تحليل Archives - 180Post

780-2.jpg

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقرأ الأحداث من خلال ظاهرها فقط، بل من خلال العلاقات الخفية التي تربط بينها. هكذا يبدو المشهد اليوم بين مسارين تفاوضيين متوازيين ظاهريًا: مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وأخرى غير مباشرة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن التدقيق يكشف أن هذين المسارين لا يسيران بشكل مستقل، بل يتقاطعان عند نقطة مركزية واحدة: لبنان نفسه، لا بوصفه طرفًا تفاوضيًا كامل السيادة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة أوسع من الترتيبات الإقليمية.

78787878787.jpg

تعتبر المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي بدأت في إسلام آباد، هي الأعلى مستوى بين الجانبين منذ عام 1979. نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس وما يمثله من رمزية الجناح المعارض للتدخلات الخارجية في إدارة الرئيس دونالد ترامب والمرشح الأقوى للرئاسة عام 2028، ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي ينظر إليه على أنه الشخصية السياسية المحورية في النظام الإيراني، بعد حملة الاغتيالات التي طاولت المرشد علي خامنئي وأمين مجلس الأمن القومي السابق علي لاريجاني.

89898989.jpg

لم تكن الغارات التي حوّلت بيروت، في يوم "الأربعاء الأسود"، إلى ما يشبه الجحيم حدثاً عسكرياً عادياً يمكن إدراجه في سياق التصعيد الإسرائيلي التقليدي، بل جاءت كاختبار فجّ لمعادلة إقليمية جديدة وُلدت فجراً مع الإعلان عن الاتفاق الأميركي–الإيراني، الذي شمل لبنان بشكل صريح، حسب الورقة التي أعلنها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. في تلك الساعات القليلة، انتقل اللبنانيون من نشوة حذرة بوقف نار محتمل، إلى صدمة وجودية وهم يشاهدون عاصمتهم تُستباح تحت مسمى: "الظلام الأبدي".

800-6.jpg

في ظل هدنة الأسبوعين التي أبرمتها باكستان بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يبرز سؤال جديد في أروقة التحليل الاستراتيجي: لماذا تتقدم باكستان اليوم كأبرز وسيط بين الطرفين؟ وهل يعكس ذلك تحولاً في خريطة الوساطات الإقليمية، أم أنه استجابة لظروف استثنائية فرضتها طبيعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران؟

lauzan-cultibomba.jpg

ليس مبالغة القول إن مقاربة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق في منظومة عالمية مأزومة، تُبرّرها عوامل الترابط والتفاعل الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومنها موقع إيران المحوري واحتياطات الطاقة وممراتها والتي تجعلها لاعباً حاسماً في سياسات الطاقة العالمية.

Trump-Xi-trade-truce.jpg

في لحظات التحول الكبرى، نادرًا ما تعلن الدول أهدافها الحقيقية. الحروب، لا تُفهم من خلال بياناتها الرسمية، بل من خلال ما تعيد تشكيله في خرائط القوة العالمية. من هذا المنظور، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أقل ارتباطًا ببرنامج نووي أو صاروخي أو توازن ردع أو نفوذ إقليمي، وأكثر اتصالًا بمحاولة عميقة لإعادة هندسة النظام الدولي (وضمناً الإقليمي) في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي لمصلحة نظام متعدد الأقطاب.

750-2.jpg

عندما لمس وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كينسجر، عناد رئيس الوفد الفيتنامي إلى مفاوضات باريس للسلام لي دوك ثو، في كانون الأول/ديسمبر 1972، عمد الرئيس الأميركي عامذاك ريتشارد نيكسون إلى حملة جوية غير مسبوقة بواسطة 200 قاذفة "بي-52" على البنى التحتية العسكرية والاقتصادية في هانوي وهايفونغ من "أجل هزّ الفيتناميين في صميمهم"، كما دوّن كيسنجر في مذكراته لاحقاً. لكن الحملة الجوية لم تُحقّق هدفها برغم الخسائر التي أسفرت عنها، واضطرت واشنطن لإبرام اتفاق سلام مع هانوي، لينسحب آخر جندي أميركي من فيتنام في آذار/مارس 1973.

750-3.jpg

بينما تواصل الولايات المتحدة الحرب على إيران وسط تصريحات متناقضة للإدارة الأمريكية عن الحرب وتطوراتها وموعد نهايتها، فإن الشارع الأمريكي يتفاعل بقوة مع هذه الحرب نظرًا لتأثيرها الكبير على ظروف حياته اليومية.

800-1.jpg

خلال الأسبوع الماضي، برزت باكستان كوسيط في الحرب التي تشنها أميركا وإسرائيل على إيران، وهذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها باكستان دورًا بهذا الحجم في قلب الخليج العربي. السؤال: هل هذا الدور مدفوع باتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان التي تنص على التزام كلا البلدين بالتعامل مع أي عدوان ضد أحدهما بوصفه عدوانًا ضد البلدين، مع التذكير بأنّ إسلام آباد التزمت الصمت عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة على حليفتها الرياض التي لم تستنجد علناً بحليفتها الآسيوية.