف عن ساسة الأنظمة الشمولية التقاعد. المعادلة دوماً واحدة من اثنتين: القصر أو القبر. وحده عبد الحليم خدام شكل استثناءً. لكنه استثناء من طبيعة باردة. تماماً كموته الذي بعث برودةً قاسية في الجسدين: السوري واللبناني. سيرته المديدة في نظام الأسدين الأب (حافظ) والأبن (بشار) تروي الكثير من حكايا الدم التي رعاها في البلدين. وتحكي أكثر عن هزائم أنزلها بجماعات وشعوب. وكذلك عن هزائم نزلت بنظامٍ كان أحد أعمدته فتولى تجميلها.

خدام: تاليران النظام السوري

في سوريا “النظام”، يُعتبر عبد الحليم خدام هو الخائن الذي انشق. وفي سوريا “المعارضة”، هو خائن الطائفة أولاً، ثم خائن المعارضة ثانياً لأنه حاول الاستثمار فيها. أوضح استثماراته في المعارضة كانت في التحالف مع تنظيم “الاخوان المسلمين” في جبهة الخلاص الوطني التي انفرط عقدها بعد ثلاث سنوات على تشكيلها. هذا التحالف لم يعفه من سيرة دم محافظة حماه يوم تجمع فيها “الاخوانيون” معتقدين بوهم انضمام سائر المدن إلى العصيان المدني ضد النظام. آنذاك، لعب الراحل، ومن موقعه كوزير للخارجية، دوراً استثنائياً لاعفاء النظام من التبعات الديبلوماسية الدولية. حينها، دافع بكل ما يُمثل من اعتبارات طائفية عن النظام المُتهم بطائفيته الواضحة وعلمانيته الملتبسة.

وما بين النظام ومعارضة ما بعد أحداث العام 2011، كان لخدام مواقف لا تقل شراستها في الولاء للنظام عن تلك التي كانت زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد. فالسوريون والعالم لم ينسوا له المقتلة السياسية التي أنزلها في ربيع بيروت ـ دمشق. كان ذلك بعد سبعة أشهر من رعايته تسليم مقاليد الحكم إلى بشار الأسد. يومها، أعلن رفضه لما أسماه “جزأرة سوريا” نسبة لما حدث في الجزائر. الأشد وطأة كان قوله “ان المنتديات تهدد أمن واستقرار البلاد. البلد ليس بحاجة إلى ديموقراطية توصله إلى ما وصلت إليه الجزائر”.

خبر موته أعاد وعياً عن سيرته مع النظام. وهو وعي لم يأخذ بالاعتبار انشقاقه. فالانشقاق على مثل ما فعل لم يؤهله لرتبة معارض. لكن هذا الوعي لم يأخذ سياقاً واحداً. كان عفوياً. حمل غضباً من الراحل وعليه. كثيرون اعتبروه موتاً لرمزٍ من رموز الديكتاتورية. آخرون رأوا انه موت لشخص تسبب بأموات كثيرة. وولد آلاماً أكثر لأن الرجل كان مهموماً بقوة النظام لا بجدارة الدولة. وان انشقاقه كان فصلاً من صراعه على السلطة للبقاء في القصر قبل الانتقال الى القبر.

نحو أربعة عقود قضاها خدام في مواقع القرار. عام 1966 تولى منصب محافظ القنيطرة، وهو أول منصب سياسي في الدولة. ثم وزيراً للاقتصاد من العام 1969 الى العام 1970. بعدها تقلد منصب وزير الخارجية لمدة عقد ونصف تقريباً. وفي العام 1984، أصبح نائباً للرئيس مع اثنين آخريَن. هذه السيرة الطويلة نهضت على ثلاث محطات أساسية:

ـ الأولى، إعلانه سقوط القنيطرة بيد الاحتلال الإسرائيلي. غالبية السوريين تذكر صوته عبر اثير الإذاعة وهو يعلن هزيمةً لم تكن أكيدةً. بل تحققت بعد 18 ساعةً عندما نجح الكومندوس العبري في إنزاله والسيطرة على المحافظة.

ـ الثانية، كانت في استلامه الرئاسة بالوكالة اثر وفاة الرئيس حافظ الأسد مدة 37 يوماً. حينها عمل على إقرار تعديل دستوري جاء مركباً ليتلاءم واستلام بشار الأسد سدة الرئاسة خلفاً لوالده.

ـ الثالثة، كانت في العام 2005 اثر مغادرته دمشق الى فرنسا ليعلن من هناك انشقاقه عن النظام والدخول على خط جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكانا على علاقة صداقة حميمة تحولت إلى محل شبهة واتهام عند النظام السوري.

في المحطتين الأوليتين، كان خدام حارس النظام. لا بل رأس حربته إنما بدور موظف. ففي الأنظمة الشمولية، لا مكان إلا للقائد. هو الملهم والمؤتمن على المصير وحتى على نعمة البقاء على قيد الحياة. والأرجح أن خدام فهم تماماً نظرية “العيش في الخطر”، فطبقها على نفسه. لذلك، تنازل عن أي حلم بالترقي إلى سدة الرئاسة الأولى. وأكتفى بما يوكل إليه من أدوار محددة في الزمان والمكان. وركن إلى الوظيفة الذي اختار البقاء فيها حتى خُدع كي ينشق على أن يتسلم مقاليد الحكم في دمشق، بعد سقوط النظام، لكن الوعد له كان من طبيعة عرقوبية!

في لبنان، كان الشعور ببرودة موت خدام أعلى بكثير من ذاك الذي ساد في سوريا. شدة البرودة في جمهورية الأرز كانت فاقعة. فقاعتها ببيانات النعي القليلة حد الندرة، وكان يفترض أن تصدر عن سياسيين رعى صعودهم العسكري والسياسي حتى صاروا رجال دولةٍ بعدما كانوا أمراء حرب

منذ وصوله إلى فرنسا، لم يترك خدام  ـ عن صواب أو عكسه ـ كبيرة ً أو صغيرةً إلا وألصقها بالرئيس السوري. لكنه سكت عن كل ما قام به في كل الملفات التي تسلمها في سوريا ولبنان، وحتى في العلاقة مع إيران التي نسج بعض أدق تفاصيلها، بشراكته مع محمد ناصيف (المتعارف عليه سورياً ولبنانياً بـ”أبو وائل”) قبل أن يعود وينقلب على طهران في كتابه “التحالف السوري ـ الإيراني والمنطقة”.

في كل محطاته، بدا خدام على مَثل ومِثال شارل موريس تاليران، كما يصفه الباحث الفرنسي ميشال سورا في كتابه “سوريا الدولة المتوحشة”. ذلك أن تاليران الفرنسي كان سياسياً وديبلوماسياً مميزاً. ترك سلك الكهنوت اثر الثورة الفرنسية ليعيش حياة علمانية. وعمل في مناصب سياسية متعددة وكان بارعاً في الدفاع عن كل ما أوكل إليه حتى بلغ به الأمر اقتراح قانون يقضي بتأميم أملاك الكنيسة. وقيل عنه أنه وقحٌ وفاسدٌ وانه خائن للكنيسة وايضاً للثورة ولنابليون.

خدام اللبناني: أهوال الطوائف وحروب المصائر

في لبنان، كان الشعور ببرودة موت خدام أعلى بكثير من ذاك الذي ساد في سوريا. شدة البرودة في جمهورية الأرز كانت فاقعة. فقاعتها ببيانات النعي القليلة حد الندرة، وكان يفترض أن تصدر عن سياسيين رعى صعودهم العسكري والسياسي حتى صاروا رجال دولةٍ بعدما كانوا أمراء حرب. أصلاً، هناك يتامى كثر في لبنان، بعدما تساقط كل من أمسكوا بملف هذا البلد، في قلب النظام السوري، برغم إستعداد سياسيين وغير سياسيين في لبنان، لتقديم أوراق إعتمادهم مجدداً حتى يكونوا “خدّامين” عند أي “خدام جديد” في دمشق أو غيرها من العواصم “غب الطلب”!

مثل هكذا برودة، أمر طبيعي حصولها في لبنان. فالراحل لم يعد ذا تأثير منذ انتقل إلى فرنسا قبل خمسة عشر عاماً. واللبنانيون على طبيعة أجدادهم الفينيقيين. بارعون في البيع والشراء. قلما احتكموا إلى الوفاء. مكيافيليون بالفطرة. يتدربون على البراغماتية منذ الولادة. فهم يعيشون على جغرافيا لم ترق يوماً إلى مستوى دولة. لذلك هم بارعون في تدبر شؤونهم وتغيير ولاءاتهم.

موت خدام حضر في الذاكرات اللبنانية من أدواره وتلاعبه بمصائرهم. قاد ضرب اليسار في سبعينيات القرن الماضي بعنف موازٍ لسحق اليمين وبطلب من قادته! ألّب الطوائف بعضها على بعض. هي أساساً جماعات كارهة لبعضها البعض. وهي جاهزة بالفطرة لمثل هكذا وظائف وأدوار. لكن الرجل أحسن، بوصفه ممثلاً للنظام السوري، استغلال التناقضات. لم يترك كبيرة أو صغيرةً في لبنان إلا وفعلها لتحسين شروط النظام السوري على حساب الوطن الصغير. أبرزها كان في مؤتمر “المصالحة الوطنية” عام 1983 في جنيف. جهده انصب يومها على تكريس “حق سوريا” في رفض أية تسوية مستقبلية لا تحفظ ما أسماه “مصالح سوريا في لبنان”.

الشيء نفسه سيفعله خدام في “الاتفاق الثلاثي” عام 1985 بين رئيس حزب القوات اللبنانية آنذاك إيلي حبيقة، رئيس حركة أمل نبيه بري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. وأخطر ما كانه الرجل تمثل في استبعاده الوزن السُني الذي استفاق على دوره المفقود بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. “سُنيتهُ” ستنبعث عام 1989 من خلال علاقته مع الحريري لانجاز اتفاق الطائف. وهذه “السُنية” ستكون هدفاً للتنكيل بها بدعوى أنها “عرفاتية” الهوى والولاء. هكذا كان الأمر في بيروت عبر ضرب تنظيم “المرابطون”، الذراع العسكرية والسياسية للإرث “الناصري” السُني. علماً أن الغيًرة على السُنة التي استجدت بعد انشقاقه عن الأسد الإبن، لم تكن حاضرة يوم مخاطبته الزعيم السُني البيروتي الراحل صائب سلام، بقوله له “كنتم موارنة في الحكم أكثر من الموارنة يا صائب بيك” على ما يذكر نائب رئيس حزب الكتائب الراحل جوزف ابو خليل في كتابه “قصة الموارنة في الحرب”.

دخل عبد الحليم خدام على خطوط الطوائف كلها ليُعلي النظام السوري في المنطقة ويُبقي على أدواره الإقليمية. أدار المعارك بين المسيحيين. إذ دعم إيلي حبيقة ضد مزاج مسيحي عبر عنه آنذاك سمير جعجع الرئيس الحالي لحزب القوات الرافض لأية تسوية تتنازل فيها المارونية السياسية. وقبل ذلك، أرسل عبر الراحل جوزف ابو خليل رسالةً إلى بشير الجميل واضحة الدلالات على حجم النفوذ السوري في لبنان وأبلغه فيها ما حرفيته:”قل لبشير ان إسرائيل تستطيع أن تصنع منه جنرالاً، ولكن لا تستطيع أن تصنع منه زعيماً وطنياً”.

وكذلك فعل خدام في الصدام بين حركة أمل بزعامة بري وبين الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط منتصف ثمانينيات القرن الماضي تحت عنوان “حرب العلمين”. الصدامات التي شهدها الشطر الغربي للعاصمة، وتوّجت في شتاء العام 1987، بالمعركة الشهيرة التي كادت تخرج أمل من العاصمة وتلغي خطوط التماس بين بيروت ومخيمي صبرا وشاتيلا، كانت مبرراً لاستغاثة “إسلامية”، وبيروتية تحديداً، تطالب بدخول ثانٍ للقوات السورية إلى بيروت بعد دخولها الأول في ظلال قوات الردع العربية في سبعينيات القرن الماضي ومن ثم خروجها اثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

وعلى مثال الطوائف الأخرى، كان لخدام بالغ الأثر والآثار عند الشيعة يوم انفجر معزلهم الطائفي تحت مُسمى “حرب الأخوة” أو “معارك إقليم التفاح” والضاحية الجنوبية. فكانت دمشق شديدة الحماسة لزعامة نبيه بري في مواجهة صعود حزب الله، ودخلت في مكاسرة مع الإيرانيين لابقائهم شركاء رأي لا شركاء قرار.

كثيرون في الأنظمة الشمولية يتقلدون العظمة. لكن قلة منهم تنتهي على ما انتهى إليه خدام. وكائناٍ ما كان الأمر، فان نهاية نائب الرئيس السوري السابق واحدة من نهايات كثيرة متعددة في العالم العربي تراوحت بين القصر والقبر. لكن الأسوأ له، أنه لن يُدفن في بلاده

الاستحضار اللبناني لسيرة خدام كان من طبيعة واحدة، وليست موحدة. الوحدة في لبنان من الأمور العسيرة. هذا الاستحضار “الواحد” اتسم بـ “ارتكابات” الرجل في الزمنين اللبنانيين: الحرب والسلم. والكُل اللبناني فعل من زاويته ومنطقه. فجأة تم استذكار الرئيس سليمان فرنجية في مؤتمر لوزان عندما قال له خدام “إذا ما بتتفقوا رح ارجع إلى سوريا”، فرد عليه بحدة: بيكون أحسن شي بتعملو”. وتنبه اليساريون إلى ما قاله الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي في مقابلة تلفزيونية عن أن قبول سياسيين لبنانيين بـ”الإذلال السوري” هو “مسؤولية هذه الطبقة التي ارتضت بمثل هذه المعاملة”. كانت الغلبة الغالبة من ردود الفعل على هذا الموت سلبية. وإذ أقامت للموت حرمةً ولم تحمل اي تشفٍ. لكن بعضها كان منكهاً بروحية الثأر. ربما كان ذلك رداً على رفضه الاعتذار من اللبنانيين في مقابلة تلفزيونية أجراها عام 2006.

وباستثناء ضمانة انتقال عبد الحليم خدام إلى جنات الخُلد التي قدمها للأخير النائب والوزير السابق جمال الجراح ـ وهو على ما يتردد انه كان وكيل اعماله العديدة والمتشعبة مذ كان يقيم دكانا لتصريف العملات في البقاع الأوسط في سبعينيات القرن الماضي ـ فإن اللبنانيين تعاملوا مع موت الرجل بمنطق استرجاعي لأدوار الراحل وتحكمه بحيواتهم السياسية، ذلك أن “الخطايا القديمة لها ظلال طويلة” على ما تقول الروائية والكاتبة البريطانية أغاثا كريستي.

خدام: أهوال الصداقة في السياسة

في صورة نادرة خلال الصلاة على باسل الأسد الذي قتل في حادث سير مروع في دمشق في العام 1994، يظهر الأسد الأب وعلى يمينه الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، فالرئيس رفيق الحريري، ثم عبد الحليم خدام، وأخيراً رئيس مجلس النواب نبيه بري. هذه الصورة التي تعكس ما كانه يوماً مثلث دمشق ـ القاهرة ـ الرياض قبل سقوط بغداد، انما تعكس طبيعة علاقة الصداقة القوية بين الحريري وخدام الذي أخلى مكانه كنائبٍ للرئيس إلى صديقه الحريري. وهكذا ستكون هذه الصداقة مادةً لتأويلات لاحقة، كما كانت سبباً لمناكفات سابقة. وأشدها مفارقة ان خدام اقام بباريس واعلن انشقاقه عبر فضائية “العربية” السعودية من منزل لرفيق الحريري. والصداقات السياسية بالنسبة للساسة اللبنانيين غالباً ما تكون أثمانها باهظة. والأمثلة كثيرة. فهي لم تنته مع اغتيال رفيق الحريري، فقد بدأت مع اغتيال كمال جنبلاط. وما بينهما كثرة من رؤساء جمهورية وحكومة وقادة أحزاب ورأي.

طبيعة العلاقة الاستثنائية بين خدام والحريري الأب كانت محط أنظار اللبنانيين على الدوام. فالأول، ما ترك وسيلة لدعم الثاني للبقاء في سدة الرئاسة الثالثة في لبنان. أبرز معالم هذه الصداقة كانت في تدخل نائب الرئيس السوري الراحل لإعادة الحريري عن اعتكافه الأول. والأكثر دلالة عن حجم وطبيعة العلاقة بين الرجلين، كان في بيان أصدره رئيس الجمهورية السابق إميل لحود في معرض سجاله مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ومما قال فيه “من واجبنا تذكير سعد رفيق الحريري أن والده، حين تولى رئاسة الحكومة للمرة الأولى، لم يكن رئيسا لحزب أو لكتلة نيابية، بل رجل أعمال دعمت سوريا، وتحديدا عبد الحليم خدام، وصوله”.

وما يزيد الأمور توضيحاً كان أيضاً في تغريدة للنائب جميل السيد الذي اتُهم على الدوام بأنه أحد أركان النظام الأمني اللبناني ـ السوري، وجاءت أيضاً في معرض سجاله مع سعد الحريري حول ضلوعه في تشكيل حكومة حسان دياب الحالية، إذ ورد فيها: “…. كنت أتمنى أن يكون صحيحاً وأن يكون الرئيس رفيق الحريري حيّاً بيننا كي أوصي بترؤّسه للحكومة كونه كان من أكبر رموز خدّام والوصاية السورية”.

هذه الصداقة بعمقها ودلالاتها “المذهبية”، على ما كان يتردد في توصيف علاقة الرجلين مع بعضهما البعض، ستكون سبباً ومبرراً للأسد الإبن من أجل تسريع وتيرة إزاحة خدام مع تعاظم الحديث عن تنسيق أميركي ـ أوروبي ـ سعودي، ضد الرئيس السوري بسبب خياراته السياسية الإقليمية وخصوصاً لجهة علاقته بإيران وتبنيه المقاومة ضد الإحتلال الأميركي للعراق.

خدام: “الأنا” التي لا تعترف

ما يفوق سواه أهمية في حياة عبد الحليم خدام هو “الأنا”. فقد طغت وطبعت كل مقابلاته التلفزيونية والصحفية منذ وصوله إلى باريس. لقد أطاحت بصداقاته. فقد نفت “الأنا” أدوار الجميع حتى حكمت الشهابي الذي كان يعطيه في السياسة حق استثمار ما ينجزه هو في العسكر والأمن. ويقال أن الشهابي في آخر أيام حياته كان عاتباً جداً على خدام ورفض التواصل معه، لأنه كان يرفض هذه الإنقلابية وكل تهرب من تحمل المسؤولية. أكثر من ذلك، فقد ذهب خدام للحديث عن قدرته على تفكيك النظام، لكن شيئاً من هذا القبيل لم يظهر.

“أناه” المتورمة أكثر ما تبدت في مقابلة أجراها مع قناة تلفزيونية عام 2017. ففيها نفى بهدوء شديد وبدون أي تردد أو تلعثم أن يكون قد أخطأ في شيء طوال حياته السياسية. على العكس من ذلك، فقد ادعى أنه كان إصلاحياً. وزعم في إطلالات أخرى عقده العزم على تأريخ الانقلابات في بلاده. لكن ما يبعث على الغرابة نكوصه عن تنفيذ وعد أطلقه غداة انشقاقه في باريس ويتعلق بإصدار كتاب يروي فيه مذكراته، والتي كان رحب بطباعتها ونشرها الراحل الكبير غسان تويني. لكن القدر غلب الثاني، ولحقه الأول من دون أن يخط حرفاً عن سيرته التي تبقى مفتوحة على اتهامات كثيرة وأكثرها وحشية وغموضاً تلك التي تتحدث عن نفايات نووية أدخلها إلى بلاده ودفنها في البادية قرب تدمر.

كثيرون في الأنظمة الشمولية يتقلدون العظمة. لكن قلة منهم تنتهي على ما انتهى إليه خدام. وكائناٍ ما كان الأمر، فان نهاية نائب الرئيس السوري السابق واحدة من نهايات كثيرة متعددة في العالم العربي تراوحت بين القصر والقبر. لكن الأسوأ له، أنه لن يُدفن في بلاده.

(*) كاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course